
يقتحم المسكوت عنه ويمزج الواقعية بالسحرية
الكاتب وارد بدر السالم:
الواقع العراقي بجملته يغري بالكتابة والتلون السردي
أمسكت عصا الكتابة من طرف واحد
كنتُ أخاف من كتابة الرواية حتى كتبتها
أنتصرُ للمرأة لأنني أنتصرُ للحياة كيفما كانت
من شط العرب تفرعت البصرة الى قصص وروايات وقصائد ومسرح وحكايات كثيرة غطّت التاريخ كله
حوار : أزهار الأنصاري
يعد وارد بدر السالم واحدًا من أبرز الأصوات السردية في العراق والعالم العربي خلال العقود الأربعة الأخيرة، منذ بواكير تجربته في ثمانينيات القرن الماضي وحتى إصداراته الحديثة ظلّ وفيًا لمشروعه الإبداعي القائم على التنويع في الأجناس الأدبية بين الرواية والقصة القصيرة والنص الشعري وأدب الرحلات ليقدم نصوصًا متجددة تجمع بين الحس الجمالي والوعي العميق بالواقع العراقي والعربي ، تميّزت أعماله بقدرتها على اقتحام المناطق المسكوت عنها وبناء عوالم روائية ثرية تمزج الواقعية بالسحرية، والتاريخ بالأسطورة، والذات بالهوية الجمعية لتصبح نصوصه مرجعًا نقديًا وأكاديميًا قرئت في العديد من الجامعات العربية وتناولتها بحوث ورسائل جامعية وكتب نقدية متخصصة.
في هذا الحوار الشائق نتعرف على بعض آرائه..
*ولدتم في البصرة , كيف أثّرت هذه المدينة بمناخها الثقافي والإنساني على ملامحكم الأولى ككاتب وقاص؟
- البصرة قرية. مهما تقادم الزمن وتناوبت السياسات عليها. ومهما تحضّر وجهها بالإسمنت والطابوق والمرايا الزرقاء؛ تبقى القرية الوحيدة الطافحة بالخضرة والماء والجمال. تختصر الأرياف والقرى والأنهار والأهوار والبساتين في صُرّة واحدة. هي صرّة امرأة عجوز مخضرمة تركتها السنوات لتكون شاهدة على جريان الزمن البصري الذي لا يتوقف.
هذه القرية؛ صرّة العجوز المخضرمة؛ معبّأة بالتاريخ اللغوي والنحوي والصوفي والحركات التقليدية المعارضة وسيوف الأخوة الأعداء التي هدرت دماء النخل والرطب في واقعة الجمل، حتى أضحت أرض السواد مقبرة مكشوفة لها أسبابها أو لا أسبابها. ولأنها بهذه الصورة التي لا تُمحى من مخيلتي فأنني أراها كالرحم الولّاد. حروبها أقل من بقية الأمصار. ثقافتها أعلى من بقية الأمصار. وجودها التاريخي أسطوري على شط العرب. تاريخ من الولادات المتعاقبة في مواهبها الفريدة. وأية محاولة لتمدينها ستقضي على ذلك الرحم الناضج. وتُخرج المدينة عن فطرتها العظيمة وستطيح بعرشها التاريخي الوثير. بالرغم من آثار التمدن الواضحة عليها.
البصرة ليست هي المركز المُشيّد بالعمارات الجديدة والشوارع الاسمنتية المعبّدة وفخامة العمران فيها، وهي ليست الكورنيش الفخم، ولا الجسر الإيطالي العملاق، فهذا جزء حضري لابد منه. انما البصرة هي الذات الوطنية العليا الموجودة فينا. التشكّل الأمين لصياغة الحياة والمواهب. الأم بزهوها المبكّر في الأهوار والأنهار والمشاحيف والشمس والتمر والسمك والخضرة المستعادة من جوهر الماء. منذ مؤسسها عتبة بن غزوان حتى الحاضر المتداخل في السياسة الطائفية التي شوّهت المدينة وبطائحها ومستعمرات القصب والمياه فيها. ويكفي البصرة بأنها ولدت شط العرب. فمنه تفرعت المدينة الى قصص وروايات وقصائد ومسرح وحكايات كثيرة غطّت التاريخ كله.
*بين الفن والصحافة والأدب، أيهما كان الباب الأول الذي فتح لك درب الكتابة ؟ خاصة وقد تنقلت بين منابر صحفية في العراق والإمارات، كيف أسهم العمل الصحفي في صقل أدواتك الروائية؟
- الصحافة أولاً. كنت صغيراً عندما بدأت ذلك المشوار الغريب. تعلمت منه الكثير في وقت سابق لأواني ونضجي الأدبي، كانت تمريناً نفسياً على الكتابة والمطاولة والرصد الميداني والباصرة النقدية الاجتماعية. تعلمت منها كيف اقتنص ما هو شاذ وغريب وعجائبي ودخيل ومتناقض مع طبيعة المجتمع البصري القائم على وحدة الطقوس الروحية الدينية الى حد كبير. مثلما هو مجتمع صغير متشكّل من الهجرات الريفية الداخلية بالثقافات المحلية المتآخية. وأعتقد بل وأجزم بأن الصحافة البغدادية (جريدة الراصد، مجلة صوت الطلبة) اجتذبت بي روح المغامر الصغير الذي كان يرى التناقضات بالفطرة قبل الثقافة، لكنه بدأ يتشكك بفطرة الأثر الذي يولد من مفارقات كثيرة. لهذا لزمني الأمر بشكل فيه قدر معقول من الوعي. مغادرة الفطرة بشكل مبكر، وكدت أتمرد عليها؛ فالفطرة في الغالب تضيّق علينا الإبصار الصحيح لوقائع المجتمع التي لا تظهر كثيراً. عيوبه مثلاً. طقوسه الموسمية، علاقاته بغيره. ولاءاته المذهبية. أسفاره المتباعدة بين المحافظات الدينية والتجارية، لولا الحرب التي نبهتني إلى واقع كارثي خطير، لأكون فيها وأراها عن قرب. بتفصيل نادر. بتجربة ميدانية كان لها أثر في تشكيلي الفردي وحثي على كتابة القصص. القصة تلو القصة عن الحرب من دون غيرها، مترافقة مع الحدس الصحفي الذي يلازمني. لهذا فأن جيلنا الثمانيني برمته وقع تحت تأثير تلك الحرب المأساوية. فهو جيل غض. كان يتلمس أولى خطواته الأدبية، حتى أجهزت الحرب عليه بطريقة مفاجئة. فمنهم من ماتت موهبته في مهدها. ومنهم من نجا منها.
أما عملي الصحفي في الإمارات ، فقد تعلمت فيه تقنية صحفية جمالية. كنت أتوقع أن لا احتاجها كثيراً في مشروعي السردي القصصي والروائي. لكن بعد سنوات توضحت الصورة أكثر أمامي. استقرّت ككمين فني لا بدَّ من استثماره. واستثمرته بأكثر من رواية لاسيما روايتي (الحلوة) وروايتي (المخطوطة الرومانسية) لقد كانت تجربة مثيرة جداً بالنسبة لي، انعكست بشكل أو بآخر على الوظيفة الجمالية الأدبية في رواياتي اللاحقة. على شكلها الفني كما أحسب.
* كتبتَ القصة القصيرة ثم اتجهتَ إلى الرواية ,هل كان هذا تحوّلًا طبيعيًا أم خيارًا فرضته المرحلة؟
ـ لم أفكر يوماً أن أكتب رواية. كنت أخاف من تعقيداتها الحديثة وشكلها الغريب على القصة القصيرة ولغتها المتلاحقة وحجمها أيضاً. كانت غريزة القصة القصيرة تأخذني الى تكثيف شذرات من الحياة أمامي، ولا سيما أهوال الحرب التي علمتني ما لم أعلم عن الإنسان في قوته الخارقة وضعفه البائس واستنجاده بالسماء والوهم أيضاً. تفتحت بي غريزة القصة أولاً بعد تمارين الصحافة في شد الأصابع والعقل معاً. كنت أبتعد عن الرواية فهي عالم مخيف. لم أجرؤ على التفكير به. مغلق كما كنت أتصوره. لهذا بقيت على وفاق مع القصة القصيرة بسبع مجموعات قصصية أصدرتها في الثمانينيات الماضية، قبل أن أغامر في الكتابة الروائية؛ حتى انفتحت أمامي الرواية بعد صبرٍ طويل وجهد استثنائي في القراءات المتعددة للأجناس الأدبية. فهمت جزئياً عقدة الرواية وكيفية حلها. استوعبت ما يتوجب أن أستوعبه من أشكال قادرة على احتواء مختلف الصور والإضاءات. الرواية جمعتْ رأسي وأصابعي في نهاية الأمر، واتسعت بي بطريقة لم أتوقعها. حتى تدرّبت أنفاسي عليها. واستقرّت بي كدبيب سردي لا مفر منه. ويبدو أن القصة القصيرة اكتفت بما أنجزته لها. لتتسع الرؤيا وتتسع الكوارث العراقية بعد 2003 فتراجعت السردية القصصية، وانبثقت من ذلك الكابوس سرديات الرواية حتى اليوم.
*هذا يعني بأنك لم تعد الى كتابة القصة القصيرة؟
ـ بعد عشرين سنة عدت إلى كتابة القصة القصيرة. فهي الأصل في السرديات الروائية. وهي الطقس الذي يتوجب أن يمارسه الروائي. لأنها تكثيف المكثّف، وتنوير زاوية صغيرة من الحياة. لغتها ضاغطة ومدروسة. وحدثها يتيم تقريباً. إنه قطعة من الواقع تُنار بطريقة حاذقة. قد لا تقع عليه عين الكتابة. السارد القصصي جمالي جداً حتى لو كتب عن القبح الاجتماعي، وما أكثره في بلادنا. وبالتالي فالقصة القصيرة هي طويلة في الواقع، لكنها تكثيف حريص على أن يُبرز جماليات هذا الفن الكبير.
وبهذا الفهم الأولي كتبت أربع مجموعات قصصية جديدة. طبعت منها واحدة فقط (الفتاة التي أكلت الوردة البيضاء) تلك التي حازت على جائزة الإبداع بالمرتبة الثانية في العام الماضي. وما زلت أعود اليها كلما وجدت الحاجة النفسية الى كتابتها.
*بين القصة وصولاً إلى الرواية التي لفتت الأنظار اليها مثل "عجائب بغداد" و "عذراء سنجار" و" حوريات الجبل" أيهما أكثر تعبيراً عن رؤيتك الثقافية القصة القصيرة أم الرواية؟
- القصة القصيرة والرواية والمسرحية والقصيدة كلها أجناس أدبية تتقارب وتتباعد حسب المناخ الثقافي العام. القصة القصيرة ذات رؤية مباشرة خاطفة يمكن التركيز عليه من دون إحاطتها بلغة لولبية وإنشاء فضفاض واتساع غير مُجدٍ. والرواية يتوجب إحاطتها باللغة وترتيب مكونات السرد فيها. وكلاهما؛ القصة والرواية؛ فسّرا لي زوايا متعددة من الحياة تلك الحياة التي تسلسلت بطريقة عشوائية، لكنها صارمة حتى وصلتْ بي إلى الكتابة الحرة. شعرية الحياة قادتني الى شعريات الثقافة بشكل عام. أحاول في كل هذا أن أرسم مديات الحياة العراقية في هبوطها المتسلسل السريع. لست يائساً جداً، أتفاءل بقدر ما يبيح لي به السرد من أن أكون متفائلاً. وهذا ورد في معظم رواياتي، فأعطيت للمرأة أدواراً مهمة كونها الفاعل الحياتي الذي طوقوه بكل ما هو قبيح. أنتصرُ للمرأة لأنني أنتصرُ للحياة كيفما كانت. وهذا إجراء شخصي لا أساوم عليه ولا أتنازل عنه.
*حصلتم على دبلوم من معهد الفنون التطبيقية كيف انعكس تكوينكم الفني على تجربتكم الأدبية والسردية؟
- هي شهادة مدرسية لا قيمة لها ولا معنى. تسلسل دراسي لا بدَّ منه. لا أثر له على تجربتي القصصية والروائية. فائدته الأولى أنه أخرجني من القرية إلى المدينة، من البصرة الى بغداد. من المكان الأليف إلى مكان عشوائي مختلط فيه كل شيء لا يوجد في قريتي ومدينتي. عندها نظرت الى الحياة الجديدة بعين الريفي الذي تستغرقه أضواء المدينة وثقافتها وعلاقاتها المتعددة. قد يكون هذا الأمر جيداً لي؛ من الانغلاق القروي الى الانفتاح البغدادي كطالب مدرسي- جامعي لم أكن مهيأ لأن أكونه في ذلك الوقت، عندها وقعت لي حادثة حب كبيرة، هي التي استعارت أصابعي لتكتبني بتلقائية في وقت كانت فيه الحرب تلوح في ثمانينيات القرن الماضي. فأخذتني الحرب من صديقة أحببتها بنكهة القروي الأمين الصادق الى أفران النار والموت غير السعيد. وهناك بدءاً من معارك المحمرة حتى معارك البصرة الشهيرة في الحصاد الأكبر. قررت أن لا أموت من أجل صيانة حب طفولي قروي فيه من السذاجة الفطرية الشيء الكثير. كانت فيه السماء ترعى ذلك الطفل الذي يحيطني ويتماهى مع الحياة بطريقته. أما صديقتي الطالبة فقد تزوجت وأنجبت، لكن زوجها استشهد في الحرب.. مفارقة مؤلمة ومحزنة وكئيبة. عندها تنبّهت إلى حياتي في ذلك الخطر العشوائي. وفي تلك اللحظة كبرت. كأنني أنا الشهيد الذي يتوجب عليه أن يعيش في الذكرى المعتمة..!
*هناك من يرى أنَّ أعمالك تميل إلى الغرائبية فهل هو خيار فني مقصود أم انعكاس لواقع معقد لم يعد يحتمل المباشرة؟
ـ منذ وقت بعيد كان الواقع العراقي غرائبياً. ولو فحصناه ودرسناه منذ نشوء الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي حتى اليوم، لوجدنا فيه غرائبيات السياسة ومخلفات الاستعمار اللغوية وبعض تقاليده الدينية الموارِبة المسكونة بأشباح الماضي. وليس غريباً أن تتضخم تلك الصفات الدخيلة والأصيلة في مفاصل مجتمع، قاده اليمين واليسار معاً حتى اليوم. وترك فيه الكثير من الجراح والأوبئة السياسية. لذلك نبهني هذا الواقع إلى ما يجب أن أنتبه اليه، فأمسكت عصا الكتابة من طرف واحد ؛ لا من الوسط ؛ فأنتجت بضع روايات فيها هذا الوصف في السؤال. أما أنه انعكاس أم خيار. فهو يجمع الاثنين في ناظمة سردية واحدة، تبيح لي ولغيري أن يكثّفوا الواقع بطريقة الخيال الفائق، حتى لو يكن الواقع هو هذا. فالواقع العراقي بجملته يغري بالكتابة والتلون السردي. فما هو خيالي بالنتيجة هو واقعي وأكثر من ذلك.
كيف تنظر إلى وظيفة الأدب العراقي اليوم بعد عقود من الحروب والحصار والاحتلال؟
ـ بين حرب وحرب قد تتعطل الوظائف الجمالية والسردية للأدب عموماً، من الديكتاتورية الكبرى إلى الديكتاتورية الصغرى. لكن في هذا الخليط السياسي والاجتماعي غير الضامن، تبدو الوظيفة الأدبية غير قادرة على اجتياح هذه المنظومة المتمرسة بالشعارات المذهبية والدينية. لأنها ببساطة قسّمت المجتمع الى ألف و باء وجعلتهما يسيران على ألغام مؤقتة. وبالتالي فأن ما يؤدّى الآن من أدوار أدبية أغلبها متعثر. غير صادق. عاجز. مُلفّق. خائف أيضاً.
)*عذراء سنجار) أعادت إلى الواجهة قضية إنسانية موجعة، كيف تعاملتَ مع حساسية الموضوع بين التوثيق والخيال؟
ـ هذه رواية خرجت من معاناة مكوّن اجتماعي عراقي، إلى معاناة شخصية في الإجمال. كنت واعياً لكارثة داعش مثلما أنا واعٍ للتجربة السياسية العراقية التي خذلت المكون الأيزيدي في لحظة خرجت من سياقها الوطني الى سياق متردد وجبان على الأغلب. لم تأخذني حساسية الموضوع فهذا الانهيار يحدث في الحروب، بقدر ما أخذتني مفردات مثل: السبي. الخطف. الاغتصاب. القتل الديني. وكنت أضع صور العائلة أمام صور الأيزيديات البريئات، فينتابني الكثير من الألم والخوف والجزع. لذلك جمعت ارشيفاً ضخماً عن تلك المأساة الوطنية. وغامرت بالذهاب الى الموصل حتى حافات سنجار التي سيطر عليها عناصر داعش كمجمعات غريبة خارجة عن مفهوم الدين الإسلامي. التقيت وقتها بناجيات أيزيديات هربن بمساعدة مهرّبين أو من أبناء الموصل الشرفاء. وكنت ألاحظ حجم الرعب والخذلان والأهوال التي تحملها فتيات سنجار في وجوههن الصغيرة. وحينما شرعت بكتابة (عذراء سنجار) صار الواقع المأساوي أمامي متجسداً في الكثير من الأفلام الفيديوية والأخبار المحلية والعالمية. كنت خائفاً من فشل الكتابة بصراحة ومتردداً كثيراً، لأنني كنت أمام ملحمة جبارة لا يدركها الكثيرون بسبب الانعزال الاجتماعي للأيزيديين. لكن التجربة نجحت على ما يبدو. الأمر الذي أغراني بكتاب جزء ثانٍ لهذه الملحمة الاستثنائية، فكتبت رواية (بنات لالش) وهذه الرواية قادتني الى الجزء الثالث في رواية (حوريات الجبل).
*حصدت جائزة دبي الأولى للقصة وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، وجائزة كتارا للرواية، ما قيمة الجوائز في مسيرة الأديب؟ هل هي اعتراف بجهد أم وسيلة لتقريب النصوص من القرّاء؟ هل ترى أن الجوائز العربية تنصف الأعمال الإبداعية حقًا أم أنها تخضع لاعتبارات خارج النص؟
ـ الجوائز الأدبية لا تعني الأفضلية على الآخر. ولا تسهم بصناعة أديب. لا تقدم ولا تؤخر بالنتيجة. لكنها من العوامل المساعدة لتقريب الكاتب من القرّاء. إنها نوع من الإشهار العلني لاسم هذا الكاتب أو ذاك بطريقة التنافس الحر. والجوائز العربية بصفة عامة لا تخضع الى معايير جمالية وإبداعية تامة. بل أصبحت مناطقية طائفية. غير مسؤولة (البوكر الإماراتية مثلاً) وبالتالي فهي رهان لم يعد ناجحاً كثيراً. صارت جوائز للمبتدئين وقضت على المواهب الفعلية للأدباء العرب. أصبحت الجوائز العربية الآن فخاخاً وسياسات ملوثة بالطائفية والمناطقية، ودائماً تحضرني البوكر الإماراتية التي شوّهت الرواية العربية إلى حد كبير.
*في أدب الرحلات قدّمت نصوصاً مثل (الهندوس يطرقون باب السماء) فكيف استطعت أن تنقل التجربة إلى نص أدبي بعيد عن التوثيق البارد؟
ـ بعد (الهندوس يطرقون باب السماء) صدر لي في تونس ( كمامات تونسية) وسيصدر لي نهاية العام كتاب في أدب الرحلات عنوانه (تونس الخضراء- رحلات الربيع والشتاء) فيما تأخر كتابي (برج كابل) بسببي، وهو رحلة غريبة إلى أفغانستان. هذا الجنس الأدبي قديم. كتبه العرب قبل قرون أمثال ابن بطوطة وابن فضلان وابن جبير والادريسي. إنه كتابة معرفية وجمالية تُعاد الآن بشكل بطيء بين الكتّاب. ولا تحفل بها دور النشر كثيراً. أعتقد أن أدب الرحلات هو سِيَر مدن وبلدان ودول وشعوب وثقافات وطقوس وأديان وضعية غريبة وتقاليد وعادات.
صحيح أن العصر قد تغيرت وسائل اتصالاته، لكن القدرة السردية الميدانية سترى ما لا يُمكن أن يُرى بشكل طبيعي. والرحّال عليه أن يكون له عقلان. أحدهما يرى. والآخر يدوّن؛ لا يكتب. التدوين له أفضلية لتتبع السياق الرحلاتي، والكتابة تحدث لاحقاً في جو آخر. والرحلات العربية المعاصرة تُكتب ولا تدون. وهذا هو الفارق بين الرحالة القديم الذي كان يقطع آلاف الكيلومترات على ظهر بعير، ليدوّن الأثر. لا أن يكتبه. وبين الرحالة المعاصر الذي يقطع آلاف الكيلومترات بطائرة خلال وقت قصير. ولهذا أعتقد أن فكرة الرحلات وأدبها أنجزت سابقاً بتمامها وكمالها.
*رواية "جمهورية مريم" تبدو أقرب إلى استعارة كبرى للواقع العراقي فهل قصدتَ أن تجعلها نصاً سياسياً أم إنسانياً بالدرجة الأولى؟
ـ هي نص سياسي بامتياز، تغلّف بقناع الاجتماعي. الرواية جزء سقط عمداً من روايتي " عجائب بغداد" غير أنني أعدته بعد فترة غير طويلة، ليستقل بأسطورته المحلية التي حايثت جريان التعصب الطائفي البغدادي في ظرف قاسٍ كانت الدولة فيه غائبة عن ممارسة وجودها الفعلي. فآثرت هذه السردية أن تقوم مقام الدولة باعتبارية افتراضية، ووطنت الحياة في تضاعيفها السردية بشكل علني وواضح. لكن الدولة لا تقرأ. مشغولة بالقضاء على خصومها المحليين، وهؤلاء يتربصون بأهل السلطة والنتيجة فقدان الأمن والسلام حتى اليوم.
*هل ترى أن الأدب العراقي استطاع أن يوثق ذاكرة المأساة العراقية أم أنه ما زال عاجزاً أمام ثقل الخراب؟
ـ المأساة العراقية ذات وجوه عديدة. قديمة وحديثة. والحديث منها صُنع في الخارج. وذلك الخارج خرج من ضفته إلى ضفة ثانية. صار قريباً من أنفاس البلاد والمواطنين. وحاول، ونجح، في أن يخلط الأنفاس في دورق كبير. حبس الهواء الصحي الى حد غير معقول. وبالتالي فأن المأساة العراقية بهذا الوصف المتسع، أخذت تمحو الملامح الأصيلة لمواطنين انقسموا بين اليسار واليمين. وصعب على الأدب العراقي أن يكون مؤاخياً بين الاتجاهين. لأقل أكثر منهما. فالسياسة التي توطنت في البلاد هي ليست سياسة بالمعنى الطبيعي. إنها نوع من التجمعات المسلحة الموالية لليمين أو اليسار. وبالتالي وضعوا الأدب العراقي بين سيفين متحاربين. هنا أود أن أشير الى أنَّ الرواية أو القصيدة أو القصة هي مشروع فردي بالنتيجة. لا توجد لدينا تقاليد ثقافية ولا تجمعات أدبية تفرز هذا الأثر عن ذاك. لا توجد في العراق بيانات أدبية تتمخض عن واقع اجتماعي سيء. ولا تقول الحقيقية في شعرياتها المختلفة.
*كثير من الكتاب يصفون الكتابة بأنها قدر أكثر من كونها اختياراً، كيف تراها أنت بعد أربعة عقود من السرد؟
ـ قد يكون هذا وصفاً إنشائياً تقليدياً. لا هي قدر ولا هي اختيار. هي مصادفة من مصادفات الحياة، حين يكون الإنسان محاصراً بالكثير من الأسئلة، وحينما تكون الموهبة في عالم الاختبارات المتعددة. اكتشاف الموهبة مصادفة لا أكثر. يكتشفها الفرد نفسه ولا يكتشفها الآخر. وهذه المصادفة تبلورها التجربة الحياتية في المجتمع. وأفضل المجتمعات للكتابة هي المجتمعات المتناقضة بثقافاتها المحلية وطقوسها الدينية وسحرياتها الفردية والجماعية. المجتمعات المجنونة التي تخرج عن نظام السيطرة لأسباب كثيرة هي المجتمعات التي تعيد داخلها من خارجها. من الكتابة. من الموهبة الناضجة التي تبصر من عين سرية لا يراها أحد.
*هل تعتقد أن الخيال الأدبي هو وسيلة وحيدة لفهم الواقع العراقي؟
ـ الخيال من ضرورات الكتابة. والواقع العراقي لا يحتاج الى خيال فهو مكشوف جداً وواضح جداً. لكن السرديات تحتاج إلى مغذّيات خيالية وفنطازية وعجائبية، لموازنة الواقع مع خيال الكتابة. فالكتابة بعموميتها قوة آسرة من قوى الطبيعة الخلاقة. لذلك نجح كتّاب أمريكا اللاتينية وأدباء القارّة الأفريقية على وجه الخصوص، عندما حوّلوا الواقع الى خيال سردي، وأعادوا إنتاجه بطريقة فذّة. هي إعادة خيالية وغرائبية وعجائبية في الوقت ذاته. وأنا شخصياً أميل الى هذه الفذلكة الشكلية بإعادة تدوير الواقع وقراءته التحتية لا الفوقية. فالواقع ليس هو ما نراه. إنه الفكرة العميقة التي يتطلب البحث عن عناصرها السرية التي لا يكشفها إلا السرد.
*لمن تكتب في الأساس، للقارئ العراقي أم العربي أم الإنسان في المطلق؟
ـ لا أكتب لأحد. واكتب للجميع في الوقت ذاته. يهمني القارئ بشكل ما. ولا يهمني عندما يكون متعالياً على النص. القارئ المحلي أو العربي كلهم يخضعون إلى هذا المزاج المتجاذب. وعندما أنغمر في الكتابة لا أفكر بقارئ، أفكر فقط بكيفية أن أقدم سرداً روائياً فيه نضج شكلي قادر على أن يستوعب تضاعيف الواقع؛ العراقي أو العربي. فنحن من طينة تاريخية واحدة وإنْ باعدتنا الجغرافية. والقارئ العربي من الطينة العربية تاريخياً. لذلك فالقارئ عندي في كل مكان فيه لغة عربية، وجو عربي، ومساحة عربية.
*كيف ترى علاقة الجيل الجديد بالنص الأدبي وسط طوفان وسائل التواصل السريعة؟
ـ كسب الجيل العراقي والعربي بل وحتى العالمي صورة من صور المستقبل العلمي. لكنه لم يكسب الموهبة. لا يستطيع تنميتها كما فعلت الأجيال الأدبية السابقة بالمثابرة والقراءة والكتابة. لذلك فالمشكلة المقبلة هي مشكلة ثقافية على الأرجح بعدما توازنت الشعوب بمصادرها الموحدة. هذا استشعار ناتج عن فيضانات سوشيال ميديا لا نهاية لها. وهو أمر يبعث على التروي ومعاينة الواقع الثقافي العام، ومدى إلمامه بهكذا موجات علمية جبارة. لكن برأيي ستبقى ىسرديات الحاضر هي المهيمنة طويلة الأمد في الواحات الثقافية العالمية. المشكلة ليس لها حل. لأن سرديات العلم تتسارع كثيراً، بينما سرديات الكتابة تتأخر لكي تستوعب المعطيات الجديدة التي ولّدها العلم العظيم. وبالتالي فأن وجود المستقبل الآتي هو وجود علمي وليس أدبياً. ثقافة العلم هي التي ستسود. هذه حقيقة علينا أن نفهمها بشكل واضح. ميتا العلم يفتح الحياة بطريقته، بينما تسقط الأشباح السياسية والدينية في حوضه الكبير.
*اللغة عندك تحمل أحياناً نفساً شعرياً، فهل هو تأثير غير واعٍ أم أنك تتعمد مزج السرد بالشعر؟
ـ أعتقد أن الشعر هو أصل اللغة. الملاحم العالمية شعرية. ملحمة جلجامش ذات نسق شعري عمودي وأفقي. الألياذة والأنياذة والملاحم اليونانية كلها اعتمدت الشعر سرداً وقصّاً. بدأت العرب بقول الشعر ولم تبدأ بالسرد. تأخر السرد كثيراً عليها. وكانت الخطابة بديلاً عن الشعر العمودي، لكنها لم تستأثر بالذوق العربي كثيراً. لذلك فالشعر أصل اللغة. أصل الأنواع الأدبية على ما يبدو. وستجدي نصوصي الروائية تحفل بهذه اللغة التي اعدّها جزءاً أمامياً في الرواية والقصة والخيال أيضاً. أي تكون اللغة عندي معياراً ثقافياً سرديا مهماً.
*هل تفكر بكتابة مذكرات أو سيرة ذاتية ترصد مسارك بين الصحافة والأدب؟
ـ لا أفكر. حياتي الشخصية متشابهة مع غيري من العراقيين. عشنا ظروفاً واحدة. وانكسارات واحدة. وهزائم متشابهة. لذا أستبعد أن أكتب سيرة ثقافية وأدبية وشخصية. لا أستطيع أن آتي بجديد. ولا أظن أن أحداً قادرٌ على إضافة شيء في سيرة ذاتية شخصية. فالسيرة السردية وثيقة جماعية وليست فردية في الأحوال كلها. وإذا ما كانت الجماعة تحت قِدر ضغط واحد، فأن الكتابة في هذا أشبه بسلق الباميا على تيارات الهواء الطلق ..!






