الخوفُ أخذه إلى أمكنةٍ باردةٍ ومظلمةٍ حين فتح عينيه في ذلك الصباح الماطر؛ فقد زاره أثناء نومه العميق مخلوقٌ بلا أطرافٍ ولا ملامح. وبسرعةٍ فرّق بينه وبين البهجة المفقودة أصلًا، وجعل الغربان تنعق في أروقة نفسه التي ضاعت بين الشك واليقين.
أمسك المخلوق العجيب بأرنبة أنفه وقال له بحياد، وكأنه يبلغه رسالة:
"ستموت حين يأتي كاظم من العراق."
ثم اختفى بالسرعة التي جاء بها.
رفع الرايات السوداء، وبقي ممددًا في فراشه، غارقًا في شرودٍ عميق يأخذه إلى عوالم مليئة بالتساؤلات. بدا في أعوامه الثلاثين وكأنه في الربع الأخير من خريف عمره. راح يبحر في متاهاتٍ وظنون، بينما تضاريس الحزن لا تزول عن وجهه. مدّ يده بتكاسل إلى علبة السجائر، أشعل واحدة، وبعد أن سحب نفسًا صنع لنفسه شيئًا من الفرح، وقرر أن ينسى الحلم بكل غرابته، إلا أن نفسه رفضت الانصياع لأوامره، وظلت تأخذه من عذابٍ إلى عذاب.
من شروق الشمس إلى غبش الليل، لم يفارق الحلم ذاكرته المعطوبة، ولم يزره النوم. كان دائمًا يترك آثار أقدامه على جلد الليل، ودائمًا أيضًا، من خلف أسوار همّه، مع طعامه وشرابه، جلوسه ووقوفه، ذهابه وإيابه، يهدهد أحزانه ويحاول أن ينزع عن صدره الكابوس الجاثم. كان يخاطب نفسه التي أصبحت مريضة وبحاجة إلى استئصال الهموم منها:
"من هو كاظم هذا يا ترى؟ وهل له وجود؟"
ثم يعزي نفسه ويقول:
"كان كابوسًا ثقيلًا، ويجب ألا أهتم به. أنا في دولة، وكاظم هذا في دولة أخرى، فكيف نلتقي؟ ثم إنني لا أعرف إن كان له وجود أصلًا. لنفترض أنه موجود في العراق، ماذا في ذلك؟ فأنا لن أذهب إلى هناك، وحتى لو تحقق المستحيل وجاء هو إلى بلدي فلن يلتقي بي."
ظلت مخالب الخوف تمسك بزمام قلبه، ولم تتلاشَ إلا بعد أشهر عدة، حينئذ عاد إلى حياته الطبيعية.
مرت خمس سنوات أو أكثر بقليل. وفي ظهيرة ربيعية خلابة، كان برفقة زوجته في سيارة أجرة قادمًا من العاصمة. كانت السيارة تسير بسرعة طبيعية، والركاب يتحادثون فيما بينهم، أما هو فكان ينظر بشوق وإعجاب إلى وجه زوجته التي تزوجها قبل سنة، ويواصل معها ثرثرة العاشقين. وحين لاحظ أن السائق ينظر إليه عبر المرآة، حوّل نظراته نحو الحقول الخضراء الممتدة على مدّ البصر.
بعد لحظات، شعر بأنفاسه تتصاعد، وبخفقات قلبه تتصارع، وتغيّرت ملامحه تمامًا. تطلعت إليه زوجته، فلاحظت أن همًّا ما قد داهمه. سألته همسًا عن السبب، فغرس في وجهها بذرة حبه، ومع ابتسامة مصطنعة أخبرها بأنه بخير، ولم يخبرها بأن رأسه مليء بثقوب الهموم. حاول أن يرممها، لكن كلما سدّ ثقبًا انفتحت ثقوب كثيرة. فقد ذكّرته أشباح ذاكرته بالحلم القديم، وحمّلته تلالًا من الحزن.
وبالرغم من الدمار الذي لحق به، أغمض عينيه وهو مثقل بالردى والطقوس الغريبة والمنطق الذي لا منطق له. أراد أن يذهب في غفوة مصطنعة، لكن آلاف الهواجس أطفأت رغبته وأشعلت الشيب في رأسه. فتح عينيه الجاحظتين، ونظر إلى زوجته فوجدها تضع يدها على خدها وتتسلى بالنظر إلى البهاء الربيعي. عندئذ نظر إلى الأمام، وبعد دقائق قليلة اصطدمت نظراته بشاحنة كبيرة قادمة باتجاه سيارته. نظر إليها مليًّا وهي تقترب، فشعر بأن رائحة الحياة ستُسرق من أنفاسه. رجع برأسه نحو مسند الكرسي وتاه في غابات الشرود، إلى أن سمع صيحات الركاب المفاجئة وأصوات ارتطام الحديد ببعضه.
بعد الحادث بيومين، وبينما كانت زوجته جالسة على كرسي بجانب غرفة العناية المركزة، في عينيها همومٌ وانكسارات، وفي قلبها صبرٌ متعب، وقف أمامها رجل خمسيني بملامح جندي خرج لتوّه من معركة خاسرة، وسألها بصوت خافت:
ـ هل كان زوجكِ في سيارة الأجرة؟
نظرت إليه وهزّت رأسها. فابتسم ابتسامة باهتة وقال:
ـ أنا سائق الشاحنة… اسمي كاظم، ومن العراق.
هبت واقفة فجأة، كأن شيئًا انغرس في جسدها. تراجعت خطوة إلى الوراء، ولم تفهم إن كان القدر يسخر منها أم يكمل فصول الحلم القديم. أرادت أن تسأله شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات رفضت الخروج من فمها.
انتظر الرجل أن تنطق، وحين طال انتظاره، أرسل نظراته نحو باب الغرفة، وقال بصوت فيه شيء من الغرابة:
ـ لا أعرفه… لكنه يعرفني بالتأكيد.
ثم استدار ببطء، وسار في الممر الطويل حتى اختفى.
ظلت الزوجة وحدها، حائرة، تائهة، لا تدري إن كانت قد التقت بإنسان من لحمٍ ودم، أم بمخلوق من عالم آخر. ومع كل دقيقة تمر، كانت دقات قلبها تزداد اضطرابًا، بينما الباب المغلق خلفها يلمع تحت الضوء الأبيض ويلفه السكون، كأنه ينتظر من يفتحه.
زائر بلا ملامح

آخر تحديث: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٥ م






التعليقات