انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

إبن فطيم الحلقة الخامسة

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

20 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
إبن فطيم الحلقة الخامسة
مشاركة:

هواء فاسد، مخاوف نقية

في تلك اللحظة، حين انفتحت أبواب الحديد الصدئة، لم يكن الضوء كما تخيلته. شعرتُ به أشبه بوخز إبر في العينين المرهقتين من عتمة اعتادتها دون جدل. الخطوة الأولى خارجاً كانت ثقيلة، كأن الأرض تختبرني، وأنا أتهاوى بين دهشة المسافة وبقايا القيود التي ما زالت تخدش معصمي رغم غيابها.

كان الهواء مختلفاً، محملاً برائحة لا تشبه شيئاً. خليط من العطن والحرية المشوهة. أدركتُ أن السجن لم ينتهِ حقاً، بل تمدد داخلي، يتنفس معي، ويعيد تشكيل الخوف بنسخته الجديدة.

خطوة… ثم أخرى، وكأنني أتعلم المشي من جديد. شعرتُ بالأنظار تنهشني؛ وجوه غريبة تراقب، أو ربما هذا ما أوهمتني به ذاكرتي المثقلة بالشكوك.

“هل تغير العالم أم أنا الذي تغيرت؟” تساءلت بصمت، وأنا أسترق النظر إلى السماء، كانت ضبابية كأنها تعاقبني هي الأخرى، تحجب عني زُرقتها.

لم يكن هناك من ينتظرني. أصدقائي القدامى؟ ذهبوا، غابوا، أو ربما اختفوا مثلي خلف أبواب أخرى. الأسرة؟ كانت مجرد ذكرى بعيدة تُسرب دفئها بصعوبة إلى هذا القلب الذي أنهكته الوحدة.

وفي خضم هذا التوهان، تذكرتُ أول الكلمات التي رددتها في تلك الزنزانة حين دخلتها: “لن أخاف.” لكن الخوف الآن يلتف حولي كحبل متين، يذكرني بأن السنوات الطويلة خلف القضبان لم تقتل ضعفي، بل أطالت أمده.

تابعتُ السير ببطء، كمن يحاول التملص من جدران غير مرئية تطوقه. كل خطوة كانت اختباراً؛ الشارع بدا أطول مما ينبغي، مزدحماً بأصوات غريبة، لا أميز إن كانت تتحدث أو تهمس أو تصرخ في وجهي مباشرة. شعرت أن العالم بأكمله يعجّ بالحركة، لكنه يرفضني، كأنني دخيل على حياة لم تعد تعرفني.

استوقفتني رائحة… رائحة خبز؟ كانت دافئة، لكنّها حملت معها طيفاً آخر: شعورًا بالخسارة. كم مرة حلمتُ بهذه الرائحة في زنزانتي الباردة؟ وكم مرة تصورت نفسي أجلس على طاولة صغيرة، أتقاسم الرغيف مع من تبقى لي؟ الآن، الرائحة ذاتها تُذكّرني بأن كل تلك الأحلام كانت مجرد مهرب هش، لا أكثر.

رأيتُ طفلًا يركض بجانب الطريق، ضحكته كانت عالية، بريئة… لكنها أثارت فيّ وحشة. اقتربتُ دون وعي، كأني أبحث في وجهه عن شيء ضاع مني. التفت إليّ، نظرته كانت عابرة، لكنها حملت سؤالاً: “من أنت؟”. لم أجد جوابًا. شعرتُ وكأن هويتي أصبحت ركامًا خلف أبواب السجن.

مررتُ بمحاذاة واجهة زجاجية تعكس وجهي. للحظة، وقفت. تأملت تلك الملامح التي بالكاد تعرفت عليها. الجفاف تسلل إلى البشرة، التجاعيد حفرت خطوطها بلا استئذان، والعيون… آه، تلك العيون، لم تعد تحمل سوى ثقل السنين. همستُ لنفسي: “هذا أنا؟ أم شبح ما تبقى مني؟”

فجأة، طرق أذني صوتٌ مألوف. صوت أذان، صوت كنت أسمعه هناك… خلف الجدران، يتسلل ضعيفًا وسط صراخ القهر. الآن يبدو أوضح، لكنه لم يمنحني الطمأنينة. بل شعرتُ أنه يسخر مني، يذكرني بأن الزمن استمر رغم جموده داخلي.

لم أكن أعلم إلى أين أمضي. الطرقات جميعها بدت متشابهة، كأنها تحاصرني وتعيدني إلى نقطة البداية. فكرتُ للحظة أن أعود إلى ذلك الباب الحديدي… أن أطرق عليه، وأطلب العودة إلى ما كنت أعرفه. كان السجن مألوفًا، محددًا، أما هذا العالم فهو بحرٌ بلا ضفاف، وأنا فيه غريق لا يجيد السباحة.

لكنني استجمعت أنفاسي، دفعت نفسي للأمام. “ربما هناك شيء ينتظرني… ربما.” هذه الكلمة، ربما، كانت طوق نجاتي الوحيد، رغم هشاشته. كانت الشمس تُلقي خيوطها المتعثرة على وجهي، كأنها تُجبرني على مواجهة كل شيء دفعة واحدة. أغلقتُ عيني للحظة، محاولاً أن أستعيد صوت أمي، ضحكة أخي، أو حتى همسة عابرة من تلك المرأة التي وعدتني بالانتظار. لكن الفراغ كان أقوى. كان الصمت داخلي صاخبًا، يعيد لي أصداء قضبان تتآكل ورائحة رطوبة مختلطة بالخيبة.

استدرتُ في اتجاه غير واضح، خطواتي ثقيلة، أشبه برجل يحمل عالماً كاملاً على كتفيه. فجأة سمعت صوتًا يناديني… أو هكذا ظننت. التفتُ سريعًا، لكن لا شيء سوى المارة يمضون بوجوه محايدة، لا تعنيها ملامحي أو قلق خطاي.

في زاوية الشارع، وقفت أمام كشك صغير. بائع متجهم يعيد ترتيب جرائد لا تبدو عليها أي ملامح للحياة. اقتربتُ ببطء، نظرتُ إلى العناوين: “أسماء جديدة في السلطة… الاقتصاد ينهار… جريمة تهز العاصمة.” كلها كلمات مررتُ بها في السجن كأخبار عابرة، لكن الآن أصبحت حقيقة أمامي.

لم أكن أعرف إن كنتُ أبحث عن اسمي بينها، أم عن ظل قديم لوجودي الذي طمرته السنوات. مددتُ يدي المرتعشة لشراء جريدة، لكن البائع نظر إليّ باشمئزاز، وكأن الزمن الذي يعلق على ملامحي لا يعجبه. شعرتُ أنني مكشوف تمامًا. سحبت يدي وعدتُ أدراجي، أكثر خجلًا من أن أصرح بما أريده.

على مسافة ليست ببعيدة، توقفت أمام شجرة قديمة. جذورها كانت تبرز فوق الأرض، كأنها تعبت من الغرق في التراب وقررت أن تُعلن تمردها. نظرتُ إليها مليًا، ثم جلست على الأرض تحتها. شعرتُ أنها تعرفني، أنها مثل تلك الأشجار التي كنت أراها من نافذة زنزانتي الضيقة، لكن هذه المرة، لا نافذة بيننا.

“لماذا أشعر أني ما زلتُ خلف القضبان؟” قلتها بصوت خافت، كأنني أخاطب الشجرة نفسها. لم تجب، لكنها كانت شاهدة على أول دمعة تسللت إلى وجهي منذ سنوات. تلك الدمعة لم تكن ضعفًا، كانت محاولة لفهم هذا العبث الذي يحيط بي، هذه الحرية المشوهة التي لا تعترف بي بعد.

مرت ساعة… أو ربما يوم كامل. لم أكن أعرف الزمن بعد الآن. فجأة، سمعت خطوات تقترب. رفعت رأسي، وإذا برجل عجوز، يحمل كيسًا ثقيلًا، يقترب مني. نظر إليّ قليلاً، ثم قال بصوت مليء بالتجاعيد: “تبدو كمن يبحث عن شيء… أو من هرب من شيء.”

نظرتُ إليه طويلاً. لم أجب. شعرتُ أن كل الكلمات قد خانتني، وأن الحديث بات ترفًا لا أستحقه. لكنه ابتسم، وضع كيسه على الأرض، ثم جلس بجانبي. “لا بأس… أنا أيضًا كنتُ هناك.”

لم أحتاج إلى تفسير. عرفتُ ما يقصده. كان أحدنا. أحد الذين عبروا ذلك الباب الحديدي يوماً، وحملوا معهم زنزانة لا تنفك تطاردهم. لم أسأله شيئًا، ولم يسألني. جلسنا بصمت، كأننا نتقاسم الخوف ذاته، الهواء ذاته، والمخاوف النقية ذاتها. عاد إلى بيته القديم، أو ما تبقى منه. الجدران التي كانت تحتضن طفولته بدت مهترئة، كأنها تنفض عنه ذكريات لا تريدها. الباب الذي اعتاد أن يُفتح بضجة، أصبح ساكنًا. دفعه بخوف، فصرير المفاصل الصدئة استقبل عودته كعتاب.

داخل البيت، لم يكن هناك شيء سوى صدى خطواته. صور قديمة معلقة على الحائط بالكاد تعرفه. أبيه؟ ذاك الوجه الذي حفظه في ذاكرته بدا بعيدًا، كأنه ينتمي لزمن آخر. الجدران الباهتة حملت عبء الغياب، وأخبار الموت التي لم تصله إلا الآن، أصبحت حقيقة باردة تطل من زوايا المكان.

فتح درجًا خشبيًا قديماً، كانت رائحة الخشب المتهالك ممزوجة بذاكرة طيّبة ومؤلمة في آن. وجد وثائق مبعثرة، قصاصات ورقية كُتبت عليها أشياء لم يفهمها. بين الأوراق، عثر على وثيقة لم تكن غريبة، لكنها كانت كالسيف. أوراق الميراث.

قرأها، كلمة تلو الأخرى، ليكتشف أن الأب الذي كان يحمله فوق كل شيء، قد حرمه من كل شيء. “بسبب غيابه، وقراره الذي يعادي العائلة.” هكذا كُتب. كأن سنوات السجن لم تكن كافية لتكون عقوبته، بل امتدت لتصبح نبذًا حتى بعد الموت.

صمت. لا غضب، لا دموع. فقط فراغ آخر أضيف إلى داخله المثقل. حاول أن يستجمع شيئًا من الذكرى، لكنه لم يجد سوى شعور بارد… هل كان هذا الأب حقًا أبًا؟ أم مجرد اسم تحمّله كل تلك السنين بلا معنى؟

وسط هذا الخراب، كانت هناك يد تمتد من الظلال. يد انتظرها طويلًا. كانت هي، حبيبته. المرأة التي تسكن ذاكرته كصوت دافئ وسط كل صقيع. وقفت أمامه، نظرتها كانت مزيجًا من الشفقة والقوة. لم تقل الكثير، لكن وجودها كان كافيًا ليزيح عن كاهله ثقلًا لم يكن يظن أنه قادر على احتماله.

قالت بهدوء: “كل شيء مضى، ونحن هنا الآن… معًا.”

نظر إليها طويلاً. شعر أن تلك الكلمات، رغم بساطتها، كانت أصدق ما سمعه منذ خروجه. لم يكن بحاجة إلى تبرير، أو تفسير. فقط احتاج إلى دفء تلك اليد التي امتدت نحوه، وأمسكت بما تبقى من روحه.

“سأكون معك، إن أردت.” همست، لكنها لم تنتظر إجابة. أمسكت بيده وسحبته نحو الخارج، بعيدًا عن جدران الماضي التي أرادت أن تبتلعه.

وفي تلك اللحظة، قرر أن يرتبط بها. لم يكن القرار بدافع الحب فقط، بل بدافع النجاة. كانت هي الحبل الذي انتشله من بحر الغربة والخوف. كانت النافذة التي أعادته إلى الحياة، ليبدأ من جديد، حتى وإن كان العالم من حوله لم يعد كما كان. في الأيام التالية، كان عليه أن يبدأ بإعادة ترتيب حياته، أو على الأقل ما تبقى منها. كان الأمر أشبه بمحاولة بناء بيت من رماد. الغربة لم تكن فقط في الأماكن والوجوه، بل في نفسه التي ما عادت تعرف يقينًا من هي.

: كانت هي إلى جانبه دائمًا، تمنحه صبرًا لم يظن أن أحدًا قادر على منحه. لم تسأله عن الماضي، ولم تحمله ثقل التفسير. بل اكتفت بأن تكون ملاذًا صامتًا وسط كل هذا الضجيج الداخلي الذي يلتهمه.

في إحدى الليالي، وبينما كانا يجلسان في غرفة صغيرة استأجراها في حي بعيد، تجرأ وسألها: “لماذا ما زلتِ هنا؟ بعد كل ما حدث؟ بعد كل ما أنا عليه الآن؟”

نظرت إليه بعمق، عيناها كانتا تتحدثان قبل لسانها. “لأنك الشخص الذي انتظرته طويلًا. أنت لست ما يراه العالم، أنت ما أعرفه أنا. وهذا يكفيني.”

لم يعرف كيف يرد. شعر أن الكلمات لن تكون عادلة مع هذا النقاء الذي يحيط به. اكتفى بالنظر إليها، وكأن صمتها أهداه ما عجزت عنه كل الأصوات.

إبن فطيم
الحلقة الخامسة

بمرور الأيام، بدأت محاولاته الصغيرة للاندماج في هذا العالم الذي بدا وكأنه يرفضه. عمل في متجر صغير قريب من منزلهما الجديد. صاحب المتجر كان رجلاً بسيطًا، لكنه حمل في وجهه نظرة لم يسهل عليه تفسيرها: مزيج من الشفقة والريبة.

لم يكن الأمر سهلاً. كانت نظرات الناس كالسكاكين، تُشعره بأن ماضيه محفور في جبهته، يُقرأ بوضوح لكل من يمر بجانبه. لكنه كان يعود كل ليلة إلى تلك الغرفة، يجدها تنتظره بابتسامة دافئة، وكأنها تذكره أن العالم قد يكون قاسيًا، لكن لديها زاوية صغيرة من الأمان تخصه وحده.

ذات يوم، بينما كانا يتناولان العشاء، أمسك بيدها وقال بحزم لم تعهده في صوته: “أريد أن أبدأ من جديد… معك. أريد أن أكون الرجل الذي تستحقينه، مهما كان ذلك صعبًا.”

ابتسمت بهدوء، وأجابت: “أنت لا تحتاج أن تبدأ من جديد، فقط كن نفسك، وأنا سأكون هنا.”

تلك الكلمات كانت بداية شيء جديد. لم يكن يعرف كيف سيكون شكل المستقبل، لكنه كان واثقًا من شيء واحد: أنه لن يكون وحده هذه المرة. مع الوقت، بدأ يبني جدرانًا جديدة في داخله، ليست لتقييده، بل لتحمي ما تبقى من روحه.

وكانت هي دائمًا هناك، إلى جانبه، تزرع الأمل في تربته الجافة، حتى بدأ شيئًا فشيئًا يشعر أن هذا الهواء الفاسد من حوله قد يتطهر يومًا… بمخاوفه النقية وبالحب الذي لم يتخل عنه. مرت الأيام بثقلها المعتاد، لكنها لم تكن كالسابق، إذ كانت رفقة حبيبته تصنع فرقًا يصعب إنكاره. كان يقضي وقته بين العمل في المتجر الصغير ومحاولات استعادة ذاته التي مزقتها السنوات. في كل ليلة، كانت تسأله عن أحلامه، عن الأشياء التي تركها خلفه، وكان يتحدث بحذر، كمن يفتح صندوقًا خشبيًا قديمًا مليئًا بالشوك والذكريات.

“أريد أن أكتب… ربما أكتب كل شيء، كل ما حدث.” قالها ذات مرة وهو ينظر إلى نافذة الغرفة التي تطل على شارع خافت الضوء.

ابتسمت وهي تقرب كرسيها منه: “اكتب، دع الكلمات تخبر عنك ما عجزتَ أن تقوله.”

كان الحديث عنها، وعن تلك الأيام، وعن الخوف، أشبه بمحاولة علاج جرح لم يلتئم بعد. لكنه بدأ الكتابة، بدايةً بطيئة، بسطور قليلة كل يوم. وجد في الكتابة متنفسًا، كأنها الطريقة الوحيدة ليخرج ما يعتمل داخله دون أن ينهار.

في أحد الأيام، وبينما كان يرتب أغراضه القديمة، وجد رسالةً مطوية بعناية بين دفاتر قديمة. فتحها بتردد، ليقرأ كلمات والده الأخيرة. كانت الرسالة بسيطة، لكنها كافية لتحرك شيئًا في داخله:

“لم أفهمك يومًا، ولم أكن مستعدًا لفهمك. ربما كان غضبي عليك أكبر من قدرتي على حبك، لكن اعرف أنني أردت لك حياة أفضل من التي عشتها. إن كان هناك ما يمكنني إصلاحه الآن، فهو أن أقول لك: سامحني، إن استطعت.”

سقطت الرسالة من يده، وبقي جالسًا طويلاً، غارقًا في كلمات رجل رحل دون أن يمنحه فرصة مواجهة حقيقية.

حين دخلت عليه حبيبته، وجدته يحمل الرسالة بين يديه ووجهه شاحب. جلست بجانبه، قرأت الرسالة بصمت، ثم قالت بهدوء: “لا يمكنك تغيير الماضي، لكن يمكنك أن تسامح… ليس من أجله، بل من أجلك.”

أومأ برأسه دون أن يقول شيئًا، لكنه شعر أن تلك اللحظة كانت خطوة نحو التصالح مع أشياء لم يكن يتخيل يومًا أنه قادر على تجاوزها.

بعد بضعة أشهر، قرر أن يتزوجها. لم يكن زواجًا فاخرًا، بل بسيطًا، أشبه بحفل صغير بين شخصين يكتفيان بوجودهما معًا. كانت تلك الليلة بداية عهد جديد، عهد لم يكن كاملاً ولا خالياً من الخوف، لكنه كان أكثر دفئًا مما عرفه من قبل.

: مع مرور الوقت، بدأ يُعرف بكتاباته. نصوصه، التي تحمل عبق السجون وحكايات الغربة والخيبات، وجدت طريقها إلى القراء. كان يكتب عن ألمه، لكن بأسلوب يجعل القارئ يرى فيه بصيص الأمل، ولو كان خافتًا.

وفي إحدى أمسيات القراءة التي دعته إليها إحدى المؤسسات الثقافية، وقف أمام جمهور صغير. حين رفع نظره عن الأوراق، لمح وجهها بين الحضور. كانت تبتسم، كما لو أنها تقول له: “انظر إلى نفسك الآن.”

تحدث بثقة لم يعرفها من قبل. كانت الكلمات تتدفق منه كأنها جزء منه، كأنها كل ما بقي له ليقول للعالم إنه لا يزال هنا، رغم كل شيء. وحين انتهى، كان التصفيق حارًا، لكن أكثر ما كان يعني له هو تلك الدموع التي لمعت في عينيها.

عادا إلى البيت تلك الليلة، وسألته: “كيف تشعر الآن؟”

فأجاب، دون تردد هذه المرة: “أشعر أني حر… للمرة الأولى.”

وقف عند حافة القبر، صامتًا، يحدّق في شاهدته الحجرية كمن يراها للمرة الأولى. لم يكن يعرف كيف تبدو أمه الآن، هل ما زالت تحمل ملامحها التي حفظها في ذاكرته؟ أم أن التراب قد محا كل شيء، كما حاولت الأيام أن تمحوه من حياة من تركهم خلفه؟

مدّ يده ليلامس الحروف المحفورة على الشاهدة، كانت باردة، كأنها ترفض أن تعطيه أي دفء كان يبحث عنه. شعر برعشة خفيفة تسري في جسده، كأن شتاءً قديمًا عاد ليسكن عظامه. أغمض عينيه، ثم همس، وكأنه يخشى أن يوقظ الموتى:

“أمي… عدتُ بعد كل هذا الغياب. لكني لم أعد كما كنتِ تريني، لم أعد الطفل الذي خبأتِ وجهه في حجرك حين كان يخاف العتمة. لم أعد الشاب الذي كنتِ تباركين خطواته وهو يخرج للبحث عن مستقبله. لقد كبرتُ يا أمي، لكن ليس كما كنتِ تأملين… لقد كبرتُ في السجن، في العزلة، في الخوف… ولم تكوني هناك حين كنتُ في أشدّ الحاجة إليكِ.”

شعر بحبيبته تضع يدها على كتفه، لم تقل شيئًا، لكنه كان يعلم أنها تريده أن يستمر، أن يخرج ما في داخله، أن يترك هذا الركام الذي يحمله منذ سنوات.

تنهد بعمق، ثم تابع بصوت متهدج:

“أماه… أبي رحل أيضًا، لكن ليس كما رحلتِ أنتِ. رحل بعد أن دفنني حيًا، بعد أن نزعني من إرثه كما يُنزع الغريب من تاريخ عائلته. هل كان غاضبًا مني؟ هل كنتُ لعنةً عليه؟ لا أعرف يا أمي، ولا أريد أن أعرف. كل ما أعرفه أني أقف الآن أمامك، وحيدًا كما كنتُ دائمًا، لكني لستُ مكسورًا تمامًا. لأن هناك من تمسك بيدي حين ظننتُ أن لا يد ستمتد إليّ بعدك.”

نظر إلى السماء، كأنه يبحث عن شيء ما، عن إجابة، عن إشارة، لكنه لم يجد سوى السكون. ركع أمام القبر، أمسك حفنة من التراب، وتركها تنساب من بين أصابعه.

“هل تسمعينني؟ هل تشعرين بي؟ أم أن المسافات بيننا قد أصبحت أبعد من أن تُختصر بكلمات؟ لا أدري، لكني سأعتبر أنكِ تسمعين. سأعتبر أنكِ ترينني الآن، وسأقول لكِ شيئًا أخيرًا… لقد حاولتُ يا أمي، حاولت أن أكون قويًا كما كنتِ تريدين، حاولت أن أبقى واقفًا رغم كل شيء. وإن كنتُ قد فشلتُ مرات كثيرة، فها أنا اليوم أقف من جديد… لأنكِ زرعتِ في داخلي شيئًا لا يموت.”

وضع يده على الشاهدة للحظة أخيرة، ثم نهض، التفت إلى حبيبته، فوجدها تمسح دمعةً بصمت. لم يكن بحاجة إلى تفسير، فقد فهمت كل شيء. أمسك بيدها، ثم قال بصوت هادئ لكنه ممتلئ بيقين لم يعهده في نفسه من قبل:

“لنعدِ الآن.”

لم تسأله إلى أين، لأنه هو نفسه لم يكن يعرف. لكنه كان يعلم أن هذه المرة، حين سيغادر المقبرة، لن يكون مثقلًا كما كان عندما دخلها.

توجهوا معًا بعيدًا عن القبر، خطواتهما خفيفة رغم كل شيء، وكأن الأرض تحت أقدامهما قد أصبحت أخف. الهواء الذي كان ثقيلًا عند دخولهم المقبرة بدأ يلتف حولهما بلطف، وكأن العالم يحاول أن يمحو ببطء الهمسات الثقيلة التي تركها الماضي في قلوبهما. كان كل شيء حولهما هادئًا، لكنهما كانا يعلمان أن الهدوء لا يعني الخلاص، بل هو فقط بداية جديدة.

بينما كانا يمشيان في صمت، شعرت حبيبته بحاجته إلى الحديث، وقررت أن تكسر هذا الصمت الثقيل. قالت، بصوت ناعم: “كيف شعرت حين وقفت هناك؟ عند القبر؟”

أجاب بعد لحظة من التفكير: “شعرت بأنني كنت أتحدث إلى شخص غريب، رغم أنني كنت أعرف كل حرف في هذه الكلمات. لكن كل شيء بيننا كان قد تغير، حتى ذاكرتي. لقد حاولت أن أكون قويًا، لكنني في النهاية كنت فقط طفلًا ضائعًا يبحث عن أمه.”

لم ترد مباشرة، بل اكتفت بأن تنظر إليه، ثم قالت بصوت مليء بالثقة: “لقد كنت قويًا، رغم أنك لم تشعر بذلك. القوي ليس من يرفض ضعفه، بل من يعترف به ويظل قادرًا على المضي قدمًا رغم كل شيء.”

نظر إليها بتقدير، وفي قلبه شيء من الأمل بدأ يعود. كانت كلماتها بمثابة مفتاح لقلعة كانت مغلقة على قلبه، أو ربما كانت نورًا يسطع في أفقه المظلم.

واصلوا المشي، وكانت المقبرة خلفهم الآن. لم يكن العالم قد تغير فجأة، لكن داخله شعر بشيء مختلف. كان قد قرر أخيرًا أن يترك الماضي خلفه، ليس بنسيانه، بل بتقبله. تعلم أن المغفرة لا تأتي فقط من الآخرين، بل أولاً من نفسك.

وصلوا إلى الشارع الذي يتقاطع فيه الماضي والحاضر. هنا، حيث كانت الحياة تواصل دوراتها، كان يقف على عتبة جديدة. لم يكن يعلم ما يخبئه المستقبل، لكن لم يعد يخشاه كما كان من قبل. كانت هناك يد قوية تمسك بيده، وقلوب محاطة بأملٍ يعيد تشكيل كل شيء حوله.

وقفت حبيبته بجانبه، وابتسمت له بابتسامة تحمل كل الهدوء الذي فقده لسنوات. لم يكن بحاجة للكلام، فالحياة كانت تكتب له فصولًا جديدة بصمت، وكان يشعر لأول مرة أن فصوله القادمة ستكون مليئة بالحياة، بعيدًا عن السجون التي حجزت قلبه طويلًا. تاهوا معًا في قبة الذهب، حيث كان الصمت يعم المكان إلا من صوت خطواتهما التي تتردد على الأرض الرخامية. كان الضوء الخافت يأتي من الشمعدانات التي تضيء المكان بخيوط ذهبية. لم تكن هناك كلمات، كان كل شيء يبدو كما لو أنه زار روحهما، وامتزج الزمان والمكان. كل شيء هناك كان مختلفًا، وكأن الحضور في هذا المكان له قوة تفوق العادي.

عند ضريح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، توقفا. جلس هو، بجانب الضريح، مطأطئ الرأس، والشعور بالضياع يتسلل إليه من جديد. وضع يديه على قلبه وكأنما يحاول أن يوقف نبضات الزمن التي لا تزال تلاحقه.

بدأت دموعه تنحدر بحرقة، كأنما كانت كل لحظة ألم في حياته تنفجر فجأة، بينما هو يهمس بحروف تعجز عن التعبير: “يا أمير المؤمنين، إنني ضائع، بين ما كنتُ عليه، وما أصبح عليه حياتي. كان الطريق مظلمًا طويلًا، وقد ابتعدت كثيرًا عن العدل الذي علمتنا إياه. أين أنا الآن؟”

ثم شعر بشيء غريب، كما لو أن الهواء المحيط به بدأ يثقل. كان يبدو وكأن كل شيء قد توقف، كما لو أن الزمن نفسه توقف ليتيح له لحظة لقاء غير مرئي.

إبن فطيم
الحلقة الخامسة

من داخل الضريح، من حيث الظلام، جاء صوت عميق، مهيب، يتردد في أذنه، كما لو أن أذنه كانت تحمل صدى التاريخ، وصدى الحكمة التي لا تموت:

“يا بن آدم، إن السجن الذي كنت فيه ليس إلا سجنًا لروحك. الحكايات التي ترويها عن الماضي لا تجعل من غيابك غيابًا حقيقيًا. لا تظن أن الأيام التي مرت عليك كانت ظلمًا، بل كانت دروسًا. إذا أردت أن تجد ذاتك، فابحث عن العدل في نفسك، لا في المظاهر. إن الغربة الحقيقية هي غربة القلب، لا غربة الجسد.”

كان الصوت يتردد في عقله، كأنما يراه أمامه. لم يكن الصوت مجرد كلمات عابرة، بل كان حديثًا حيًا يتغلغل في أعماقه. كل كلمة كانت تعيد ترتيب فوضى أفكاره، وتفتح له أفقًا لم يكن يدركه من قبل.

أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا استيعاب ما سمعه. كان يشعر كما لو أن كل شيء في الكون قد توقف لتلك اللحظة، لتلك المناجاة التي ألهمته القوة من أعماقها.

هز رأسه بصمت، وأعاد الحديث إلى نفسه: “إنني أبكي لأنني ضعت، لكنني الآن أدرك أن طريق العودة لا يكون إلا بالعدل، بأن أكون حقيقيًا مع نفسي.”

كانت حبيبته بجانبه، تراقب المشهد بصمت. هي الأخرى شعرت بالقوة التي أُخذت من تلك الكلمات. لكنها لم تتكلم، بل تركت له المجال ليصغي أكثر، ليشعر بما يشعر به في تلك اللحظة التي تغير فيها كل شيء.

نهض ببطء، مسح دموعه بحذر، ثم نظر إلى الضريح مرة أخرى. كانت الكلمات التي سمعها لا تزال ترن في ذهنه، كأنها ميراث قديم جاء لينقذه، ليعطيه الطريق الذي فقده.

“لقد فهمت الآن، يا علي.” قالها بصوت منخفض، ولكنه محمل باليقين. “لن أكون ضائعًا بعد اليوم. سأبحث عن العدل في كل خطوة أخطوها، وسأعود إلى نفسي من جديد.”

وابتعدوا معًا عن الضريح، وكان الشعور بالطمأنينة يغمره أكثر من أي وقت مضى. مشى وهو يشعر بأن قدميه قد أصبحتا أكثر ثباتًا، وكأنما الأرض نفسها قد دعمت خطواته. كان الصوت الذي سمعه من داخل الضريح لا يزال يرافقه، يرن في أذنه كقيدٍ قوي، ولكن لا يقيد إلا الروح التي كانت تحتاج إلى التحرر.

حبيبته كانت بجانبه، تراقب كل حركة، كل تعبير على وجهه. هي تعلم أنه قد تغير، ولكنها لم تجرؤ على السؤال، لأن الجواب كان يكمن في تلك اللحظات التي عايشها، في تلك الكلمات التي حفرها في روحه.

عندما اقتربوا من باب القبة، توقّف للحظة، وهو يلتفت إلى الوراء، نحو الضريح، حيث كانت صورته، بشموخها، لا تزال حاضرة في قلبه. شعور غريب داهمه، كأنما كان في حضرةٍ غير مرئية، وكأن الكلمات التي سمعها ما هي إلا بداية لرحلة لم يكن يتوقعها.

“يا علي، لقد كنتَ تعرف كل شيء قبل أن أتحدث، كل شيء قبل أن أطلب المساعدة. شكراً لأنك كنت هناك، في لحظة حاجتي.” همسها في نفسه، وهو يخطو خطوة نحو الخارج.

وفي تلك اللحظة، كانت حبيبته قد فهمت ما مرّ به، وقرأت كل شيء في عينيه. لم يكن بحاجة للكلمات، فقد كانت هذه اللحظة هي المبتدأ لكل شيء جديد.

خارج القبة، كانت الشمس قد بدأت تغرب، والشوارع محاطة بالهدوء الذي يسبق الليل. الهواء كان مختلفًا، أكثر صفاءً، وأكثر قدرة على التنفس. شعرا وكأنهما خرجا من زمنٍ طويل ليغرقا في زمن جديد، حيث الوعود المستقبلية تتناغم مع الأمل.

“لن تكون وحدك بعد الآن.” قالتها حبيبته أخيرًا، محققة الوعد الذي قطعته له.

ابتسم، وقال بهدوء: “أنا لا أحتاج أحدًا ليكملني، لكنني أحتاج من يفهمني… ويقيني أنني الآن أرى الطريق.”

واستمروا معًا، يمضون في الشوارع التي لم يخطوها معًا منذ زمن بعيد، ومع كل خطوة، كان الماضي يتضاءل أكثر، وكان المستقبل يبدأ في التبلور أمامهم، كما لو أنه صفحة جديدة بدأت تُكتب.

وفي تلك اللحظة، فهم أن الحياة لا تنتهي عند نقطة معينة، بل هي سلسلة من النهايات التي تفتح أبوابًا جديدة. وكانت قبة الذهب، مع كلمات الإمام علي، هي بداية جديدة، بداية للسلام الداخلي، والتصالح مع الذات.

واصلوا سيرهما في الشوارع التي كانت مليئة بالصمت، وكل خطوة كانت تكشف عن فصل جديد من حياتهم. كانت المدينة، بمآذنها الشامخة وجدرانها العتيقة، تئن تحت وطأة الزمن، ولكنها مع ذلك كانت تقدم لهما إحساسًا بالسلام، وكأنها تحتضنهما في رحلة العودة إلى النفس.

بينما كانت عيناه تتجولان في مشهد المدينة، توقفت ذهنيته فجأة عند فكرة واحدة: “الوقت لا يعود، ولكننا نعيش فيه، نعيد بناءه على أسس جديدة.” أدرك الآن أن الرحلة لم تكن عن العودة إلى ما كان، بل عن القدرة على العيش في اللحظة التي تملكها.

نظرت حبيبته إليه، وكأنها تقرأ في عينيه ما كان يخبئه. قالت بابتسامة هادئة: “هل أنت مستعد للمضي قدمًا؟”

أجاب، وهو يشد على يديها برفق: “أعتقد أنني أخيرًا مستعد.”

كان من الواضح له الآن أن التغيير الحقيقي كان في داخل قلبه. لم يعد ذلك الرجل الذي كان يهرب من الماضي أو يخاف من الظلام. أصبح يعرف أن الضوء يأتي من الداخل، من القدرة على التسامح مع نفسه أولاً، ومن ثم مع الآخرين.

كانا يتوجهان نحو نهاية الشارع حين توقفت قليلاً، ناظرة إلى السماء التي بدأت تلبس حلة الزهور الحمراء والشفق، فأضافت: “كل شيء يمكنه أن يتغير، حتى الأشياء التي كنا نعتقد أنها ثابتة. هل كنت تعرف هذا؟”

ابتسم برقة، وأجاب: “أعتقد أنني الآن أعرف.” كان يشعر أن العالم كله قد تنفس معه، وأنه قد أخيرًا استعاد ذاته.

وصلوا إلى نقطة النهاية، كانت الطريق تلتقي عند مفترقين: أحدهما يقود إلى الماضي، والآخر إلى المستقبل. كانا هنا، في لحظة اتخاذ القرار. لكن القرار كان قد اتخذ بالفعل، ليس بكلمات، بل بحركات القلب وهدوء الروح.

“لن نعود إلى الوراء.” همس بها لنفسه، ثم التفت إليها، وأخذ بيدها، قائلاً: “إلى الأمام، معًا.”

كان هذا هو الطريق الجديد الذي سينطلقان فيه، لا يلقيان بالاً لما مضى، بل متجهين بكل الثقة نحو ما هو آتٍ.

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٧ أيلول ٢٠٢٦ في ١١:٢٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د