انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

(ما بقي من القصيدة) الشاعر الأسباني فرانسيسكو مونيوث سولير: الصمت لا يقل أهمية عن الكلمة في القصيدة

حاوره: مالك البطلي

مالك البطلي
مالك البطلي

شاعر وكاتب عراقي

7 دقائق للقراءة
65 مشاهدة
(ما بقي من القصيدة) الشاعر الأسباني فرانسيسكو مونيوث سولير: الصمت لا يقل أهمية عن الكلمة في القصيدة
مشاركة:

في الشعر ثمة أصوات عظيمة لا تكتفي بأن تقول ما ترى وإنما تحاول أن تنفذ إلى ما وراء الأشيا حيث تجلس الذاكرة بين الحلم والحلم وتلهث على مسطبة الحب والفقد وتنظر إلى الأسئلة التي ترافق الإنسان في بحثه عن المعنى.. من هذا السفر الروحي يمكن الاقتراب من تجربة الشاعر الإسباني فرانسيسكو مونيوث سولير المولود في مالقة عام 1957، والذي جعل من القصيدة نافذة للتأمل والحوار مع الذات وأزقة العالم.

على امتداد عقود من الكتابة واكب مونيوث سولير تجربة شعرية وأدبية متعددة وحضر في المشهد الثقافي الإسباني والدولي عبر أعماله ومشاركاته الأدبية كما سافرت نصوصه إلى لغات وثقافات مختلفة

وتحضر في تجربته موضوعات الحب والذاكرة والصمت والسلام والوجود في كتابة تنشغل بالإنسان وأسئلته وتبحث عن المعنى خلف التفاصيل اليومية.

بين هذه النوافذ نقترب من الشاعر خلف ظهر القصيدة من بداياته الأولى وأثر مالقة في تجربته إلى علاقته بالإرث الشعري الإسباني ونظرته إلى الشعر العربي وموقفه من الترجمة والتحولات التي فرضها العصر الرقمي على الكتابة والشاعر

ونسافر معه في تحول رؤيته للشعر بعد عقود من الكتابة وما الذي لا يزال يبحث عنه في القصيدة وما الذي بقي منها في ثوب حياته

النافذة الأولى:

الطفل الذي لم يترجل

* حين تعود الآن إلى البدايات ماذا تتذكر من ذلك الطفل الذي اكتشف للمرة الأولى أن الدموع يمكن أن تصبح قصيدة؟ وهل ما زال يسكن الشاعر الذي أنت عليه اليوم؟

- كانت تجاربي في شبابي التي قادتني إلى كتابة قصيدتي الأولى أشبه بولادة نبعٍ كان كامنًا في داخلي، ثم أخذ يتدفق إلى النور بعفوية. إنه نبع أصيل يسكن أعماقي، ولذلك ما زال حيًا في داخلي حتى اليوم.

*وُلدت في مالقة وهي مدينة ذات ذاكرة أندلسية ومتوسطية عميقة..  إلى أي حد أخذَك المكان الأول في تشكيل تجربتك الشعرية؟ وهل يستطيع الشاعر أن يبتعد عن مدينته جغرافيًا من دون أن تبتعد المدينة عنه شعريًا؟

- إن البيئة التي ينشأ فيها الإنسان ذات تأثير كبير في تكوين أي شاعر، فهي ترسم بوضوح الظروف المحيطة بنموه وتشكّله..أما بالنسبة إليّ، فإن مالقة تحتل عمقًا أساسيًا في تكويني، ورغم كثرة سفري فإنني لم أغادرها في داخلي، لقد ظللت أعيش فيها دائمًا.

النافذة الثانية:

على حافة سولير

* يبدو الشعر عندك مرتبطًا بالإنسان وأسئلته الكبرى. هل تكتب بحثًا عن إجابة للصراخ أم أن الشعر هو فن لإبقاء الأسئلة مفتوحة على جرحها؟

- حين أكتب قصيدة، أحاول أن أدفع القارئ إلى مساءلة نفسه، بحيث تقوده أسئلته إلى أسئلة أخرى، فلا توجد حقيقة مطلقة ونهائية.

* تحضر في تجربتك الشعرية التأملات والحب والذاكرة حضورًا واضحًا. أيّ هذه العناصر تشعر بأنه الأقرب إلى نافذتك؟

- أرى أن شعري يجمع هذه العناصر جميعًا، ولا أفضّل أحدها على الآخر. لكنني أؤمن بأن الحب هو الذي سينقذ العالم..

*للصمت زاوية مقدسة في تجربة الكثير من الشعراء، وأنت تنظر إليه من زاوية شعرية خاصة. ماذا يستطيع الصمت أن يقول حين تعجز القصيدة؟

- لا أفهم تمامًا وصف القصيدة بأنها تخفق أو تفشل حين يتعلق الأمر بالصمت، فالقصيدة إما أن تنقل شيئًا إلى القارئ أو لا تنقله، وهناك عوامل عديدة تتدخل في ذلك، من ضعف الفكرة إلى خلل البناء وغياب الإيقاع والموسيقى.. بالنسبة إليّ، لا يقل الصمت أهمية عن الكلمة في القصيدة، فله صوته الخاص أيضًا. وأهتم كذلك بالوقفات والتنغيم وصناعة الصور الشعرية، إن الشعر عالم بالغ الثراء.

* كيف تنظر إلى العلاقة بين الشاعر والعالم؟ هل ينبغي للشاعر أن يكون شاهدًا على عصره أم أن مهمته تبدأ تحديدًا عندما يتجاوز الواقع المباشر إلى ما هو أبعد منه؟

- الشعراء لا يعيشون داخل فقاعة معزولة عن العالم. أرى أن على القصيدة أن تشهد على زمنها، وأن تُكتب في الوقت نفسه برؤية فكرية تتجاوز حدود اللحظة كي تبقى حية عبر الزمن. وهكذا تجمع القصيدة بين الشهادة على عصرها والقدرة على الاستمرار بعده.

(ما بقي من القصيدة)

الشاعر الأسباني فرانسيسكو مونيوث سولير:

الصمت لا يقل أهمية عن الكلمة في القصيدة

النافذة الثالثة:

بين إرث وضفاف

*  تنتمي إلى ثقافة ذات تاريخ شعري هائل، من الشعر الأندلسي إلى الحداثة الإسبانية. كيف تصف علاقتك بهذا الإرث؟ وهل يشعر الشاعر المعاصر أحيانًا بثقل الشعراء الذين سبقوه؟

- أنا وريث إرث الشعراء الذين سبقوني، وأود أن أشير أيضًا إلى أنني قرأت شعراء من ثقافات مختلفة وبحثت في تجاربهم.. لا أشعر بهذا الإرث عبئًا سلبيًا، بل أراه إثراءً شعريًا عظيمًا وشكلًا من أشكال انتقال المعرفة والخبرة من جيل إلى آخر.

* عندما تنتقل القصيدة من لغتها الأصلية إلى لغة أخرى ماذا تخسر وماذا تربح؟ وهل تؤمن بأن الترجمة تستطيع أن تنقل روح القصيدة، أم أن جزءًا منها يبقى أسيرًا للغة التي وُلدت فيها؟

- أرى الترجمة فنًا قائمًا بذاته، وبفضل عملها العابر للحدود تستطيع الآداب أن تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية.. قد تفقد الترجمة بعض الدقائق والظلال المرتبطة بالثقافة الأصلية، لكنها تكتسب في المقابل عناصر من الثقافة التي تنتقل إليها.. والترجمة قادرة على نقل روح القصيدة. وفي الترجمة الجيدة، لا أعتقد أن جزءًا من القصيدة يظل حبيس لغته الأولى، وإن كان من الطبيعي ألا تصل بعض خصائصها الجوهرية إلى قارئ اللغة الجديدة، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة الترجمة.

* في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة شهرة سريعة للشاعر، هل تعتقد أن حضور الشاعر الرقمي يمكن أن يكون امتدادًا حقيقيًا للمشروع الشعري، أم أن الشعر يحتاج دائمًا إلى زمنه الخاص بعيدًا عن سرعة المنصات؟

- حين تتحدث عن الشاعر الرقمي، أفهم أنك تقصد الشعراء الذين ينشرون أعمالهم عبر الإنترنت. ولا أعتقد أن سرعة عالم اليوم تعيق عمل الشاعر الحقيقي صاحب التجربة الجادة.. فالشعر يُكتب غالبًا في سكينة التأمل الفردي، ويجد أفضل شروط نموّه بعيدًا عن ضجيج العالم الرقمي.

 النافذة الرابعة:

ما تفعله السنوات بالقصيدة

* كيف تغيّر فهمك للشعر منذ بداياتك حتى اليوم؟ وهل هناك أفكار آمنت بها في شبابك، ثم اكتشفت مع الزمن أنك كنت مخطئًا بشأنها؟

- حين بدأت كتابة الشعر، لم تكن لديّ فكرة واضحة تمامًا عمّا يعنيه أن يكون المرء شاعرًا.. ومرّت مرحلة رأيت فيها الشعر جزءًا من مشروعي في الحياة، فتعاملت معه بعزم وعملت على تثقيف نفسي بجدية، مع دراسة تاريخ الشعر وفهم مساراته.. ومع ذلك، لم أشعر قط بأنني كنت مخطئًا في فهمي للشعر.

* لو طُلب منك أن تختار قصيدة واحدة من تجربتك وتضعها أمام قارئ لم يقرأ لك من قبل، أيّ قصيدة ستختار؟ وما الذي تتمنى أن يكتشفه ذلك القارئ فيها؟

- ليس من قبيل الكلام المكرر أن أقول إن قصائدي جميعها جزء مني، ولذلك لا أستطيع اختيار واحدة دون سواها. أقدّر أنني كتبت نحو ألف وسبعمئة قصيدة، وهذا يجعل الإجابة أكثر صعوبة.. لكنني، كيلا أترك السؤال بلا إجابة سأختار قصيدة (أتحاور مع الرجل الذي يمضي معي دائمًا)، وإذا قرأها القارئ وجعلها قصيدته الخاصة، وبثّ فيها الحياة من جديد فسأكون راضيًا.

 * بأي قصيدة متَّ؟ وما بقي من القصيدة؟

- قصيدة (مَن العاقل في هذا العالم المجنون؟) .. وما زالت روح تلك القصيدة باقية كما كانت، وهذا أمر أعتز به كثيرًا.

* بعد كل هذه السنوات لا بد أن هناك شيئًا واحدًا تخشى أن يأتي يوم وتعجز فيه عن كتابته. وما الشيء الذي ما زلت تبحث عنه في القصيدة ولم تعثر عليه حتى الآن؟

- لا أشعر بالخوف من احتمال أن أعجز عن الكتابة في موضوع ما، كما لا أشعر بأنني ما زلت أبحث عن شيء لم أجده.. بالنسبة إليّ، الشعر مادة حية، وجزء من تفاصيل الحياة اليومية، وفي هذا الامتزاج بين الشعر والحياة أجد نفسي، وأشعر بالاكتمال.

(ما بقي من القصيدة)

الشاعر الأسباني فرانسيسكو مونيوث سولير:

الصمت لا يقل أهمية عن الكلمة في القصيدة

 النافذة الخامسة:

 صلاة المعنى

* بعد كل هذه الدموع والآهات والضياع، ماذا يعني الشعر إلى سولير؟ هل ما زال الشعر بالنسبة إليك بحثًا عنك، أم عن الجمال، أم عن الحقيقة، أم عن الإنسان، أم أن كل هذه الأشياء أصبحت في نهاية المطاف دمعة واحدة؟

- يشكّل الشعر جزءًا كبيرًا من مشروعي في الحياة. إنه بالنسبة إليّ أشبه بالتنفس، جزء أصيل من هويتي وكياني.

وإذا كنت لا أزال أبحث عن نفسي وعن الآخرين، أفلا يعني ذلك أننا سنظل نبحث ما دمنا أحياء؟

يمنحني الشعر فرصة الاقتراب من الجمال والحقيقة والجوهر الإنساني، ويتيح لي أن أجمع خصائص هذه العوالم في تجربة واحدة.

* لو جلست الآن أمام الطفل الذي لم يترجل، قبل أن يعرف معنى أن يكون شاعرًا، ماذا ستقول له؟ وهل ستطلب منه أن يكتب قصيدة؟ وما عنوانها؟

- سأقول له: تمسّك دائمًا بالطفل الذي يسكن داخلك، واحرص على أن تتلقى تعليمًا جيدًا، وكن إنسانًا صادقًا.

وسيكون ذلك عنوان القصيدة.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٢٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حوار مع الشاعرة الإيطالية ماريا توستي
حوار

حوار مع الشاعرة الإيطالية ماريا توستي

حوار مع الشاعرة الإيطالية ماريا توستي أدار الحوار:عباس محمد عمارة المقدمة: ماريا توستي Maria Tosti شاعرة إيطالية تكتب الشعر بلغات أخرى مثل الإنجليزية والإسبانية والفرنسية كما هي شاعرة متميزة بكتابة الهايكو ولها مشاركات عديدة في المواقع والمجلات العالمية بالإضافة إلى ذلك تهتم بالأعمال الأدبية…

· 6 د
سؤالُ الشعرِ المكانيِّ

الشاعرعبود الجابري:

 المكان أحد آباء القصيدة
حوار

سؤالُ الشعرِ المكانيِّ الشاعرعبود الجابري: المكان أحد آباء القصيدة

حاوره: عبدُ الأميرِ عسكرُ: ثمة شعراء يمرّون بالمكان كما يمرّ العابرون، وثمة من يجعلون منه ذاكرةً ثانيةً للروح. والشاعر عبود الجابري من أولئك الذين لا تبدو الأمكنة في قصائدهم مجرد خلفيات للمشهد، بقدر كونها كائنات حية تحفظ آثار الغائبين، وتفتح نوافذها على الحنين والأسئلة والرحيل. في عالمه، يمكن…

· 11 د
الروائية والشاعرة المغربية جليلة خليفة: 

الصدق في الإحساس بالأحداث وحده يربط الروائي بالمتلقي..
حوار

الروائية والشاعرة المغربية جليلة خليفة: الصدق في الإحساس بالأحداث وحده يربط الروائي بالمتلقي..

روائية وشاعرة مغربية تؤكد: لا أعطي اللغة بطولة مطلقة.. جليلة خليفة: الصدق في الإحساس بالأحداث وحده يربط الروائي بالمتلقي.. حاورها: بسام الطعان روائية و شاعرة ومترجمة مغربية من مواليد مدينة فاس، حاصلة على ليسانس أدب فرنسي وعربي، لها خمسة اصدارات، ثلاثة دواوين شعرية وروايتين، وهي وشم العار، في قلبي…

· 14 د