على عتبة شقتي ينقبض قلبي؛ فأهمُّ بالرُّجوع إلى الوراء وهبوط السُّلم الطَّويل الملتفّ والفرار من البناية القديمة واللُّجوء إلى الشارع الذي ودَّعته منذ دقائق معدوداتٍ، لكنَّ جسدي المنهك، يأبى الارتداد إلى الخلف كجوادٍ هزيلٍ بدأ نوبة حُرونه، يلحُّ جسدي عليَّ في الدُّخول، وأخذ قسطٍ من الراحة بعد جولتي الطَّويلة المضنية التي أمضيتها ككلِّ ليلةٍ في تمشيط الشوارع، والسير في شتَّى الاتجاهات، والانغماس في متاهات الصَّخب والزّحام؛ أبحث في الأصوات المتداخلة والوجوه عن دواءٍ، يخيب سعيي، وعادةً ما يخيب؛ فأفر ببصري إلى السَّماء، يتماهى حزني مع حزنها، أبصرها رماديةً مُعبَّأةً بسحب الدُّخان؛ فأرثي النُّجوم المختنقة التي تظهر بالكاد من خلف ستار الرَّماد شاحبةً منطفئة البريق، وسرعان ما أعود إلى متاهاتي، ينقضي اللَّيل بطوله وأنا أوزع نظراتي العابرة على ما يصادفني من بناياتٍ ولافتاتٍ ومصابيحَ وسياراتٍ ووجوهٍ. أبصر آلاف المرئيات، لكنَّني في الحقيقة لا أرى سواكِ، فلا أبرأ من علتي. أتلهَّفُ كعادتي إلى المناطق الخالية، لعلّي ألمح شجرةً ولو عاريةً.
أو كلما صادفتني شجرةٌ خضراءُ نجت من مقصلة الأسمنت والخرسانة البليدة، استقاد الحنين، وتداعت الذكريات؛ فتمثلين أمامي، تراقصين الرّياح بفرحة امرأةٍ لم تسلبها الأيام قلب الصَّبيّة الأخضر، ولم يخجلها نضج مفاتنها من أن تدور كالفراشات في نهر الطَّريق المزدحم بالمارّة؟! ألاحظتي يومًا تلك الأعين التي طالما ترصَّدتك باستهجانٍ، ورُبَّما بابتسامةٍ واندهاشٍ؟! أرأيتِ العجائز يمططن شفاههنَّ، ويستنكرن صنيعكِ؛ أم كنتِ كعادتكِ مشدوهةً مشدودةً بكل جوارحكِ إلى ذلك اللَّحن المنسكب من عليّين، الّذي طالما داعب سمعك كلما انهمر المطر؟! أتذكرين أنَّك بُحتِ بسرّه لي ذات مرةٍ، لكنَّكِ حين أدركتِ أنَّه لا يسمع اللَّحن إلَّاكِ، آثرت كتمان الخبر؟!
أراكِ تستقبلين المطر بابتهاجٍ يليق بحوريّةٍ، تفردين ذراعيكِ على طولهما، وسرعان ما يتحوَّلان إلى جناحين، تضربين بهما الهواء بتتابعٍ وليونةٍ، تدورين وتدورين، تصعدين وتحلقين، تعانقين حبات المطر المنهمر، وكما العصافير تبتلين، توزعين ضحكاتكِ الصَّافية على جنبات الفضاء، تشربين الحياة ولا ترتوين. أسمع بعض المارّة ينعتونك بالجنون؛ تحدثني نفسي بأن أتوارى خجلًا مما تصنعين؛ فأبتعد عنكِ قليلًا، ولكنَّني سرعان ما أنفض الغبار عن أذنيَّ وأقترب منكِ، أصنع من جسدي سياجًا يحميك من نظراتهم التي تقاسمها الاشتهاء والحسد والغبطة والغضب. ليتكِ تعلمين أنَّني عاهدت نفسي منذ أن عرفتكِ على ألَّا أُحزنكِ، فما بالكِ بحالي بعد أن همس الطَّبيب في أذني، وطعن قلبي بكلماته الخافتة، وأنت خلف السّتار تهندمين ملابسكِ؟!.
أدخلُ شقتي متثاقلًا مرغمًا، تتساقط من عينيَّ أمطار اللوعة والانكسار، أبتلع مرارة حزني، أطالع الجدران الباردة .. للوحشة طنينٌ ثقيلٌ يلتهم أذنيَّ، أتوجَّه صوب بابٍ مؤصدٍ، أدير المقبض، أدخل غرفة نومي، أضئُ المصباح الصَّغير الأحمر الخافت؛ فيرتجف قلبي بمجرد أن أراكِ منتصبة كغصن بانٍ بجوار النَّافذة تحرك الرّياح فستانكِ الأزرق القصير، لكنَّك ثابتةٌ لا تتحركين، أقف للحظاتٍ أتأمل سكونكِ المهيب، يتضاعف حزني، أحاول عبور المساحة الجليدية الفاصلة بيننا، ألقي عليكِ تحية المساء، أتلعثم، وأستدرك، وألقي تحية الصباح؛ إذ تنبَّهت إلى أنَّ الفجر يقف على بعد قصبةٍ واحدةٍ، يتأهب للخروج من مكمنه، لكنَّكِ لا تجيبين، ولا تأبهين بدخولي من الأساس. أتودَّد إليك، أتغزَّلُ في عينيكِ بقصائد حارَّةٍ، فلا تنفرج شفتاكِ عن ابتسامةٍ ولو شاحبةً، ولا تعيريني أدنى اهتمامٍ. أدنو منكِ، تجوس أصابعي خلال خصلات شعركِ الأسود الفاحم، ألتصق بك، أطوقك بذراعي، ألثمُ خدكِ وشفتيكِ، أربتُ على ظهركِ براحة كفي اليسرى، أعيركِ حرارتي؛ فلا يتوَّرد خداكِ من حُمَّى الطَّلب، بل ترفضين عطيتي بقسوةٍ بالغة؛ فأضيق ذرعًا ببرودتكِ المفرطة، أَمَلُّ جمودكِ وصدودكِ، أرتدُّ إلى الوراء مثقلًا بالأسى والخيبات، ألقي جسدي المنهك على سريري البارد، تلتقط أصابعي الواهنة من تحت وسادتي صورة فوتوغرافية قديمة متآكلة الأطراف، أدقق بصري الكليل، أبصركِ وردةً تشتهي النَّدى، تسيل دموعي، تروي وجهكِ النَّضير والورق المقوَّى، أصرف عينيَّ الغائمتين إلى تلك الساكنة بجوار النافذة الغارقة في صمتها، أرفع يديَّ المرتعشتين، أقربهما إلى ناظريَّ، أنعي ما كان لهما من براعةٍ لم يُعرَف لها في مدينتنا نظيرٌ. أدير بصري إلى زاويةٍ مهملةٍ تراكم فيها الإِسْفَنْج والجلد والقماش ومخيطٌ صدئٌ لصانع العرائس والدُّمى







التعليقات