انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ضربة عصا واحدة

عبد الواحد منيصير
عبد الواحد منيصير

قاص وأديب مغربي

5 دقائق للقراءة
7 مشاهدة1 تعليق
ضربة عصا واحدة
مشاركة:

لم أكن أحلم، في طفولتي، بأن أصبح صاحب عصا سحرية. كنت أحلم بأشياء أكثر تواضعا: أن أجد وظيفة لا تسرق نصف عمري، وأن أرى الشوارع نظيفة، وأن يدخل المواطن الإدارة من بابها ويخرج منها من دون أن يحتاج إلى وسيط، أو قريب، أو صديق لصديق يعرف موظفا يعرف مسؤولا.

لكنني، ذات صباح، استيقظت فوجدت العصا إلى جانبي.كانت عصا غريبة، لا تشبه عصي السحرة في الحكايات. لم تكن ذهبية، ولا مرصعة بالجواهر، بل كانت بسيطة، من خشب الزيتون، محفورا على مقبضها، بخط دقيق:"ضربة واحدة تكفي... إذا كان القلب صادقا."

حدقت فيها طويلا، ثم ضحكت وقلت لنفسي:

- يبدو أنني بدأت أخرف!

لكنني، حين حملتها، شعرت بشيء لم أشعر به من قبل؛ كأن العالم كله صار خفيفا، وكأن المسافة بين الحلم والحقيقة لم تعد سوى ضربة عصا.

وفي اللحظة نفسها، سمعت صوتا يأتي من النافذة:

- إلى أين يا سيدي؟

التفت، فإذا بسجادة طائرة تحوم في الهواء.

قلت:

- ومن أنت؟

قالت:

- أنا وسيلة نقلك الجديدة. أسرع من القطار، وأقل كلفة من السيارة، ولا أحتاج إلى طريق معبد.

ركبتها، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلتي.

قلت لنفسي:

- سأطوف الوطن كله. لن أبقى في مكتبي أسمع التقارير التي تقول إن كل شيء على ما يرام، بينما الواقع يكتب تقريرا آخر على الأرصفة والجدران ووجوه الناس.

انطلقت. مررت فوق المدن والقرى، فوق الجبال والسهول، فوق الطرق التي انقطعت بها الطرق، وفوق المشاريع التي اكتملت في الأوراق ولم تكتمل على الأرض.

كنت أرى مدرسة بلا نوافذ ولا مراحيض، ومستشفى ينتظر طبيبا و  دواء، وطريقا ينتظر إصلاحا منذ أن ولد، وقرية ينتظر أهلها الماء منذ أن عرفوا معنى الانتظار. كنت أرى مواطنا يقف أمام إدارة منذ الفجر، وموظفا يطلب منه وثيقة تثبت أنه هو نفسه. وكنت أرى شابا يحمل شهاداته تحت ذراعه، وقد صار ملفه أثقل من مستقبله، وعجوزا يحدق في باب مغلق، لا يعرف هل ينتظر الموظف أم ينتظر المعجزة.

كنت أهبط من السجادة، وأرفع عصاي:

-  كفى!

ثم أضرب الأرض.

ضربة واحدة! فيعود الطريق إلى مكانه.

ضربة واحدة! تفتح المدرسة أبوابها.

ضربة واحدة! يمتلئ المستشفى بالتجهيزات والأدوات المناسبة والأدوية الكافية.

ضربة واحدة! تختفي الرشوة من الأدراج.

ضربة واحدة! تتوقف المحسوبية عن التنفس.

وفي كل مرة، كان الناس يصفقون وأنا أبتسم. كنت أشعر أنني أخيرا وجدت العصا التي كان يبحث عنها الوطن منذ زمن.

لكن شيئا غريبا بدأ يحدث.

كلما أصلحت خللا، ظهر خلل آخر. وكلما ضربت العصا على باب الفساد، خرج الفساد من النافذة، وكلما أغلقت نافذة، وجد لنفسه بابا جديدا.

ذات يوم، هبطت بسجادتي في قرية صغيرة. استقبلني الناس بالزغاريد. اقترب مني رجل مسن وقال:

- سيدي، لقد سمعنا أنك صاحب العصا السحرية.

قلت بفخر:

- نعم.

قال:

- إذن أصلح لنا الطريق.

رفعت العصا، وقبل أن أضرب، أمسك الرجل بيدي.

- ماذا تفعل؟

قلت:

- أصلح الطريق.

قال:

- الطريق لا يحتاج إلى عصا يا سيدي.

تعجبت:

-وكيف؟

قال:

- يحتاج إلى من يراقب من يصلحه، ومن يحاسب من أهمل إصلاحه، ومن يمنع من يسرق المال المخصص له.

صمت لحظة.ثم أضاف:

- العصا تصلح الحفرة، لكنها لا تصلح الإنسان الذي صنعها.

كانت كلماته أثقل من العصا.

عدت إلى سجادة الطيران وأنا أفكر.

في اليوم التالي، مررت بمدينة كبيرة. رأيت بناية ضخمة تلمع واجهتها الزجاجية، بينما كان الناس ينتظرون خارجها. هبطت، ودخلت، فوجدت صفا طويلا من المواطنين.

قال أحدهم:

- منذ ثلاثة أشهر وأنا أتنقل بين المكاتب.

وقال آخر:

- كلما جئت قالوا لي: ارجع غدا.

وقال ثالث:

- قالوا إن ملفي ضاع.

سألت:

-ومن المسؤول؟

عم الصمت.

ثم نظر الجميع إلى رجل يجلس خلف مكتب كبير. رفع رأسه وقال:

- المسؤولية جماعية.

ضحكت بمرارة.

فقال:

- لماذا تضحك؟

قلت:

- لأنني أعرف هذه الجملة. كلما ضاعت المسؤولية أصبحت جماعية، وكلما حضر الحساب اختفت الجماعة، وبقي المسؤول وحده بريئا.

رفعت العصا، لكنني لم أضرب.لأول مرة، لم أضرب.اكتشفت أن بعض الاختلالات لا تحتاج إلى سحر، بل إلى قانون يطبق، ومراقبة لا تنام، ومسؤول يعرف أن المنصب تكليف لا غنيمة.

عدت إلى السجادة وحلقت عاليا. ومن فوق، رأيت الوطن كله.

لم أعد أراه مجرد مدن وقرى وطرقات ومؤسسات، بل رأيته مثل جسد واحد: إذا مرضت قرية تألمت مدينة، وإذا فسد مكتب تعبت أسرة، وإذا ضاع حق مواطن انكسر شيء في الوطن كله.

قلت لعصاي:

- كنت أظنك قادرة على تغيير كل شيء.

فأجابتني، للمرة الأولى:

- أنا لا أغير شيئا.

قلت:

- ولكنك سحرية!

قالت:

- السحر الحقيقي في الناس، حين يؤمنون أن الإصلاح مسؤوليتهم جميعا.

ثم سكتت.

عدت أطوف الوطن، لكنني هذه المرة لم أعد أضرب الأرض بعصاي. كنت أرصد، وأستمع، وأسأل، وأكتب، وأعود إلى الناس. وحين كنت أجد خللا، كنت أرفع العصا، لا لأضرب، بل لأشير.

كنت أقول:

-هنا خلل.

ثم أقول:

- وهنا مسؤولية.

ثم:

- وهنا حق يجب أن يعود إلى صاحبه.

وفي يوم مشمس، اجتمع حولي عدد كبير من المواطنين.

قال شاب:

- لماذا لا تستخدم عصاك السحرية وتنهي كل شيء بضربة واحدة؟

نظرت إليه طويلا، ثم ابتسمت.

قلت:

- لأنني اكتشفت أن الضربة الواحدة قد تصلح جدارا، لكنها لا تبني وطنا.

سألني:

- وما الذي يبني الوطن إذن؟

نظرت إلى السجادة الطائرة، ثم إلى العصا، ثم إلى الوجوه التي كانت تنتظر جوابي.

قلت:

- يبنيه الإنسان حين يشعر أن هذا الوطن وطنه، وأن المال العام ماله، وأن المرفق العام بيته، وأن كرامة المواطن ليست منة من أحد.

ثم ركبت سجادتي.

وقبل أن أقلع، سمعت صوتا من بين الناس:

- ولكنك لم تجبني عن شيء.

التفت:

- عن ماذا؟

قال:

- هل ما زالت عصاك سحرية؟

ضحكت وقلت:

- نعم.

- وكيف؟

رفعتها في الهواء، فإذا بها تضيء.

ثم قلت:

- إنها لا تزال سحرية، لكنها لا تعمل إلا إذا أمسك بها أكثر من شخص.

وفي اللحظة نفسها، امتدت عشرات الأيدي نحوها: أيدي عامل، ومعلم، وطبيب، وفلاح، وشاب، ومتقاعد، وامرأة، ومواطن بسيط.

وحين أمسك الجميع بالعصا، حدث شيء لم أتوقعه.

اختفت السجادة... واختفت العصا... واختفيت أنا أيضا.

ساد الصمت لحظة.

نظر الناس إلى أيديهم، ثم إلى بعضهم بعضا.ومن بين الجموع، انحنى طفل و التقط شيئا صغيرا من الأرض؛كان مقبض العصا.قلبه بين يديه، ثم رفع عينيه إلى السماء.لم يجد أحدا هناك.

وفي مكان بعيد، كان أول خيط من الضوء يتسلل بين البيوت.

خرج عامل إلى الطريق، وتبعه معلم، ثم طبيب، ثم فلاح، ثم شاب يحمل ملفا تحت ذراعه.ومضى كل واحد في اتجاه.

أما الطريق، فظل ساكنا للحظة...ثم بدأ يمتلئ بالخطوات.وفي أعلى السماء، مرت سجادة وحيدة،ولم يكن عليها أحد.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

وطن عاش جهنم
ثقافة عربية

وطن عاش جهنم

عساف سلامة السلمان أقامت بلدية المدينة التي أسكنها في الصيف الماضي مجموعة من النشاطات الثقافية في الحديقة العامة. كانت هناك موسيقى ومسرح ومعارض وأشياء أخرى لم أكن أفهم معظمها، لكنني كنت أذهب إليها من باب الفضول. فالإنسان المهاجر يتعلم أن الفضول أرخص وسيلة لفهم البلد الذي وجد نفسه فيه. ذات مساء،…

· 2 د
حِينَ يَصْحُو الرَّمَادُ
ثقافة عربية

حِينَ يَصْحُو الرَّمَادُ

أُخَبِّئُ في يَدِي سِرًّا مِنَ الطُّرُقِ البَعِيدَةِ وَأَمْضِي في الجِهَاتِ كَأَنَّنِي أَبْحَثُ عَنِّي في خُطَى امْرَأَةٍ وَحِيدَةٍ أَقُولُ لِلرِّيحِ خُذِي هَذَا المَسَاءَ إِلَى مَكَانٍ لا تَشِيخُ بِهِ المَوَاعِيدُ فَفِي صَدْرِي بَقَايَا نَافِذَةٍ تَطِلُّ عَلَى غِيَابٍ لا يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ…

· 1 د
طيفٌ يداعب نافذتي
ثقافة عربية

طيفٌ يداعب نافذتي

قصة قصيرة طيفٌ يداعب نافذتي تقدّمت نحوي كمدينةٍ من ضوء، تنضح نقاءً، كأنها قادمة من قلب نجمة. شعرتُ بأنفاسي تتعثر، وبأن زنابق مبلّلة بالندى تنبت في روحي. بقيتُ لدقائق تمثالًا مرتجفًا، لا ينبض فيّ سوى رعشةٍ خفيفة، ولا أتنفس إلا حين تهزني دهشةُ همسها. وقفت أمامي وابتسمت. حدّقتُ في عينيها كطفل يرى…

· 3 د