انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

السّمكةُ والبُلبُل

عبد الكريم مراد
عبد الكريم مراد

شاعر وأديب سوري

4 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
السّمكةُ والبُلبُل
مشاركة:

   على شاطئِ البحرِ،

حينَ كانَ الغروبُ

يُطفئُ آخرَ خيوطِ الشمسِ

على صفحةِ الماء،

وكانَ البلبلُ

يُطرّزُ هدوءَ المساءِ

بأنشودةٍ من تغاريدِهِ…

لمحَ بقايا صيّادٍ بليد،

وإناءً منسيّاً

على الرمل،

وفي داخلهِ

سمكةٌ…

مختارةٌ من البحر،

منسيّةٌ على الشاطئ،

حزينةٌ…

مهمومةٌ…

حائرةٌ

بينَ ماءٍ تعرفهُ

وإناءٍ لا تعرفه.

كانتْ تقفزُ،

ثم ترتطمُ

بجدارِ سجنها المصقول،

فتعودُ إلى قاعِهِ

منهكةً…

وتنقرُ الزجاجَ

بذيلها الصغير،

وتُطلقُ أنفاسًا متقطّعة،

كأنّها تُرسلُ إلى البحر

آخرَ رسائلِها:

متى أعودُ إليكَ؟

متى؟


سمعَ البلبلُ أنينَها،

فاقتربَ منها،

وأطلَّ على سجنها،

ثم قال:

— ما بكِ؟

ولِمَ كلُّ هذا القفزِ والدوران؟

أما تعبتِ من محاولاتِكِ؟


نظرتْ إليهِ

بعينينِ أثقلهما اليأس،

وقالت:


— سامحكَ اللهُ أيُّها الغرّيد…

أتظنُّني أرقصُ فرحاً؟

أمّا سمعتَ

أنَّ الطيرَ قد يرقصُ أحياناً

من شدّةِ الألم؟


فهل يستطيعُ اللعبَ

مَن يحتضر؟


سأموتُ هنا…

بعيدةً عن البحر،

عن أترابي،

عن مائي،

عن ذلكَ الفضاءِ

الذي وُلدتُ فيه.

يا لسوءِ طالعي!

ويا لغبائي!

أغراني صبيٌّ أحمقُ

بفتاتٍ من طعام،

فخرجتُ من البحرِ خلفَه،

فأودعني هذا السجن،

ثم مضى…


ونسيني.

سكتَ البلبلُ قليلاً،

ثم قال:

— آسفٌ…

لقد ظننتُكِ ترقصين.

فالحريةُ جميلةٌ،

لكنّي الآن

لا أملكُ منقذاً

ولا ذراعينِ أحملكِ بهما.

لن أستطيعَ الوصولَ إليكِ وحدي…

لكنْ

انتظريني.

قالها البلبلُ،

ثم طار…

طارَ إلى سربِ الحمام،

يحملُ في منقارهِ

حكايةَ سمكةٍ

تختنقُ بعيدًا عن بحرها.

وكانَ الحمامُ

حمامَ السلام…

فكيفَ يردُّ

حمامُ السلام

نداءَ المظلوم؟

اجتمعتِ الأجنحةُ،

وتوزّعتِ المهمّة:

سربٌ

فوقَ الشاطئ

يحرسُ الطريق…

وسربٌ

يحملُ الإناءَ

مع البلبل،

بحذرٍ

كأنّه يحملُ قلبَ وطن…

وثالثٌ

حطَّ قريبًا من الماء،

ينتظرُ لحظةَ الخطر،

ويتهيّأُ للطوارئ.

وكان المشهدُ

أشبهَ بالبشر…


حينَ يتّحدون

لإنقاذِ حياةٍ واحدة.


ارتفعتِ الأجنحة،

وحُملَ الإناء،

وظلَّ البلبلُ يحلّقُ قريباً،

يراقبُ السجينةَ

ويهمس:

تماسكي…

لم يبقَ كثير.


وحينَ بلغوا الماء،

أُسقطَ الإناء…

فارتطمَ بالموج،

وتصدّعَ الزجاجُ،

وانفتحَ السجن.


خرجتِ السمكةُ…

قفزتْ فوقَ وجهِ الماء،

ثم غطستْ،

ثم عادتْ تقفزُ،

كأنّها تُهلهلُ للبحرِ

وتشكرُهُ لأنّهُ لم ينسَها.

ثم غطستْ عميقًا…

وغنّتْ،

بصمتِ السمك،

أجملَ أغنيةٍ

لا يسمعُها

إلّا مَن ذاقَ السجن:


أغنيةَ الحرية…

أغنيةَ الوطن…

أغنيةَ العودة.

وهناك،

فوقَ الماء،

ظلَّ البلبلُ يغرد،

وظلَّ الحمامُ يحلّق،

كأنّ السماءَ كلّها

تصفّقُ لسمكةٍ

استعادت بحرها.

⸻


وهنا…

أتوقّفُ قليلًا،

وأرفعُ رأسي

نحوَ البلبل:

أيُّها الغرّيد…

ما أجملك!


وما أروعَ أن يكونَ

للتغريدِ قلبٌ

يعرفُ وجعَ الآخرين.

وألتفتُ إلى السمكة:

أيتها الصغيرةُ العظيمة…

ما أسمى تشبّثَكِ

ببحرك!

فلم تكوني تطلبين

ذهبًا ولا سلطانًا،

بل كنتِ تطلبين

حقَّكِ في الماء.

ثم ألتفتُ إلى الحمام:


أيُّها الحمامُ الزاجل…

ما أروعَ مهمّتَك!

لم تحملوا سلاحاً،

بل حملتمْ إناءً

وحياةً

وأملًا.

وهنا…

أستميحُكم عذراً

لألتفتَ من الحكاية

إلى بلادي…


وأتساءل:

ماذا ينتظرُ

الذين جعلوا الوطنَ

ساحةً للقتل

والانتقام؟

ماذا ينتظرُ

مَن لا يتعلّمُ

من الطيرِ والحيوان،

ولا من الإنسان،

ولا من التاريخ؟

أما آنَ لهذا الليلِ

أن ينتهي؟

أما آنَ لمن جعلوا حياةَ الناس

ميدانًا للمساومة

أن يكفّوا عن العبث؟


أينَ الموانئُ

التي كانت تفتحُ صدرَ البلادِ للبحر؟


أينَ القلاعُ

التي حملتْ ذاكرةَ الأجداد؟

أينَ الأنهارُ

التي كانت تمضي

ولا تسألُ أحدًا

عن هويته؟

أينَ البساتينُ

والمدنُ

والبيوتُ

التي كانَ الوطنُ

يُشبهُها وتشبهه؟

كم من مكانٍ

دخلتهُ يدُ السياسة،

فخرجَ منهُ التاريخُ

جريحًا…

وكم من نهرٍ

صارَ ورقةً

على طاولةِ المساومات…

وكم من أرضٍ

وجدتْ نفسَها

بينَ مطامعِ الخارج

وحساباتِ الداخل.

وتتبدّلُ الأسماء،

وتتغيّرُ الرايات،

ويبقى السؤالُ واحداً:

مَن يدفعُ ثمنَ كلِّ ذلك؟


إنّهُ الإنسان…

ذلكَ الذي لا يملكُ

إلّا بيتَهُ الصغير،

وخبزَهُ،

وأمانَهُ،

وحلمَهُ

بغدٍ لا يشبهُ الأمس.

حتى الوحوشُ

إذا افترستْ

تعودُ إلى غابتها،

وتحاولُ أن تخفيَ أثرَها…

أمّا الإنسانُ

حينَ ينسى إنسانيتَه،

فقد يرتكبُ الفعلَ

ثم يقفُ في جنازةِ ضحيّتِه

كأنّهُ لم يكنْ هناك.

يا لهذا الزمن!

تسيلُ الدماءُ

على أرضِ الوطن،

ثم تُرفعُ الرايات،

ويُعلَنُ الحداد،

ويُطلبُ من القطيعِ

أن يصدّقَ الروايةَ ذاتها

مرّةً بعدَ مرّة.


لكنّ الدمَ

لا ينسى…

والأرضَ

لا تنسى…

والتاريخَ

لا ينسى.

ولأنّ الوطنَ

ليسَ ملكًا لفردٍ

ولا لجماعة،

فإنّ خلاصَهُ

لا يكونُ بقتلِ أبنائه،

ولا بتقسيمِهم،

ولا بتحويلِهم إلى أرقامٍ

في دفاترِ الضحايا.

لنا الله…

ولنا الأرض…

ولو أُحرقتْ

حتى غدتْ رماداً،

فإنّ في الرمادِ

بذرةً تنتظرُ المطر.

وسيأتي المطر…

وستشرقُ شمسُ الربيع…

وستعودُ السنابلُ

تبحثُ عن حقولها،

والأنهارُ

عن مجاريها،

والطيورُ

عن أعشاشها،

والإنسانُ

عن إنسانيته.

وسنعودُ،

كما عادتِ السمكةُ

إلى بحرها…

لا نحملُ في أيدينا

إلّا الحلم،

ولا في قلوبنا

إلّا الوطن.

فما دامَ البحرُ موجوداً،

فإنّ السمكةَ لن تنسى طريقَها إليه…

وما دامَ في السماءِ

بلبلٌ يغرد،

وحمامٌ يحملُ السلام،

فإنّ الحريةَ

لن تكونَ حكايةً من الماضي.


عبدالكريم مراد

ألمانيا ـ إِسّن

08.10.2023


مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

اعترافٌ لا يُروى
ثقافة عربية

اعترافٌ لا يُروى

أنا الذي كلما حسبتُ أنني نجوتُ منّي جئتِ أنتِ فأعدتِني إلى خرابٍ كنتُ قد سوّرتُه بالصمت في حضوركِ تخلعُ الروحُ نعليها وتدخلُ حافيةً إلى مواقدها الأولى... كأنَّ في عينيكِ سرًّا قديمًا تعرفه الفيافي ولا تعرفه المدن توقظين في دمي فرسانًا بلا خيل وتنفضين عن القلب غبارَ معاركه الأولى فأعودُ ذلك البدويَّ…

· 1 د
الروح هزيمة الحرب الأخيرة
ثقافة عربية

الروح هزيمة الحرب الأخيرة

لقد أدركتُ أن التشظي لا يبدأ حين يسقط الجدار، وإنما حين يقنعنا الساقطون بأن الجدار لم يكن يستحق أن يُبنى إلا بأدوات من وجودٍ دخيل. فغدوت بعدها أقاوم الدمار في داخلي قبل أن أقاومه في أكناف أرضي؛ أحرس أسماء الأماكن من النسيان، وأستحضر وجوه الذين غابوا، وأحفظ رائحة الديار التي لم تعد إلا شبه قائمة،…

· 4 د
لأبي خمسةُ أجساد
ثقافة عربية

لأبي خمسةُ أجساد

لأبي خمسةُ أجسادٍ يُراوح في ٱرتدائها. الجسدُ الأوّل يجلس مع أمّي على مائدةِ الإفطار، ولكن ليسَ في المُنتصف حتّى يتركَ المقعد شاغرًا للصّباح. يطلي أصابعَ أمّي بمُربّى البرتقال لأنّ الحُبّ هو آخرُ مخبزةٍ تعملُ بالقرية. هذا الجسد مهترئٌ قليلاً من كثرةِ الاستعمال والغسيلِ العاطفيّ، لكنّ أمّي تكويهِ…

· 2 د