كنت أستيقظ كل صباح على رائحة القهوة، تلك الرائحة التي تجعل القلب ألين من رغيف ساخن خرج لتوه من التنور. أرتشف فنجاني الصغير وأتهيأ لرحلة يومية قصيرة إلى فرن الحارة.
هناك، حيث تتحول طاقة الخبز إلى ساحة معركة: أذرع تتشابك، أكتاف تتدافع، وألسن تنفث الشتائم في وجه البائع، كأنما هو سبب ارتفاع الأسعار وانهيار الإمبراطورية الرومانية معاً.
أما صاحب الفرن، فكان يقف بابتسامة بوذا، يوزع الأرغفة كمن يوزع الغفران. لا تثيره الشتائم، ولا تهزه الأيادي الممدودة. كنت أقف بعيداً عن الزحام، واثقاً أن نظرة واحدة مني تكفيه ليحمل لي وزنة خبز نظيفة ملفوفة بعناية.
لم يكن ذلك لأنني وسيم أو صاحب جاه، بل لأنني أدفع له شهرياً "بقشيشاً" بسيطاً يكفي ليصنع لي معاملة VIP في فرن يعج بالفقراء والغاضبين.
في طريق العودة، أمر على جاري الفوال. أشتري فولاً ساخناً وبعض أقراص الفلافل والخضار، ثم أعود إلى البيت لأبدأ يومي بفطور لا يعرف طعم النكد.
لكن ذلك اليوم لم يكن عادياً.
قبل الفجر بقليل، اهتز الحي كله بصوت مكبرات المسجد تعلن وفاة رجل لم يعرف الناس من اسمه سوى أنه كان "فسفوساً" رسمياً، كاتب تقارير محترفاً لدى الأجهزة الأمنية.
كان هذا الرجل قد تسبب، بخط قلمه الناعم، في سجن العشرات من شباب الحارة، وقصف بيوتهم، وتشريد نصفهم.
استيقظ الناس جميعاً، لا ليحزنوا، بل ليهنئ بعضهم بعضاً، كأن العيد حل قبل أوانه.
"خلصنا من شره!"
"الله لا يرحمه!"
"إلى جهنم وبئس المصير!"
كانت هذه العبارات تتردد في كل زاوية، حتى بائع اللبن صار يوزع الابتسامات مجاناً، وكأن الخبر جعل الحليب أكثر دسماً.
وعندما شيعوه، كان المشهد أقرب إلى جنازة سرية. بضعة أقارب يمشون خلف النعش، كأنهم يتهامسون مع أنفسهم:
"ليتنا لم نأت."
وكلما مروا في شارع، خرج الجيران يودعون الفقيد بلا دمعة، بل بدعوات واضحة وصريحة:
"الله لا يرحمك... ارتحت وأرحتنا."
وحين أقام أهله له العزاء، خلا المجلس من الناس كخزان ماء مهجور في تموز. لم يأت أحد ليواسيهم أو يأخذ بخاطرهم. حتى من كان يخافه بالأمس صار يجرؤ اليوم على تجاهله.
في ذلك الصباح، وأنا عائد بالخبز والفول والفلافل، شعرت أن رائحة الخبز مختلفة... كأنها أكثر خفة، وأقل خوفاً.
لعل الحي كله شعر أن رغيف اليوم بلا تقارير، بلا وشاية، وبلا قلم مسموم.
في ليلته الأولى، لم يكن القبر وديعاً كما اعتاد الموتى أن يجدوه.
ما إن واروه التراب حتى بدأت الأرض تضيق عليه، كأنها تريد الانتقام لكل من ظلمهم في حياته. كانت حشرجة صوته تتسرب من تحت التراب، صراخاً يمزق السكون، حتى ظن الناس أن مقبرة الحي تحولت إلى مسرح للعذاب.
يقولون إن الموت كائن هادئ بطبعه، لا يرفع صوته ولا يعترض. لكن تلك الليلة سمع الموت نفسه صراخاً أفزعه، فقال غاضباً:
"ارقد في قبرك يا رجل! دعنا نعمل بصمت!"
كلما أطبقت الأرض عليه وعصرته، كان يصيح صيحة يسمعها الأحياء والأموات معاً.
وفي الصباح، تسلل بعض الفضوليين إلى المقبرة، أولئك الذين لا يخافون لا من الجن ولا من الشرطة، وحفروا القبر ليتأكدوا مما يحدث.
وهنا حدث ما لا يصدق.
ثعبان أسود، له ثلاثة رؤوس كأنها شياطين صغيرة، كان ينتظر الفسفوس في قاع القبر. وكلما حاولوا طرده بعيداً، عاد مسرعاً، كأنه صاحب الحق الشرعي في هذه الجثة.
كان يلتف على الكفن ويعضه، وكل لدغة تشعل صرخة تصل إلى من به صمم.
وسط ذلك العذاب، سمع الموتى أصواته تزعجهم في قبورهم القريبة. خرجت الأرواح العجوز تتذمر:
"يا رجل، ماذا فعلت في دنياك حتى تنال كل هذا؟ حتى نحن، أصحاب الجرائم، ننام بهدوء!"
وقال آخر:
"والله لو كنت وشيت بالملائكة، ما استحققت هذا الصراخ كله!"
لكن الثعبان لم يرحم.
ظل يلدغه ثلاثاً في كل جولة: واحدة للوشايات التي كتبها بيده، وثانية للشباب الذين تسبب في سجنهم، وثالثة لابتسامته الناعمة وهو يوقع التقارير.
وعند الفجر، أغلقوا القبر عليه كما هو، وتركوا الثعبان يحرسه.
لم يعد أحد يقترب من تلك البقعة. حتى حارس المقبرة نقل فراشه إلى بيت قريب وقال:
"والله هذا قبر فيه أكثر من جثة... فيه ذنوب الحارة كلها!"
ومنذ ذلك اليوم، صار المارة، إذا عبروا بجانب المقبرة، يسمعون خفقة مكتومة وصوتاً بعيداً يقول:
"اللعنة على كل واش... اللعنة على كل من ظلم."







التعليقات