أقامت بلدية المدينة التي أسكنها في الصيف الماضي مجموعة من النشاطات الثقافية في الحديقة العامة. كانت هناك موسيقى ومسرح ومعارض وأشياء أخرى لم أكن أفهم معظمها، لكنني كنت أذهب إليها من باب الفضول. فالإنسان المهاجر يتعلم أن الفضول أرخص وسيلة لفهم البلد الذي وجد نفسه فيه.
ذات مساء، قرأت في الإعلان أن هناك حفلاً لرقصة السالسا والباتشا، لمن يحبون هذا النوع من الرقص.
توقفت عند الإعلان طويلاً.
لم أكن أحب السالسا ولا الباتشا، ولا أعرف الفرق بينهما أصلاً. لكنني قلت في نفسي: لماذا لا أذهب؟ على الأقل سأرى كيف يرقص الناس في بلد لا أعرف عنه إلا ما رأيته من خلف النوافذ.
وهكذا ذهبت.
وصلت في بداية الحفل، فوجدت فرقة موسيقية وحشداً من الناس، وفي الوسط حلبة مخصصة للراقصين والراقصات.
وقفت جانباً، مثل باحث أنثروبولوجي وصل إلى قبيلة لم يقرأ عنها في الكتب.
بدأت الموسيقى.
وبعد دقائق، "حمي الخصر"، كما يقولون.
بدأ الرجال والنساء بالرقص في ثنائيات. دوران سريع، اقتراب وابتعاد، حركة من هنا، والتفاتة من هناك، وهز للأرداف والصدور. كان كل واحد يعرف ماذا يفعل بجسده، بينما كنت أنا لا أعرف ماذا أفعل بجسدي كله.
راقبتهم كما يراقب المرء طقساً غريباً لم يرد في كتب ثقافته.
لم يكن في الحلبة أحد يبدو منشغلاً بما ينبغي وما لا ينبغي. لا أحد يراقب حركة الآخر، ولا أحد يبدو خائفاً من ضحكته أو من الطريقة التي يتحرك بها.
كان الناس يرقصون فقط.
وفجأة تذكرت آخر عرس حضرته في وطني.
كان الرجال في جهة والنساء في جهة أخرى، وبين الجهتين مسافة تكفي لقيام دولة مستقلة.
وكانت اللحى أطول من الكلام، والوجوه أكثر عبوساً من المناسبة.
ثم وقف رجل كث اللحية، وصعد إلى مكان مرتفع، وبدأ يحدث المحتفلين عن جهنم وسقر.
لم أفهم يومها لماذا اختار الرجل العرس بالذات ليذكر الناس بجهنم.
قلت في نفسي: ربما يخشى أن يفرح الناس أكثر مما ينبغي.
عدت أنظر إلى الحلبة.
كان الراقصون يخطئون أحياناً في الخطوات، فيضحكون ويعيدونها.
أعجبتني الفكرة.
أن يخطئ الإنسان في خطوة، ثم يضحك، ويبدأ من جديد.
انتهى الحفل. صفق الناس، وجمع الموسيقيون آلاتهم، وغادر الراقصون الحديقة وهم يضحكون.
بقيت واقفاً قليلاً أتفرج عليهم.
ثم عدت إلى بيتي، تاركاً الحديقة لأهل السالسا والباتشا.
أما جهنم...
فقد بدت لي تلك الليلة بعيدة جداً.







التعليقات