(أخطر ما في الذاكرة أنها لا تحفظ ما نريد، بل ما عجزنا عن دفنه).
، عند طَرة الفجر، بدأ سوق الهرج بيع ما عجز الوادم عن حمله إلى مقابرهم. ساعات جفّت عقاربها، صور عائلية انطفأت وجوه ساكنيها من كثرة اللمس، أوانٍ نحاسية سوّدتها ملامس السنوات، أجهزة راديو قررت الصمت قبل أصحابها، أغراض غريبة لا يعرف المشتري لماذا يشتريها، ولا البائع كيف احتفظ بها طوال تلك السنوات.
دخل مالك المحسن متكئاً الى عصاه. لا يمشي إلى مكان، بقدر ما يفاوض جسده على الوصول إليه؛ خطوةً مبتسرة مقابل أخ بويه، واستراحةً تقابلها خطوة وجع مصحوبة بهمسات ليش يادنيا؟.يعرف السوق منذ كان صبياً، لكنه لم يعد يعرف الوجوه التي تبيع فيه. تتغير ، فيما تظل البضاعة في مكانها، منتظرة أصحاباً جدد.عند دكان شبه منسي، تحاوطه عتمة غريبة، أبصر مسجّل. أسود، مستطيل، يشبه قذيفة مدفع فارغة. انحنى غطاؤه عند طرفه. وضعه البائع بحذر بين جهازين، كأنهما شاهدان على موته.رفع مالك المسجّل. بحركة ابتسم لها البائع برضا، قائلاً بصوت مبحوح:
— لا يعمل…!
ضغط مالك أزراره، فلم يحدث شيء.
— هل جرّبته؟
— أكثر مما تصدق.
— كم ثمنه؟
ذكر البائع مبلغاً زهيداً.دفعه مالك من غير مساومة، مما أثار استغراب البائع.
— تعيد إليه الحياة؟
قال مالك، واضعاً المسجّل تحت إبطه:
— . تستهويني المحاولة.
— فعلتها من قبل؟
— لا أتذكر.
— تسلى. خير من أن يفوت وقتك دون فائدة.
نظر إليه مالك لحظة، مبتسماً ابتسامة لم يفهمها البائع.— وجدته يشبهني.
ضحك البائع، لكن مالك مضى، تاركاً وراءه عواصف من الأسئلة.في غرفته، الشبيهة بغرف المعتقلات، وضع المسجّل على الطاولة، ماسحاً الغبار بعناية رجل ينظف شيئاً يخصه منذ زمن، رأها تبصر إليه بعينين مستفهمتين، لم تستطع الاستسلام لرغباته الطافحة بالجنون،قالت
— ماعساك تفيد من هذا!!
— تستهويني فكرة اعادة الحياة!!
— ماغادرته الروح،،لايمكن ارجاعه!!
لم يعد يكترث لوجودها ،حتى حين اتهمته بالجنون ،مصرة على مغادرته
،لم يفه بشيء ،سوى انه لوح بكلتا يديه
لشيء بعيد لم يره من قبل،
حين انتهى، بقيت على الخشب عروق دقيقة لم يرها في السوق. مرر إصبعه عليها، ثم سحب يده.لم يكن في المسجّل شريط.فتح الغطاء وأغلقه، هازّاً إياه قليلاً، ليعيده إلى مكانه.
عند محاولة العتمة الهيمنة على الأمكنة شبه الساكتة، أنصت لصوت.
لم يأت من السماعة أول الأمر.جاء من الخشب، خافتاً مبحوحاً، ظل محبوساً داخله لسنوات طوال، وأيقظه التنظيف .— لِمَ أبطأت المجيء؟
تصلب مالك في مكانه، دون أن يلتفت.عاد الصوت:— أعرف أنك تشتريه.
اقترب مالك حتى صار وجهه فوقه.
— من أنت؟
— لا تبدأ السؤال.
— لماذا؟
— تكذب.حين تعرف الإجابة
مد يده إلى القابس.فصرخ الصوت.
:— لا تفعل.
توقفت يده، ناظراً إلى القابس.لم يكن موصولاً بالكهرباء.سحبها ببطء.
— ماذا تريد؟
— أسمع.
— من قال إني أريد السماع؟
— ثلاثون عاما تبحث عمن يسمعك.
صاب الخرس الشيخ، فلم يرد. هذه أول مرة يشعر فيها أن المسجّل لا يتحدث إليه من أجل إخافته، إنما يتحدث لأنه يعرف شيئاً عنه.
قال:— قل شيئاً لا يعرفه أحد عني.
قال الصوت:— ليلة سقوط القنبلة، لم تكن أمك في المطبخ كما أخبرتهم.
انخفضت يد الشيخ عن العصا.
— أين كانت؟
— في غرفتها.
— أي غرفة؟
— التي أغلقتها أنت.
نهض الشيخ، فاصطدمت عصاه بالطاولة، فسقطت على الأرض.
— اسكت.
— ما كنت تريد تركها وحيدة.
— اسكت!
— لكنك تركتها.
اندفع الشيخ صوب المسجّل، ليرفعه بكلتا يديه، هامّاً بتحطيمه على الأرض.
قال الصوت بهدوء:— افعلها، وتظل بقية حياتك ظاناً أنك على حق.
توقفت يداه.بدا المسجّل أثقل مما ينبغي.لكنه أنزله ببطء.
— ما تعرف عن تلك الليلة؟
— أكثر مما تريد.
— تكلم.
— ليس هنا.
— أين؟
— في المكان الذي تركت فيه شيئاً منك.
حدق الشيخ في المسجّل.
— المقبرة؟
— نعم.
للمرة الأولى لم يسأل من يتكلم.سأل السؤال الذي يخشاه:— من دفنته هناك؟
لم يجب الصوت.اقترب الشيخ منه.
— من؟
خرجت من الخشب خشخشة قصيرة، ثم جاءه الصوت:— غداً أخبرك لماذا بقيت حياً.
— وأنا؟
— حياتك فكرة وهم.
بغتة انقطع الصوت بقيت الغرفة ساكنة، إلا من نفس الشيخ، الذي سمع صوت رجل عاش سبعين عاماً داخل جسده.تلك الليلة لم ينم مالك. ظل جالساً إلى جوار الطاولة، واضعاً المسجّل أمامه. كلما حاول إغماض عينيه عاد إليه باب الغرفة العتيقة، خشبه متشقق، ومقبضه نحاسي.
لم يكن يتذكر وجه أمه وهو يغلق الباب، لكنه يتذكر يدها؛ يد ظلت سبعين عاماً أكثر حضوراً في ذاكرته من وجهها.مع أول ضوء، حمل المسجّل ليضعه في حقيبة عسكرية شهدت ثمانية حروب. لم يذهب إلى المقبرة، بل أخذ الطريق المؤدي إلى الحي الذي كان فيه بيتهم.لم يبق من البيت شيء.مكانه بناية من خمسة طوابق، واجهتها مكسوة بحجر أبيض لامع. في المدخل صبي يبيع بطاقات شحن الهواتف.وقف الشيخ أمامها طويلاً، حتى سأله الصبي:— تريد شيئاً؟
— لا.
— تبحث عن أحد؟
— أبحث عن بيت.
نظر الصبي إلى البناية ثم إلى الشيخ.
— هذا بيت.
قال الشيخ:— كان هنا!
حين وصل إلى المقبرة، ارتفعت الشمس، و المكان شبه خالٍ.مشى بين القبور حتى توقف أمام قبر غطته الأعشاب. لم يكن عليه اسم واضح؛ قطعة حجرية محفور عليها تاريخ دونما اسم.أخرج المسجّل من الحقيبة ووضعه على الأرض باحترام شديد.— هو؟
جاءه الصوت:— نعم.
جلس أمام القبر.
— أخبرني.
— ليس قبل أن تعترف.
— ماذا؟
— أنك أغلقت الباب.
ظل الشيخ ينظر إلى الحجر.
— كنت في الثلاثين.
— أعرف.
— البيت يحترق.
— أعرف.
— لم يكن أمامي وقت.
— بل أمامك وقت.
رفع الشيخ رأسه.:— ماذا تريد مني؟
— الحقيقة.
— حقيقة لا تفيد أحداً.
— تمنعك من الكذب على وجودك.
ظل صامتاً، ثم قال:— أمي في الغرفة.
— نعم.
— وأغلقت الباب.
— نعم.
— لكني ما قتلتها.
— لم أقل إنك قتلتها.
رفع الشيخ عينيه إليه.
— ما الذي تريد الوصول إليه؟
— إنك تركتها.
بدت الكلمة أقسى من كل ما سبقها.
خفض مالك رأسه.:— كنت أستطيع فتح الباب.
— نعم.
— لكني ما فعلت.
— نعم.
— لأني خفت.
— نعم.
رفع مالك وجهه، كانت عيناه جافتين.
— كنت غراً عنيداً. لا يفقه ما يدور حوله!
جاءه صوت المسجّل هادئاً:— رجلاً يعرف كل شيء.
مر وقت طويل قبل أن يتكلم مالك.
— من أنت؟
لم يتهرب المسجّل. قال بهدوء:
— الرجل الذي خلف الباب.
لم يتحرك .ولم يرمش.و بقيت يده فوق ركبته، كأنها فقدت القدرة على الحركة.قال بعد وقت:— لا.
— كنت حياً عندما أغلقت الباب.
— لا.
— ناديتك متوسلاً.
— كذب.
— أسمع خطواتك في الخارج.
— لا.
— سمعتك تبتعد.
ضرب الشيخ بيده على المسجّل.
— أنت ميت.
صدر من الخشب صوت يشبه الضحكة، لكنه لم يكن ضحكاً.— ربع قرن .
رفع الشيخ المسجّل إلى وجهه.
— لماذا بقيت؟
— لأنك باقٍ دون قصد معروف.
— ماذا تريد مني؟
— لا أريد شيئاً.
— لماذا عدت؟
— لم أعد. أنت وصلت إليّ.
نظر الشيخ إلى القبر.
— هذا قبرك؟
— لا.
— قبر من؟
— الرجل الذي دفنني.
ارتجفت أصابع الشيخ.
— من دفنك؟
— أنت.
أفلت المسجّل من يده، فسقط على التراب، فاتحاً غطاءه.كان فارغاً.دون شريط.وبطاريات..لكن الصوت خرج ، واضحاً، كأنه يقف إلى جواره:
— الآن تذكرت.
أغمض الشيخ عينيه.نعم.تذكر.لم يغلق الباب على أمه.بل أغلقه على أخيه.الأصغر، الذي عاد من الحرب مصاباً، يحمل حقيبة، طالباً منه الهروب معه قبل وصول الجنود.
خاف الشيخ من الرجل الذي يطارده، فاختبأ، مغلقاً الباب.لم يكن يعرف شيئاً عن رجل يحمل في حقيبته صوت ميت.ولم يكن يعرف أنه يحمل الصوت طوال اربعين عاماً، دونما حقيبة.وصل إلى دربونة ضيقة لم يدخلها منذ ربع قرن. المكان أضيق مما حفظته ذاكرته، أو هي التي وسعته كي لا يضطر إلى الاقتراب منه.توقف عند باب حديدي صدئ. خلفه أرض خالية تتوسطها نخلة نصف يابسة.قال المسجّل:— هنا.
لم يسأل مالك: عن ماذا؟
جلس على الرصيف، مخرجاً الجهاز من الحقيبة، ليضعه جانبه.
— هل انتهينا؟
قال الصوت:— لم نبدأ بعد.
نظر الشيخ إلى الباب.
— ماذا تريد؟
— افتح.
— لا يوجد أحد خلفه.
— أعرف.
— لماذا تصر على فتحه؟
— لأنك أغلقته مرة، وظل مفتوحاً منذ ذاك اليوم.
نهض الشيخ، متقدماً صوب الباب، واضعاً يده على الصدأ.انتفضت ذاكرته كلها دفعة واحدة؛ وجه شاب يلهث، قبضة تضرب الخشب، وصوت يقول اسمه من الجهة الثانية.لم يفتح الباب.فجلس.كان التعب قد وصل إلى صدره.قال:— لا أقدر. مهمة صعبة.
خرج صوت المسجّل دون قسوة:
— أعرف.
أسند الشيخ ظهره إلى الباب، مغمضاً عينيه.— ابقَ معي.
— أنا معك.
— حتى أنام؟
— حتى تنام.
بعد دقائق، انحنى رأسه إلى صدره.لم يشعر بالموت حين جاء. هادئاً، دون مواعيد، وشهود، ودون الضجة التي صنعها طوال حياته حول لحظة كان يخشاها.فتح الشيخ عينيه.
هامساً:— لماذا لم تقل منذ البداية؟
— لأنك تكذب.
— والآن؟
— لم يعد لديك ما تخسره.
نظر الشيخ إلى القبر.ثم إلى المسجّل.
مد يده ليعيده إلى الحقيبة.
— تريد الذهاب؟
— إلى أين؟
— إلى قبرك.
سكت الصوت.ابتسم الشيخ للمرة الأولى منذ عرفه:— كنت تعرف أني أطلب ذلك.
— نعم.
— تعرف الطريق؟
— أنت تعرفه.
نهض مالك المحسن بصعوبة، ممسكاً عصاه، حاملاً المسجّل، محاولاً الخروج من المقبرة وحده.لكنه لم يكن وحده.
عند البوابة توقف.قال:
— متُّ قبل الوصول؟
أجابه الصوت:— لن تتركني هذه المرة.
مضى الشيخ.ماشياً ببطء.المدينة تمضي في اتجاهها، لا تعرف شيئاً عن رجل يحمل في حقيبته صوت ميت، ولا تعرف أن الرجل يحمل الصوت طوال ربع قرن ، دونما حقيبة.








التعليقات