انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

قد وَهَبْتُ الْبُنَّ عهدي

هادية السّالمي دَجُبّي
هادية السّالمي دَجُبّي

شاعرة وأديبة تونسية

2 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
قد وَهَبْتُ الْبُنَّ عهدي
مشاركة:

من عينه قفزت دمعة إلى فنجان الْقهوة الْموضوع أمامه على جذع زيتونة متفحّم وسط الرّكام.

امتدّت يده لتخترق الْبخار الْمتصاعد من الْفنجان، تسمّرت عيناه في الْمدى، وامتطى صهوة النّغم…

 ورقة غار سمراء رآها تطير من فنجانه ملتفّة ببخار الْقهوة وقد استقرّت دمعته على حوافها الْمنكمشة.

تدفّقت إلى مسمعه وشوشات تتزاحم في شرفات الْبخار الْمتصاعد بين يديه:

-قد حالَ وجهك الْمُغبرّ بيني و بين الْبُنّ، قالت، فأيُّ قَدَرٍ أنتِ؟

-أنا الْعُصارة الْمنكّهة بطعم عرقه، ردّت السّمراء، و ما نسيت ضجيج الطُّرق ولا أصغيْت لغير الْأُفق.

ولا أزال وإنْ هشّ كفّي أحفظ رائحة يديه مذ

سرَتْ في التّربة الّتي ضمّت بذرة أمّي الْأولى

في أعلى الْهضبة.

ولا أزال أقرأ بصماته على مدارج الْقمر، وما نسيت ومضات عينيه حين كان يتطلّع إلى وجهي الْغضّ مسندا ظهره إلى جذع أمّي.

أنا قَدَرُ قهوته،وقد وهبت الْبنّ عهدي بئلاّ يُدركَه لهيب ملحك مهما جفّ وجهي وهشّ كفّي.

-فإلى أين تمضين بي أيّتها السّمراء؟

-إلى الْأفق الْمخضرّ حيث الْمذاقاتُ الْأُخَرُ، لعلّك…

أطبق جفنيه يستلهم نفحةً من طيب ما فارقت

نبضه.

عادت به الذّكرى إلى حديث أسرّه الْجدّ إليه لمّا أطبق الْمساء فكّيْه على الْقرية:

-كنّا ، قال الْجدّ ، كلّما داهمنا الْغبار نغتسل بعصارة الْغار فتيْنع بين ضلوعنا غابات السّدر

ويتمدّدُ الشّيح والصّبّار في الْمدى…

هو لم يسأل جدّه حينها عن مقاصد حديثه، وإنّما اكتفى بإغماض عينيه ليتسنّى له السّفر على أجنحة أنفاسه إلى حيث أكاليل الْغار

وروائح الشّيح وأنغام الصّبّار…

حملق في قهوته ولا يزال بخارها يهمس للرّكام.

ابتسم. مدّ يده إلى الْفنجان ليرفعه عن جذع الزيتونة الْمتفحّم، غير أنّ قطعة من جناح

وقعت على زنده…

أحصى قِطَعَ الْفنجان الّذي كاد يقترب من شفتيه.

ألقى نظرة إلى الْجذع الّذي يجلس إليه فألهب الدّخان عينيه…

رفع قطعة الْجناح الّتي أتلفت قهوته، شبك أصابعه.

إنّها قطعة من جناحِ حَجَلٍ…

أطرق زمنا لم يُحصه…

وما رفع رأسه إلاّ على صفيرٍ يضجّ حواليه، ورحيق الْخزامى يتنفّس على شفتيه…

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٤٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عِنَاقُ الخَوْف
ثقافة عربية

عِنَاقُ الخَوْف

عِنَاقُ الخَوْف إبراهيم مجاهد صلاح - اليمن أنا الطّفلُ والأيّامُ شيّبْنَ مَفرِقي وطيفٌ من الرّعبِ المُقيمِ مُلازمي يُرافقني كالظِّلِّ يَمشي بصمتِهِ وإن ألتفتْ عينيّ تَوارى كَمُعْدَمِ تُجسِّدُهُ الأوهامُ لُعبةَ خائفٍ ومنزلهُ بينَ الضّبابِ المُخيِّمِ فمِن أينَ أمضي للسّكينةِ آمناً وكلُّ مدىً يُفضي…

· 1 د
العابر الأخير.
ثقافة عربية

العابر الأخير

لم يكن رشيد يخشى الموت؛ كان يخشى أن يموت دون أن يعرف أيّ الرجلين كان طوال حياته: ذلك الذي رآه الناس في المرايا، أم ذلك الذي ظل يختبئ خلف عينيه. في جناحه الفخم، حيث تتدلى الستائر الثقيلة كأنها أُسدلت على مسرح انتهى عرضه، كان يحتضر وحيدا. على الطاولة ساعة ذهبية، وخاتم مرصع، ومفتاح خزنة، وصورة لرجل…

· 4 د
عِقدُ الرمان
ثقافة عربية

عِقدُ الرمان

(أهازيج عن أنثى عشقتها ) * (١) 'عِقدُ الرمان' العارية استباحت دمي وانفرطَ عِقدُ الرمان. (٢) 'أغنية' أغنية للأحايين الكثيرة التي أصيرُ فيها غامضًا وترتديني حواء! (٣) 'فتاة ليل' الوحوش الضواري في الأفق وعند مفترق طرقٍ تبدو للعينِ استدارةُ نهدٍ وتبسمُ شفاه (٤) 'الوقوف في حضرتها' أقف إزاء ثوبها والوقوف…

· 1 د