وسط الصراخ والعويل وصوت إطلاقات النار دخل الصغير سرمد ذو الثمان سنوات يصرخ مذعوراً.
أبي.... أبي. قتلوا أخي شِفْان وسرقوا النقود من الدكان، وأرادوا أن يأخذونني ولكنني هربت، رأيت كثراً منهم يطلقون النار على الناس في الشوارع والأزقة ويدخلون البيوت يسحلون النساء والفتيات من شعورهن ويضعونهن في سياراتهم ويأخذون الصبية معهن.
صرخ الوالد مذهولاً.
انه شاب صغير لم يتعد الرابعة عشر من العمر.... يا ويلي ما الذي يحدث لنا؟
وبد حين دخلوا بيته، حاولوا خطف الصبي ولكن الأب منعهم من ذلك بشراسة فأطلقوا عليهما النار، وقبل أن يلفظ الأب أنفاسه الأخيرة هتف بزوجته بلغتهم الدارجة.
شيرين، خذي ابنتيك واهربي من باب المطبخ المطل على البستان.
حملت الأم طفلتها هيلدا ذات الثلاث سنين وخرجت مع ابنتها ليال البالغة من العمر إحدى عشرة سنة واختفين بين اشجار الزيتون والكروم والرمان والأحجار الكبيرة وقبل أن يصلن الى العراء أصابت اطلاقة طائشة الطفلة فقتلتها على الفور وصلن إلى العراء وهن في حالة يرثى لها، وهناك التقين بأناس كثيرين يلوذون بالفرار من أجل الخلاص...
وبعد ابتعادهن عن قريتهن لم تستطع الأم مواصلة السير من جراء الحزن والخوف والبكاء المرير جاءها المخاض ولم تستطع اكمال المسير فطلبت من ابنتها أن تتركها وتلحق بالجموع الهاربة، فأبت ليال أن تفعل هذا الأمر وتترك أمها فجلست تصلي وتنتحب والأم تتوسل بابنتها ان تهرب وتلحق بالجماعة كي لا يدركها الغزاة، وبعد حين ولدت طفلاً ولكنها ما استطاعت أن تنهض لمواصلة رحلة الخلاص فنزعت وشاحها وقمطت الوليد وتوسلت بابنتها ليال أن تأخذ الطفل وتلحق بالقافلة، حملت ليال شقيقها والأم تتوسل بها.
أهربي... أهربي واتركيني فأنا لا أستطيع الحراك.
وبعد أن سحبت شهيقاً صعباً هتفت مكملة.
أرجوك أهربي وانقذي أخاك، فهو أملك في الحياة.
احتضنت شقيقها وهي تبكي وانحنت وقبلت أمها وواصلت المسير لوحدها لكون قافلة الرحيل ابتعدت عنهما، وبين خطوة وأخرى تنظر خلفها لعل أمها تلحق بها، ولكن ما لحق بها هو صوت الأم وهي تردد... أهربي... أهربي.. حتى خفت الصوت ولف المكان صمت عميق، فأدركت ليال أن أمها فارقت الحياة جراء النزف الشديد.... وقفت لبرهة تترقب النجوم والقمر وبكت بكاءً مريراً وعلى صوت نحيبها الموجع غفا الطفل بوداعة، واستمرت بالمسير ساعات طويلة وكلما يبكي الرضيع يهدأ على صدى نبضات قلبها ويعاود النوم من جديد... بعد حين لاح الشفق وشق بطن السماء فرأت من بعيد بيوتاً وبساتين فاستمرت إلى أن وصلت إلى راع وزوجته يقودان قطيع غنم، فسألتها المرأة.
من أنت، وما الذي أتي بك هنا؟
فقصت وهي تبكي الفجيعة حكاية استباحة قريتها والهروب الجماعي منها، فأخذت المرأة الطفل من يديها وسألتها.
هل هو صبي أم صبية؟
هو شقيقي.
ما اسمه؟
صمتت لبرهة وتذكرت كلام والدتها حين قالت لها "انقذي أخاك فإنه أملك في الحياة"، فأجابت.
اسمه أمل.



![[ أمل ]](https://res.cloudinary.com/nz1gfsdt/image/upload/f_auto,q_auto,c_limit,w_3840/v1787514951/alwid/articles/hdqdg2js3xnvxllqngbg.jpg)



التعليقات