انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

يدان في العجين

حسين بن قرين درمشاكي
حسين بن قرين درمشاكي

قاص وروائي ليبي

2 دقائق للقراءة
1,129 مشاهدة1 تعليق
يدان في العجين
مشاركة:

في الزنزانة تعلّمنا أن نعد: الأنفاس، والخطوات إلى الباب. اليوم نُودي على اسمي.

غرفة بلا نافذة، وشاشة زرقاء، ومحقق شاب يضغط بإصبعه على استمارة.

– تعرف سلمى؟

– أعرف كثيرات.

أدار الشاشة نحوي. رسالة وصلت قبل أيام إلى حسابه الذي لا يعرفه إلا قلة: سمعتُ أنك تبحث عني.

– لا نعرف من أرسلتها. وحدك رأيتها قبل الاقتحام. غداً تُرفع شهادتك إلى اللجنة، وفي الخانة كلمة واحدة: مقاتلة أو ممرضة.

– من أين أبدأ؟

– من أولها.

رأيتها أول مرة في المستشفى. كنت أحمل ابن أختي، رصاصة في فخذه. الأطباء الذين فرّوا تركوا معاطفهم على المشاجب، كأنهم خرجوا لشراء الخبز.

استقبلتني امرأة نحيلة بيدين باردتين. قطّعت البنطلون بمقص واحد وقالت:

– اسمه؟

– يوسف.

سحبت قلم الدكتور مراد من جيبها وكتبته على ظهر كفّها، ثم قالت:

– يوسف، انظر إليّ. لا إلى الدم. إليّ.

نظر إليها. وحين عاد إلى ساقه كانت قد انتهت من الضماد.

لم يبقَ غير الدكتور مراد ومتطوعات قليلات. وكان قلمه يعيش في جيبها: تعيره له كلما ضاع، ثم تستعيده كأنه ملكها. قيل إن زوجها في العاصمة، وإن العاصمة سقطت.

بعد يومين سقطت الثكنة. وقع أحذية في الطابق الأرضي، وصمت غريب في الأول. عند الباب الخلفي لفّ الدكتور قلمه في يده:

– اخرجي بمن تستطيعين.

– وأنت؟

– أنا الأخير. خذي القلم، فيه أسماء من عالجناهم.

لم تأخذه. دسّه بنفسه في جيبها وهي تحمل جريحاً على كتفها، ودفعها خارجاً.

وصلنا إلى بيت في أول الحي، نصفه ركام، وفي فنائه فرن طيني. أنزلت سلمى السلاح عن كتفها وتأمّلت الفرن طويلاً. ثم لبسته ثانية.

في أول ليلة رأيتها تعجن. البيت يهتز مع كل قذيفة، والغبار يتساقط في الأكواب، وهي تدفع العجين بكفّيها.

– سلمى، القصف.

– العجين لا ينتظر.

يدها اليسرى ارتجفت مرة، ثم ثبتت.

في الفجر سقطت قذيفة على السطح المجاور فصعدت. سمعنا طلقات قصيرة منتظمة. ونزلت، فغسلت يديها في الحوض، ووضعت قلم الدكتور على حافته بجانب الصابون.

كل صباح كانت تعدّ الأرغفة بصوت خافت، بعدد من في البيت.

في الليلة الأخيرة عدّتها سبعة. وفي الفجر أخذوني.

– كانت تقاتل، أليس كذلك؟

– كانت تخبز.

– وكم رغيفاً خبزت؟

– سبعة.

مدّ يده إلى مقبض الدرج وتردّد.

– وجدنا في البيت ثلاثة.

حسبتُ الفرق ولم أقل شيئاً.

فتح الدرج. أخرج قلماً قديماً غطاؤه مثلوم، وعلى جسمه خدوش صغيرة متراصّة. وضعه أمامي.

– تركه أحدهم عند البوابة، في ظرف بلا اسم، بعد الرسالة بيوم.

لم أمدّ يدي. سحب الاستمارة، وكتب بالقلم القديم. لم أرَ ما كتب. سمعتُ الخدش فقط. ثم أضعت العدّ.

في الليل، على الجدار المجاور، طرقات خفيفة منتظمة. كان في الزنزانة المجاورة من يعرف أن هناك من يسمع.

واحد. اثنان. ثلاثة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تضيق الأرض بالخطوات
ثقافة عربية

حين تضيق الأرض بالخطوات

حين تضيقُ الأرضُ بالخطوات قصيدة للشاعر حسن غريب أحمد أمشي، وفي صدري مواسمُ حيرةٍ وعلى كتفيَّ حقائبُ من أسى أمشي كأنَّ العمرَ نهرٌ ضلَّهُ مجرى، وكأنَّ الحلمَ أضناهُ الظما ما عادَ في وجهِ المرايا فرحةٌ إلا بقايا وجهِ أمٍّ تنتظرْ والليلُ يخلعُ عن نوافذِنا المنى ويُعيدُ ترتيبَ الخساراتِ الكُبَرْ يا هذه…

· 2 د
قصائد
ثقافة عربية

قصائد

مساءٌ خارجَ الجهات لم يكنِ المساءُ حزينًا لكنَّ النوافذَ كانتْ تُغلقُ أعينَها كلّما مرَّ طيفٌ من الذاكرة.... في أقصى الروحِ كانَ بدويٌّ يجرُّ خيبتَهُ على رمالٍ لا تحفظُ الأثر ويُخبّئُ في جرابِهِ بقيّةَ نداءٍ لم تُصغِ إليه القبائل...... قالَ للريحِ: أيُّ الجهاتِ أقلُّ خيانةً؟ فأجابتْهُ بعواءٍ بعيد…

· 2 د
تراتيل الزمن الضائع
ثقافة عربية

تراتيل الزمن الضائع

قال لها ذات شتاء نلتقي قرب صخر الدهشة، نفتت عشب الضمائر الملحدة نتوحد في سر الماضي المنزوي في تراتيل الزمن المتسارع الضائع في ذؤابة الأيام قال لها كلام و اقترب من نهاية التخفي في صيرورة الزوايا ذهب يئن في مراجل الرزايا يصد ذئب الجوع عن صبايا احترفن عشق سحابة الزيتون يرتلن مع حصى الخنوع بتلة الذهاب…

· 5 د