انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

سؤالُ الشعرِ المكانيِّ الشاعرعبود الجابري: المكان أحد آباء القصيدة

القصيدة جسرٌ بين ما نشعر به وما نعجز عن قوله

عبد الامير عسكر
عبد الامير عسكر

شاعر وكاتب عراقي

11 دقائق للقراءة
54 مشاهدة
سؤالُ الشعرِ المكانيِّ الشاعرعبود الجابري: المكان أحد آباء القصيدة
مشاركة:

حاوره: عبدُ الأميرِ عسكرُ:

ثمة شعراء يمرّون بالمكان كما يمرّ العابرون، وثمة من يجعلون منه ذاكرةً ثانيةً للروح. والشاعر عبود الجابري من أولئك الذين لا تبدو الأمكنة في قصائدهم مجرد خلفيات للمشهد، بقدر كونها كائنات حية تحفظ آثار الغائبين، وتفتح نوافذها على الحنين والأسئلة والرحيل.

في عالمه، يمكن للجدار أن يحمل ذاكرة بيت، وللحجر أن يختزن سيرة المكان، وللنافذة أن تصبح وعدًا بالكثير من المبشرات ، فيما يتحول الجسر إلى مساحة معلّقة بين ما تركناه وما لم نصل إليه بعد. ومن هذه العلاقة الحميمة بالأمكنة تتشكل رؤيته للقصيدة؛ بناءً من الكلمات، لكنه بناء يظل فيه باب مفتوح للغياب.

في هذا الحوار نقترب من الشاعر عبود الجابري من جهة مختلفة؛ نسير معه بين البيوت والنوافذ والجسور والسلالم، ونفتش في حقيبة الشاعر وخزانته وذاكرته، لنرى كيف تتحول الجغرافيا لديه إلى شعر، والغياب إلى مكان، والمكان إلى قصيدة تمضي أبعد من صاحبها.

سؤالُ الشعرِ المكانيِّ

الشاعرعبود الجابري: المكان أحد آباء القصيدة

* أين يروقُ لك أن تنشدَ قصائدَك، على عمارةٍ أم على برجٍ أم على منارةٍ؟

  • - لا أريدُ مكانًا أكونُ فيه أعلى من الآخرينَ، بل مكانًا أرى منه ما لا يُرى، لذلك أختارُ المنارةَ، لأنَّ الشاعرَ، في ظنّي، لا يصعدُ لكي يعلوَ، وإنّما يصعدُ لكي يرى أبعدَ، والمنارةُ مكانٌ يجاورُ العزلةَ ويؤدّي وظيفةَ الضوءِ، وهاتان حالتانِ لا تستغني عنهما القصيدةُ.

* إلى أيِّ مدى يرتبطُ المكانُ بالشعرِ عندكَ؟

  • - المكانُ عندي ليس وعاءً للقصيدةِ، بل أحدُ آبائِها. قد تبدأُ القصيدةُ من جدارٍ رأيتُه، أو شارعٍ عبرتُه، أو بيتٍ غادره أهلُه وبقيت رائحتُه معلّقةً في الهواءِ. أحيانًا أكتبُ المكانَ، وأحيانًا أكتشفُ أنَّ المكانَ هو الذي كان يكتبُني طوالَ الوقتِ.

* أنت من يحيطُ الأمكنةَ أم هي التي تحيطُ بك في حالةِ كتابةٍ؟

  • - في الحياةِ أظنُّ أنني أحيطُ بها، أمّا في الكتابةِ فهي التي تحيطُ بي، فحين أدخلُ القصيدةَ تصبحُ الجدرانُ أوسعَ منّي، والنافذةُ أعمقَ من شارعٍ، والبابُ أكثرَ قدرةً على الكلامِ من فمي، والشاعرُ في القصيدةِ لا يسكنُ المكانَ، المكانُ هو الذي يسكنُه.

* أين تستقرُّ حجرتُك الكتابيةُ: في غيمةٍ أم في دخانٍ أم في غبارٍ أم في ضبابٍ؟

  • - حجرتي الكتابيةُ ليست في مكانٍ ثابتٍ، إنّها في المسافةِ بين الضبابِ والغيمةِ، الضبابُ لأنني أحبُّ ما لا يكتملُ ظهورُه، والغيمةُ لأنَّ القصيدةَ لا ينبغي أن تأتيَ وهي تحملُ كلَّ أسرارِها، أمّا الدخانُ والغبارُ فهما من آثارِ ما احترقَ وما مرَّ، والقصيدةُ غالبًا لا تولدُ إلّا بعد احتراقٍ ما.

* يروقُ لك أن تقابلَ أيَّ شيءٍ في تأمّلِك: الجدارَ أم النافذةَ أم البابَ؟

  • - النافذةُ.، فالجدارُ يقولُ لي: هنا تنتهي الأشياءُ، والبابُ يقولُ: هنا تبدأُ، أمّا النافذةُ فتقولُ: يمكنُ أن يحدثَ الأمرانِ معًا. ومن النافذةِ يستطيعُ الشاعرُ أن يرى الخارجَ دون أن يغادرَ داخلَه.

* لو خُيّرتَ أن تختارَ الصمتَ الذي يسبقُ الكتابةَ، فأين سيكونُ محلُّ صمتِك: في الشارعِ أم على الجسرِ أم عند الضفةِ؟

  • - على الجسرِ، فأنا أحبُّ الأماكنَ التي لا تنتمي تمامًا إلى جهةٍ، والجسرُ حالةٌ شعريةٌ بامتيازٍ: تحتَه ماءٌ يمضي، وخلفَه مكانٌ تركتُه، وأمامَه مكانٌ لم أصلْه بعدُ. وربّما كانت القصيدةُ نفسُها جسرًا بين ما أشعرُ به وما أعجزُ عن قولِه.

* بماذا تكتبُ الشعرَ: بالحبرِ أم بالماءِ أم بالحجرِ أم بالطينِ؟

  • - أكتبُ بالحجرِ أولًا، ثم أحاولُ أن أجعلَه ماءً. الحجرُ يمنحُ القصيدةَ صلابتَها، والماءُ يمنحُها قدرتَها على العبورِ، أمّا الحبرُ فهو مجرّدُ شاهدٍ على ما حدثَ بينهما.

* كيف تحمي شعركَ: بالخنادقِ أم بالأسوارِ أم بالجبالِ أم بالبحرِ؟

  • - لا أحميه، لأنَّ الشعرَ الذي يحتاجُ إلى حراسةٍ كثيرةٍ ربّما يكونُ قد فقدَ حرّيّتَه، لذلكَ أتركُ القصيدةَ تواجهُ الريحَ، فإن بقيتْ، فقد استحقّتِ البقاءَ، وإن سقطتْ، فربّما كانت تستحقُّ أن تسقطَ.

* ولو أنّك تنضدُ مداخلَ إلى عالمِك الشعريِّ، فكيف سيكونُ الدخولُ إليها: عبرَ الأبوابِ أم على السلالمِ أم بواسطةِ الجسورِ أم عبرَ الأنفاقِ؟

  • - عبرَ الأنفاقِ. أحبُّ أن يصلَ القارئُ إلى الضوءِ بعد أن يعبرَ شيئًا من العتمةِ. القصيدةُ التي تفتحُ بابَها منذ السطرِ الأولِ وتقولُ لك كلَّ شيءٍ، لا تتركُ لك فرصةً لاكتشافِها.

  • سؤالُ الشعرِ المكانيِّ

الشاعرعبود الجابري: المكان أحد آباء القصيدة

* ماذا سنجدُ من عطرِ مكانٍ فيما بين أبياتِك: عطرَ البيوتِ، عطرَ المدنِ، عطرَ السهولِ، عطرَ الغاباتِ؟

  • - عطرَ البيوتِ القديمةِ، تحديدًا، ليس عطرَ الأثاثِ، وإنّما عطرُ الذين كانوا هنا ولم يعودوا، والبيتُ عندي ليس جدرانًا وسقفًا، إنّه ذاكرةٌ لها رائحةٌ، وقد يكونُ أحيانًا بيتًا لم أسكنْه قطُّ، لكنني أشعرُ أنَّ شيئًا منّي بقيَ فيه.

* المكانُ الأكثرُ حزنًا عندكَ في الشعرِ؟

  • - المكانُ الذي كان عامرًا ثم صار ينتظرُ، بيتٌ أُغلقتْ نافذتُه، كرسيٌّ لم يعدْ أحدٌ يجلسُ عليه، شارعٌ انطفأتْ فيه خطى الذين أحببناهم. أكثرُ الأمكنةِ حزنًا عندي هي التي ما زالت قائمةً بعد أن غادرَها معناها.

* المكانُ الأكثرُ سعادةً عندكَ في الشعرِ؟

  • - المكانُ الذي لا يحتاجُ فيه المرءُ إلى أن يكونَ شخصًا آخرَ، قد يكونُ بيتًا صغيرًا، أو مقهى، أو شارعًا في آخرِ النهارِ، والسعادةُ عندي ليست اتساعَ المكانِ، بل أن تجدَ في مكانٍ ما فسحةً كافيةً لقلبِك.

* المكانُ الأكثرُ أملًا عندكَ في الشعرِ؟

  • - النافذةُ، حتى حين تكونُ مغلقةً، يكفي أنّها موجودةٌ في الجدارِ لتقولَ إنَّ الجدارَ ليس كلَّ شيءٍ.

* كيف ترثي المكانَ الشعريَّ: بالبكاءِ، بالحزنِ، بالصمتِ؟

  • - أرثيه بإبقائِه حيًّا في اللغةِ، فالبكاءُ يبلّلُ المكانَ ثم يجفُّ، والحزنُ يمرُّ به، أمّا الكلمةُ فتستطيعُ أن تمنحَه عمرًا آخرَ. لذلك أكتبُ المكانَ المفقودَ كي لا يصبحَ فقدانُه كاملًا.

* أنت معماريٌّ في الشعرِ أم بنّاءٌ أم شاهدٌ فقط؟

  • - أنا شاهدٌ يحاولُ أن يتعلّمَ البناءَ، المعماريُّ يعرفُ أين يضعُ الأشياءَ، والبنّاءُ يعرفُ كيف يرفعُها، أمّا الشاعرُ فيرتكبُ خطأً جميلًا: يبني بيتًا من كلماتٍ ثم يتركُ فيه بابًا للغيابِ.

* لو تعرّضَ شعرُك لبعضِ هدمٍ أو تساقطَ عنه بعضُ أمكنةٍ، فماذا سيسقطُ عنكَ ذلك: النافذةَ أم البابَ أم الشرفةَ أم الجدارَ؟

  • - سيسقطُ الجدارُ أولًا، فأنا لا أخافُ على النوافذِ والأبوابِ، فهذه منافذُ النجاةِ، أمّا الجدارُ فهو أكثرُ ما يحمينا وأكثرُ ما يحاصرُنا في الوقتِ نفسِه، ولذلك هو أولُ ما أستعدُّ للتخلّي عنه.

* هل تتعرّضُ الأبياتُ الشعريةُ للفيضاناتِ، للزلازلِ، للبراكينِ، وما علّةُ ذلك؟

  • - نعم، وإلّا لما كانت شعرًا، والبيتُ الذي لا تهزُّه زلزلةٌ داخليةٌ يتحوّلُ إلى بناءٍ هندسيٍّ جميلٍ، لكنّه لا يصبحُ قصيدةً، القصيدةُ تبدأُ غالبًا حين يحدثُ في الداخلِ ما يشبهُ الزلزالَ، ثم تحاولُ اللغةُ أن تعيدَ ترتيبَ الركامِ.

* كيف تسندُ شعرَك لو تعرّضَ لظرفٍ قاهرٍ بنائيٍّ: بالموسيقى أم بالدموعِ أم بالصلاةِ؟

  • - بالموسيقى أولًا، الموسيقى هي العمودُ الذي لا يُرى، ثم تأتي الصلاةُ والدموعُ، واحدةٌ ترفعُ ما لا نستطيعُ حملَه، والأخرى تسقطُ ما عجزنا عن قولِه.

* هل تنتحرُ أبياتُك؟ فأين سيكونُ ذلك: من شاهقٍ أم من عمارةٍ أم من أعلى جبلٍ أم على سكّةِ قطارٍ؟

  • - البيتُ الشعريُّ لا ينتحرُ، لكنه قد ينسحبُ، وإذا اضطررتُ إلى اختيارِ مكانٍ لموتِه، فسأختارُ سكّةَ القطارِ، لأنّها المكانُ الوحيدُ الذي يمضي فيه شيءٌ إلى جهةٍ لا يستطيعُ أن يتوقّفَ عندَها.

* تودُّ في رحلاتٍ كتابيةٍ شعريةٍ رفقةً: السلحفاةَ أم الأرنبَ أم الفهدَ؟

  • - السلحفاةَ، فالقصيدةُ لا تُكتبُ بالسرعةِ التي نصلُ بها إلى الأماكنِ، وإنّما بالبطءِ الذي يجعلُنا نراها، الأرنبُ يصلُ قبل أن يرى، والفهدُ يرى بسرعةٍ، أمّا السلحفاةُ فتمنحُ الطريقَ حقَّه.

* عمَّ تبحثُ لو أردتَ أن تعرُجَ بشعرِك: السلالمَ أم المصعدَ أم المنطادَ؟

  • - السلالمَ، لكوني أحبُّ الصعودَ الذي يتركُ أثرًا في الجسدِ، المصعدُ ينقلُكَ إلى الأعلى، لكنّه يحرمُكَ من معرفةِ المسافةِ التي قطعتَها، والشعرُ ليس وصولًا فقط، إنّه تعبُ الطريقِ أيضًا.

* هل أنت رحّالةٌ أم فوتوغرافيٌّ أم مؤرّخٌ حالمٌ حين تتناولُ شعرًا مكانيًّا؟

  • - أميلُ إلى الرحّالةِ الذي فقدَ خريطتَه، الرحّالةُ يعرفُ أنّه ذاهبٌ، والمؤرّخُ يعرفُ أنّه عائدٌ إلى الماضي، والمصوّرُ يلتقطُ اللحظةَ، أمّا الشاعرُ فيحاولُ أن يقبضَ على ما بين اللحظةِ واللحظةِ.

* لو أنّك تقيمُ طقسَ عزاءٍ لمكانٍ شعريٍّ حزينٍ، فماذا ستختارُ: الكهفَ أم المغارةَ أم الغارَ؟

  • - الغارَ، فيه ثمَّةَ شيءٌ من البدءِ، وشيءٌ من الاختباءِ، وشيءٌ من انتظارِ الكلامِ، أريدُ للمكانِ الذي أرثيه أن يكونَ حزينًا، لكن ليس ميتًا تمامًا، أن يحتفظَ بسرٍّ يمكنُ أن يولدَ منه شيءٌ آخرُ.

* كم وقفتَ عندَ الأمكنةِ المهجورةِ؟

  • - وقفتُ عندَها كثيرًا، لأنَّ المكانَ المهجورَ أكثرُ الأماكنِ ازدحامًا بالأرواحِ، ولا يخيفُني فراغُه، يخيفُني ما بقيَ فيه: كرسيٌّ وحيدٌ، مسمارٌ في الجدارِ، نافذةٌ نصفُ مفتوحةٍ، أشياءُ صغيرةٌ تستطيعُ أن تحملَ سيرةَ بيتٍ كاملٍ.

* كيف تحضرُ الزخارفُ والنقوشُ والرسومُ في شعرِك؟

  • - لا أحبُّ الزخرفةَ إذا كانت زائدةً عن حاجةِ المعنى، وأريدُ للصورةِ أن تكونَ مثلَ نقشٍ قديمٍ على جدارٍ: لا يصرخُ كي يُرى، لكنّه يبقى طويلًا بعد أن ينسى الناسُ من رسمَه، الزخرفةُ عندي يجبُ أن تكونَ جزءًا من البناءِ، لا ثوبًا فوقَه.

* بأيِّ حاسّةٍ تكتبُ الشعرَ؟

  • - بالحنينِ، ولا أعرفُ إن كان الحنينُ حاسّةً بالمعنى المعروفِ، لكنّه عندي الحاسّةُ السادسةُ للقصيدةِ، أرى بها ما غابَ، وأسمعُ ما لم يُقلْ، وأشمُّ رائحةَ أمكنةٍ لم أعدْ قادرًا على العودةِ إليها.

* هل ندمتَ لأنّك كتبتَ الشعرَ عن مكانٍ ما، أو حزنتَ أو سعدتَ حالما كتبتَ عنه؟

  • - لم أندمْ على مكانٍ كتبتُه، لكنّني ندمتُ أحيانًا على أنّني عرفتُ المكانَ أكثرَ ممّا ينبغي، فبعضُ الأمكنةِ تكونُ جميلةً ما دمنا نجهلُ سرَّها. والشعرُ، حين يفتحُ الأبوابَ المغلقةَ، قد يجعلُنا أكثرَ سعادةً بالمعرفةِ وأكثرَ حزنًا بها في آنٍ واحدٍ.

    سؤالُ الشعرِ المكانيِّ

الشاعرعبود الجابري: المكان أحد آباء القصيدة

* ما مدى واقعيةِ حضورِ المكانِ في شعرِك؟

  • - الواقعُ هو نقطةُ الانطلاقِ، لا نقطةُ الوصولِ، وقد أبدأُ من مكانٍ حقيقيٍّ، لكنَّ القصيدةَ تأخذُه منّي وتعيدُ بناءَه، لذلك لا أبحثُ عن جغرافيا المكانِ بقدرِ ما أبحثُ عن روحِه.

* هل زرتَ مكانًا واقعيًّا ما لتجعلَه في قصائدِك؟

  • - نعم، لكنّني لم أزرْه لكي أكتبَه، زرته فعاشَ فيَّ، ثم عادَ بعد زمنٍ مختلفًا، أحيانًا يحتاجُ المكانُ إلى أن يغادرَ العينَ حتى يدخلَ القصيدةَ.

  • لأيِّ الأمكنةِ تميلُ أكثرَ شعريًّا: البيتِ أم المدينةِ أم الوطنِ؟

  • إلى البيتِ، لأنّه أصغرُ مكانٍ يمكنُ أن يحتويَ وطنًا كاملًا. المدينةُ تمنحُني اتساعَها، والوطنُ يمنحُني جرحَه، لكنَّ البيتَ يمنحُني التفاصيلَ: نافذةً، سريرًا، رائحةً، صوتًا، غيابًا. ومن التفاصيلِ تُصنعُ القصيدةُ.

* أنت ابنُ قريةٍ أم ابنُ مدينةٍ، كانتماءٍ شعريٍّ لكَ؟

  • - أنا ابنُ المسافةِ بين القريةِ والمدينةِ، القريةُ منحتني ذاكرةَ الترابِ، والمدينةُ منحتني قلقَ الأسئلةِ، لذلك لا أريدُ أن أختارَ واحدةً منهما، أريدُ أن أظلَّ واقفًا على العتبةِ بينهما، حيث يبدأُ الشعرُ.

* ما نوعُ إكليلِ قصائدِك: غصنُ شجرٍ أم طوقُ حديدٍ أم لفافةُ قماشٍ؟

  • - غصنُ شجرةٍ، فحتّى القصيدةُ الحزينةُ ينبغي أن تتركَ ورقةً واحدةً خضراءَ في مكانٍ ما، ولا أؤمنُ بالشعرِ الذي يغلقُ جميعَ منافذِ الهواءِ.

* ما هي مقبرةُ الشاعرِ؟

  • - النسيانُ، فالموتُ ليسَ مقبرةَ الشاعرِ، الموتُ قد يصنعُ له حياةً أخرى، أمّا أن يُقرأَ ولا يُرى، وأن يُقالَ ولا يصلَ، وأن يصبحَ صوتُه بلا صدى، فهذه هي المقبرةُ الحقيقيةُ.

  • *ما هو مشفى الشاعرِ؟

- القصيدةُ نفسُها، يذهبُ الشاعرُ إليها مصابًا بشيءٍ لا يعرفُ اسمَه، ويخرجُ منها بجرحٍ أكثرَ وضوحًا، والشعرُ لا يشفي دائمًا، لكنّه يجعلُ الألمَ قابلًا للسكنِ.

* ما هي صومعةُ الشاعرِ؟

  • - العزلةُ التي لا تنقطعُ عن العالمِ، فالصومعةُ ليست غرفةً مغلقةً، لكنها مكانٌ يستطيعُ فيه الشاعرُ أن يسمعَ العالمَ دون أن يضطرَّ إلى مجاراتِه.

* عمَّ يدورُ شعرُك: حول الشرفاتِ أم النوافذِ أم الأبوابِ؟

  • - حولَ الأبوابِ، حيث يمثل البابُ بوصفهِ أكثرَ الأشياءِ التباسًا في حياةِ الإنسانِ: يمكنُ أن يكونَ وعدًا، أو فراقًا، أو عودةً، أو طردًا، وكلُّ قصيدةٍ تقريبًا تبدأُ من بابٍ ما أو تنتهي عندَه.

* ألم يصلْ شعرُك إلى أيِّ مكانٍ حتى الآن؟

  • - لم يصلْ إلى المكانِ الذي أظنُّ أنَّ القصيدةَ تستطيعُ بلوغَه، وكلّما ظننتُ أنّني وصلتُ، اكتشفتُ أنَّ هناك غرفةً أخرى في البيتِ، وربّما تكون هذه هي حيلةُ الشعرِ الجميلةُ: أن يجعلَ الوصولَ نفسَه نوعًا من التيهِ.

* مكانٌ شعريٌّ لا تملُّ منه وتحبّذُ أن يلازمَ شعرَك؟

  • - النافذةُ، لأنّها لا تجبرُني على المغادرةِ ولا تمنعُني من الرؤيةِ. إنّها أكثرُ الأماكنِ شاعريةً لأنّها نصفُ إقامةٍ ونصفُ رحيلٍ.

* ماذا تعني الحقيبةُ للشاعرِ؟

  • - الحقيبةُ ذاكرةٌ قابلةٌ للحملِ، يضعُ الشاعرُ فيها أشياءَ لا يحتاجُها في الرحلةِ، لكنّه لا يستطيعُ التخلّيَ عنها: صورةً، ورقةً، رائحةً، اسمًا، شارعًا، وجهًا غائبًا. والحقيبةُ الحقيقيةُ للشاعرِ ليست على كتفِه، إنّها في ذاكرتِه.

* ماذا يعني الدرجُ للشاعرِ؟

  • - الدرجُ هو طبقاتُ الذاكرةِ، كلُّ درجةٍ تنقلُكَ إلى مكانٍ آخرَ، لكنّكَ تظلُّ تحملُ درجاتِكَ السابقةَ معكَ. لذلك أحبُّ الدرجَ أكثرَ من المصعدِ، لأنّه يجعلُ الصعودَ تجربةً لا مجرّدَ نتيجةٍ.

* ماذا تعني الخزانةُ للشاعرِ؟

  • - الخزانةُ هي المكانُ الذي تخبّئُ فيه اللغةُ ما لا تستطيعُ قولَه في العلنِ، فيها الأشياءُ القديمةُ، الرسائلُ، الملابسُ التي لم تعدْ تناسبُ أصحابَها، والروائحُ التي لا تزالُ تعرفُ طريقَها إلى القلبِ. إنّها مستودعُ الغيابِ.

* لو خُيّرتَ لأن يتحاورَ معكَ عبدُ الأميرِ عسكرُ، فأيُّ الأمكنةِ ستقترحُ لهذا الحوارِ؟

  • - وأقترحُ جسرًا عندَ المساءِ، لا مقهى، ولا غرفةً، ولا منصّةً. أريدُ مكانًا نكونُ فيه بين جهتينِ: ماءٌ تحتَنا، ومدينةٌ أمامَنا، وطريقٌ خلفَنا. هناك يمكنُ أن يكونَ الحوارُ أقلَّ شبهًا بالمقابلةِ وأكثرَ شبهًا برحلةٍ يتبادلُ فيها شخصانِ الخرائطَ.

* ماذا سنجدُ في جيبِ الشاعرِ عبودِ الجابريِّ، على سبيلِ تطلّعٍ وافتراضٍ وتوقٍ ومجازٍ شعريٍّ مكانيٍّ: حجرٌ أم ترابٌ أم رمالٌ، ولماذا؟

  • - ستجدُ حجرًا.. ليس لأنّه أثقلُ الأشياءِ، ربّما لأنّه أصغرُ ذاكرةٍ يمكنُ أن يحملَها الجيبُ، فالحجرُ يعرفُ معنى البقاءِ، ويعرفُ معنى الطريقِ، قد يكونُ من جدارٍ هُدمَ، أو من بيتٍ غادرَه أهلُه، أو من شارعٍ مشى عليه أحدٌ ذاتَ يومٍ ولم يعدْ، ولو أخرجتُه من جيبي ووضعته على الطاولةِ، فلن أقولَ لكَ: هذا حجرٌ، سأقولُ: هذا مكانٌ صغيرٌ حملتُه معي كي لا أضطرَّ إلى العودةِ إليه.

وربّما لهذا السببِ أكتبُ: لكي أحوّلَ الحجرَ إلى ذاكرةٍ، والذاكرةَ إلى مكانٍ، والمكانَ إلى قصيدةٍ، ثم أتركَ القصيدةَ تمضي وحدَها، حاملةً شيئًا منّي إلى مكانٍ لم أصلْ إليه بعدُ.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٤٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

(ما بقي من القصيدة)

الشاعر الأسباني فرانسيسكو مونيوث سولير:

الصمت لا يقل أهمية عن الكلمة في القصيدة
حوار

(ما بقي من القصيدة) الشاعر الأسباني فرانسيسكو مونيوث سولير: الصمت لا يقل أهمية عن الكلمة في القصيدة

في الشعر ثمة أصوات عظيمة لا تكتفي بأن تقول ما ترى وإنما تحاول أن تنفذ إلى ما وراء الأشيا حيث تجلس الذاكرة بين الحلم والحلم وتلهث على مسطبة الحب والفقد وتنظر إلى الأسئلة التي ترافق الإنسان في بحثه عن المعنى.. من هذا السفر الروحي يمكن الاقتراب من تجربة الشاعر الإسباني فرانسيسكو مونيوث سولير المولود…

· 7 د
حوار مع الشاعرة الإيطالية ماريا توستي
حوار

حوار مع الشاعرة الإيطالية ماريا توستي

حوار مع الشاعرة الإيطالية ماريا توستي أدار الحوار:عباس محمد عمارة المقدمة: ماريا توستي Maria Tosti شاعرة إيطالية تكتب الشعر بلغات أخرى مثل الإنجليزية والإسبانية والفرنسية كما هي شاعرة متميزة بكتابة الهايكو ولها مشاركات عديدة في المواقع والمجلات العالمية بالإضافة إلى ذلك تهتم بالأعمال الأدبية…

· 6 د
الروائية والشاعرة المغربية جليلة خليفة: 

الصدق في الإحساس بالأحداث وحده يربط الروائي بالمتلقي..
حوار

الروائية والشاعرة المغربية جليلة خليفة: الصدق في الإحساس بالأحداث وحده يربط الروائي بالمتلقي..

روائية وشاعرة مغربية تؤكد: لا أعطي اللغة بطولة مطلقة.. جليلة خليفة: الصدق في الإحساس بالأحداث وحده يربط الروائي بالمتلقي.. حاورها: بسام الطعان روائية و شاعرة ومترجمة مغربية من مواليد مدينة فاس، حاصلة على ليسانس أدب فرنسي وعربي، لها خمسة اصدارات، ثلاثة دواوين شعرية وروايتين، وهي وشم العار، في قلبي…

· 14 د