بين حبر الأب الممتد في الوجدان ومبضع الابن الباحث في عمق المجتمع، تتشكل تجربة معرفية استثنائية. الدكتور عدي عدنان البلداوي لا يعيش في جلباب والده الشاعر الكبير عدنان البلداوي، بل يقف معه جنباً إلى جنب في المشهد الثقافي، مصدراً لضوء خاص يقرأ المجتمع بعيون الأنثروبولوجي ويكتبه بأصابع المفكر. في هذا الحوار، نبحر مع البلداوي الابن لنفكك شفرات التحول الثقافي بين جيلين يجمعهما سقف واحد وتفرقهما الأدوات المعرفية، ونناقش معه كيف يصنع هويته المستقلة تحت عين والده المعلم.
*كيف يعيش عدي البلداوي في المشهد الثقافي كابن لشاعر كبير ما زال يعطي وينتج ؟ هل الأبوة هنا حماية أم تحد ؟
- وجود عدنان البلداوي الوالد والأخ والصديق والمعلم في حياتي ،يجعلني أعيش الأمل الحقيقي برغم كثرة الخيبات التي تمر بي بسبب ما أحمله من وعي المسؤولية الثقافية .. الأبوة هنا حماية بكل تأكيد .
* ما الذي يتغير في وعي الكاتب عندما يكون ناقده الأول والمعلم المقيم معه في البيت نفسه هو الشاعر عدنان البلداوي؟
- أصبح وعيًا موضوعيًا وشعورًا عاليًا بالمسؤولية إلي الحد الذي يجعلني أكرر دائماً قول الشاعر:
أنا عندي من الأسى جبل
يتمشى معي وينتقل
* كيف نجوت من "المحاكاة" لقصائد وأفكار والدك لتصنع مشروعك المستقل في حقول الأنثروبولوجيا والفكر ؟
- لم أنج منها ، أنا أعيش الأدب ، وقد بدأت نشاطي الثقافي بكتابة رواية أدبية ، وعندما درست الهندسة امتزجت عندي ثقافة الأدب بثقافة العلم ، فنتج عنها توجهي إلى علم الإنسان وإلى النقد الثقافي .
*عندما تقرأ لوالدك أطال الله عمره كتابك الأحدث ، ما هي الملاحظة أو العبارة التي قالها لك واعتبرتها صك غفران معرفي ؟
- أنا مدين له في ما وصلت إليه ، فقد كان ينقد كتاباتي نقداً موضوعيًا . قوّمني كثيرًا ، كانت عبارته : أنت حي ما دمت مع الكتاب . هي النبض الذي لا أزال أعيش به .
* كيف تصف حوارات العشاء العائلية بين جيل يمثله والدك بوزنه الشعري ، وجيل يمثله فكرك الأنثروبولوجي الحديث ؟
- هي أنفاس جيل تملأ صدر جيل آت . كانت ولا تزال هذه الحوارات تعني لي عالمًا متواصلًا لا ينفصل فيه الماضي عن الحاضر ، فقد تعلمت من تلك الحوارات أن أرى الماضي والحاضر كسلسلة تؤدي حلقاتها إلى بعض . لذا أنا لا أعيش فاصلاً زمنياً بينهما ، وقد تجد ذلك واضحاً في كتاباتي .

* تجمع بين عين الأديب ومبضع الباحث الأنثروبولوجي ، كيف يساعد الأديب داخل عدي البلداوي الباحث على فهم الوجدان الشعبي العراقي ؟
- أنا أعتبر الأدب عموماً ، والشعر ، المقفى منه خصوصاً ، من أهم محركات البحث العلمي ، لذلك عندما تأتيني فكرة كتابة مقالة أو بحث علمي أول ما أبدأ به هو البحث في كتب الأدب ودواوين الشعراء عن كل ماله علاقة بالفكرة ، ثم أسترسل في الكتابة .
*كتابك " زيارة الأربعين" هو تشريح سوسيولوجي بامتياز . هل ترى الطقس الشعبي نصاً أدبياً مفتوحاً يحتاج إلى تأويل بنيوي ؟
- أنا أرى الطقس الشعبي نصًا ثقافيا يحتاج إلي تأويل بنيوي لتنقيته من القلق . لذا أنا لا أعتمد الفهم الأدبي للثقافة في أعمالي بقدر اعتمادي الفهم الأنثروبولوجي لها ، لما يشتغل عليه هذا العلم من مباحث متعلقة بطبيعة حياة الناس .
* إلي أي مدى يمكن للبحث الأنثروبولوجي أن ينقذ الأدب المعاصر من السقوط في فخ السطحية والابتذال ؟
- يستطيع البحث الأنثروبولوجي إنقاذ الأدب المعاصر من السطحية والابتذال حين ينظر للعمل الأدبي من زاوية علم الإنسان المعني بكل ما له علاقة بطبيعة حياة الناس ، حيث الثقافة والمجتمع وجهين لعملة واحدة .
* هل تعتقد أن النقد الثقافي في العالم العربي ما زال أسيرا للمناهج الغربية . أم أننا بحاجة لـ أنثروبولوجيا عربية نابعة من خصوصية طيننا ؟
- إلى حدّ ما لا يزال النقد الثقافي كذلك . نحن بأمس الحاجة إلي أنثروبولوجيا عربية، وهذا ما أدعو إليه وأرجوه في محاضراتي ومقالاتي وكتبي لأنه السبيل الوحيد في اعتقادي الذي يمكّننا من تحقيق توازن بين التطور العلمي في الغرب والتطلع الثقافي في بلداننا .
* كيف يمكن لتمكين المجتمع ثقافياً – وهو مشروعك الأساس – أن يتحول من شعار نخبوي إلي ممارسة يومية في الشارع ؟
- هذا الأمر ممكن في اعتقادي بفصل الثقافة عن سياسة الدولة ، بمعنى تحويل الثقافة إلى مؤسسة دولة مستقلة عن سياسات الأنظمة الحاكمة ، كما هو حال القضاء . تلك دعوة أطلقتها في القرن الحالي قبال دعوات بعض المثقفين لفصل الدين عن الدولة ، محاولة منهم لإنقاذ مجتمعاتنا مما هي فيه من تراجع . لعلي أزعم واثقاً أنني بفصل الثقافة عن السياسة ستتمكن المجتمعات العربية من تحقيق ما أرجوه لها من تمكين ثقافي ، يجعل المواطن مدركًا لما يدور حوله ، مستوعباً ما يراد له ، قادرًا على تقرير مصيره وتحديد مستقبله .
* كتبت عن الفلسفة والتكنولوجيا، هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي جاء ليحررعقل المثقف أو ليعلن "موت المؤلف" التقليدي؟
- لست قلقاً على " تحرير عقل المثقف أو موت المؤلف التقليدي" في محضر حديثي عن الذكاء الاصطناعي. ما يقلقني كثيرًا هو دور الذكاء الاصطناعي في إيجاد مثقف ومؤلف بشري الوجود ، افتراضي الحدود . حيث تسهم التقنية المتطورة في تمكين أشخاص اعتياديين من دخول عالم الثقافة ، ليحققوا احتياجهم إلي الراحة النفسية والظهور الاجتماعي وهو ما تضمنه منصات التواصل عن طريق منشورات وصور وإعجابات ومجاملات اجتماعية ، ومتابعات شكلية .
* في عصر التقنية الرقمية ، كيف يمكن للقصيدة أو الفكرة الفلسفية أن تحافظ على "قدسيتها" وسط طوفان المحتوى السريع ؟
- أنا اعتقد أن أقدس ما في الإنسان إبداعه ، لذا أرى أن الإبداع هو وسيلة الحفاظ الوحيدة على إنسانية الإنسان أمام الآلة الذكية ، في عصر التدفق الهائل للبيانات والمعلومات وتنوع المصادر .
* هل فقدت المجالس الثقافية البغدادية العريقة شيئاً من حميميتها وجدواها بعد أن انتقل الحوار إلي "المنصات الافتراضية"؟
- لم تفقد المجالس الثقافية البغدادية حميميتها ، لكنها قد تكون بدأت تفقد جدواها ، خصوصاً عندما لا يلتفت عمداء المجالس إلى ضرورة اعتماد الفهم الأنثروبولوجي للثقافة . لأن الفهم التقليدي للثقافة قد يجعل المحتوى الثقافي لكثير من تلك المحاضرات ، أشبه بعملية ( نسخ – لصق) التي نستخدمها في العالم الافتراضي .

* كيف توازن في مقالاتك بـ"المثقف" و "التلغراف" بين رصانة البحث الأكاديمي وجاذبية الطرح الصحفي الرقمي ؟
- من خلال الواقع ، فأنا أميل إلى استخدام طريقة البحث الأكاديمي في دراسة طريقة حياة الناس من أجل تطوير ثقافة المجتمع بحيث يصبح قادراً على التمييز فيما تعرضه عليه الشاشة من وهم وحقيقة في "جاذبية الطرح الصحفي الرقمي".
*هل ترى أن "الإنسان الرقمي" الحالي هو كائن مشوه ثقافياً . أم انه مجرد حلقة تطور طبيعية تحتاج إلي ترشيد فلسفي ؟
- "الإنسان الرقمي الحالي" هو كائن بلا محتوى ثقافي هادف . هو وعاء لنقل ثقافة الشاشة ، وكثيراً ما تجد هذا الوعاء فارغاً خارج تغطية الشبكة . لذا فهو حلقة تحتاج إلى التمكين الثقافي لضرورة وجودها في سلسلة التطور التقني والتغيير الحاصل في القرن الحالي.
* أين يكمن الخلل الأكبر في ازمتنا الثقافية الحالية: في "عزوف المتلقي" أم في " تعالي المثقف" وانفصاله عن قضايا مجتمعه ؟
- المشكلة تبدأ أولًا بالعزوف الطبيعي للمتلقي بسبب ما يفرضه عليه واقع الحال المكتظ بكثير من الاحتياجات الشخصية والمتطلبات الحياتية . وثانياً بأزمة العقل السياسي الحاكم في بلدانا ،فهو عقل لم يتطور ثقافياً منذ قرون ، وهذا ما وضع المثقف في موقف حرج ، فهو عضو طبيعي في المجتمع كمواطن ، وهو عضو مسؤول فيه كمثقف . وهذه الثنائية تجعله في حيرة من أمره ، لذا قد يراه بعضهم بعيداً عن قضايا مجتمعه ابتعاداً اختيارياً ، في حين أراه ابتعادا قسرياً بحكم التغيير غير المستوعب لمناخ عالمنا العربي منذ بداية القرن الحالي.
* بصفتك عضواً في رابطة المجالس البغدادية ، كيف يمكن لهذه الحواضن التراثية أن تجذب جيل الشباب دون السقوط في الماضوية ؟
- تلك مشكلة المجالس الثقافية البغدادية اليوم ، خصوصًا وأن عمداءها وروادها في الأعم الأغلب هم من جيل الرواد والمعلمين ، وهذا ما يجعل جيل الشباب يفتقد إلي روابط مشتركة معهم . شخصياً حاضرت في تلك المجالس عن الشباب ودورهم في نهضة المجتمع وفي صناعة الوعي كضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي . محاولة مني في جذب الشباب إلي تلك المجالس ، لكن في النتيجة لم توفق المجالس الثقافية البغدادية للان في جذب الشباب إليها بسبب "ماضوية" محتواها الثقافي تقريباً .
* في أحد مقالاتك ناقشت "دور الشباب في النهضة" ما هي الأوهام الثقافية التي يجب على الشباب العراقي التخلص منها أولاً؟
- أوهام ثقافة الشاشة الافتراضية.
*هل تعاني النخب الثقافية العربية اليوم من نرجسية الانعزال ، أم أنها أصبحت ضحية للتهميش الممنهج ؟
- كما قلت لجنابك الكريم ، إن مشكلة الثقافة العربية المعاصرة هي في وجودها في زمن لا يزال فيه العقل السياسي والعقل الديني بأداواتهما القديمة يحركان المشهد الحياتي الجديد. لذلك أخذت النخب الثقافية تجد في الانعزال مرأً لابد من تجرعه في زمن تجرد فيه المثقف النخبوي من أسباب تحقق قوة تأثيره في المجتمع بسبب قوى الإغراء الكبيرة التي يعرضها العالم الافتراضي والتي يفرضها النظام العالمي الجديد .
*كتبت في حقول معرفية متعددة ، هل التشتت في عشرة مؤلفات بين الفكر والاجتماع هو ثراء معرفي أم بحث عن إجابة لم تعثر عليها بعد ؟
- لا أراه تشتتاً ، بقدر ما أراه تطورًا طبيعيًا للفكرة التي وجد لها العقل إجابة اقتضت هذا التنوع من اجل توضيحها وتقديمها مفهومة مهضومة من قبل المتلقي كي تسهم في نهضته وتطوير طريقة حياته .
* إذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون ، فمن الذي يكتب "وجدان الشعوب المقهورة" في دراساتك الأنثروبولوجية
- يكتبه الباحث الأنثروبولوجي المؤمن بالإنسان دينًا وثقافة .
* ما هي الفكرة أو المفهوم الذي تمنيت لو انك لم تكتشفه ابدآ ، لأنه غير نظرتك المثالية تجاه المجتمع ؟
- مفهوم التملك في تفكير العقل العربي الذي يعيش مناخ المجتمع الذكوري . بسبب عدم تمكن المجتمع ثقافيًا ، أُسيئ استخدام هذا المفهوم بحيث أضر بفهم الدين وبفهم الثقافة وبفهم العلم ، وتسبب في تأخير المجتمع.
* بعد هذا الرصيد الحافل ، ما هو السؤال الذي تؤجله دائماً ولا تملك الشجاعة الكافية للكتابة عنه في مؤلفاتك؟
- إلى أين أيتها الكتابة ؟ هذا هو السؤال الذي لا أمتلك الشجاعة الكافية للكتابة عنه في مؤلفاتي .
*كيف تصنع لنفسك عزلة إبداعية منتجة وسط صخب الأنشطة العامة والندوات وصدمات الواقع اليومي ؟
- من يوم فتحت عيني على الدنيا وبدأ وعيي يتشكل وينمو ، وجدتني أميل إلى الخلوة اليومية ، ففيها راحتي وفيها صنعت كل أفكاري تقريبًا وكتبت عنها . اعتدت منذ زمن على التأمل بعض الوقت يومياً وداومت عليه ، حتى ان احد النقاد كتب لي يقول : انت تتناول قضية ما أو مشكلة ما في الواقع وترصدها ميدانياً ، لكني وجدتك لا تكتب عنها إلا بعد تأمل عميق لأحداثها ، وهذا ما يجذبني إلى كتاباتك.
* لو طلب منك ومن والدك عدنان البلداوي كتابة مؤلف مشترك يجمع بين رؤيتكما ، ما هو العنوان الأنسب الذي ستقترحه عليه ؟
- سؤال لم يخطر على بالي نهائياً وتفاجأت به أكثر من بقية الأسئلة . هو إن دل على شيء فيدل عندي على ثراء لغتك وسعة إحاطتك وقدرة احتوائك لمناخنا الثقافي أنا ووالدي . لعلي اقترح عنوان: الانسان والثقافة بين جيلين قضايا وهموم .







التعليقات