انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حدثني عن قلب أخضر

عبد اللطيف مبارك
عبد اللطيف مبارك

قاص وأديب مصري

5 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
حدثني عن قلب أخضر
مشاركة:

​كان كل شيء في المصحة يبدو خالياً من الخطيئة. الأبيض الناصع يبتلع كل لون، ورائحة المطهرات النفاذة تذكر باستمرار بأن المرء هنا ليتطهر من شيء ما، أو لينسى.

​كان إياد يجلس على حافة النافذة المحمية بشبكة معدنية دقيقة، يراقب الشجرة الوحيدة التي تمتد أغصانها نحو الشارع أسفلها. في الداخل لا شيء ينبض؛ كل شيء يسير وفق الروتين المعتاد: جولة الأطباء في الثامنة، الجرعة الأولى في التاسعة، ثم التقييد الإجباري في الظهيرة بين خوف وآخر.

​دخلت سلمى بخطوات لا تُسمع. كانت تحمل معها دفتر ملاحظات أسود صغير وقلم رصاص من الخشب. لم تكن طبيبة، ولا مريضة بالمعنى المألوف؛ كانت تتجول في الممرات كمن يبحث عن شيء أضاعه في زحام قديم.

​جلست على المقعد الخشبي الملاصق لسريره، وأمالت رأسها وسألته بفضول حيوي:

— «حدثني عن قلب أخضر.»

​التفت إياد ببطء. كان وجهه يحمل آثار السنين، وعيناه تعكسان انكساراً قديماً.

— «الخضرة؟ لم يعد هناك سوى الرمادي هنا يا سلمى. القلب لا يعود أخضر بعد أن يحترق ولو لمرة واحدة.»

​ابتسمت بلطف، وفتحت دفترها وقالت:

— «لا يهم كم احترق، المهم ما تبقى تحت الأنقاض. ابدأ من الصفحة الأولى، وأنا سأستمع.»

​قبل عشر سنوات، لم يكن إياد يعرف السكون. كان مهندساً زراعياً شغوفاً، يستطيع معرفة نوع التربة بمجرد فركها بين أصابعه. كانت الحياة بالنسبة له معادلة بسيطة: تبذر البذرة، تسقيها بالماء، فتخرج أوراق نضرة.

​في تلك الأيام التقى بمريم. كانت مريم تشبه الربيع في أبهى تجلياته؛ لا تخشى المطر ولا تبالي بالرياح التي تقلع الأشجار الهرمة.

​تذكر إياد تلك اللحظات وهو يحكيها لسلمى:

— «كانت تعتقد أن كل أرض صالحة للحياة. لم تكن تفهم أن بعض الأراضي مسمومة، وأن بعض البشر ينمون كالشوك، يمتصون ماء من حولهم حتى يجففوه.»

​— «وهل كانت هي قلباً أخضر؟» سألت سلمى وهي تواصل الكتابة ببطء.

​تنهد إياد:

— «كانت خضراء أكثر من اللازم لِتَحَمُّل جفاف هذا العالم. وكنت أظن أنني أستطيع حمايتها.»

​الجفاف يبدأ دائماً من التفاصيل الصغيرة. كلمة لم تُقل في وقتها المناسب، نظرة تائهة، وحلم يتحول تدريجياً إلى عبء يومي.

​توقف مشروع إياد لاستصلاح آخر قطعة أرض بور على أطراف المدينة. تحولت الأحلام الوردية إلى ديون، والديون إلى ملاحقات قانونية، ونزل الصمت على البيت الصغير الذي كان يضج بالحياة.

​— «أتلاحظين كيف تموت النبتة يا سلمى؟»

— «كيف؟»

— «ليس دائماً بسبب العطش. أحياناً يقتلها الفائض من الماء، أو الخوف الزائد من الجفاف. لقد خنقنا نقص الموارد.»

​في ليلة ممطرة، جمعت مريم أمتعتها. لم تصرخ ولم تترك أي رسالة غضب. تركت فقط خاتم زواجها الذهبي بجوار أصيص النعناع الجاف على الشرفة، ورحلت.

​بعد رحيل مريم، لم ينكسر إياد في لحظة واحدة. حدث الانهيار على مراحل متتابعة، كأوراق الأشجار في الخريف.

​بدأ يبتعد عن الناس، ترك لحيته تنمو، وأهمل مشتله حتى تدهور، تاركاً إياه مأوى للحشرات والجدران المتشققة. كان يقضي ساعات طويلة يحدق في الفراغ. تآكلت أفكاره حتى لم يعد يفرق بين النهار والليل.

​— «لماذا استسلمت؟» سألته سلمى بنبرة جادة.

​— «الاستسلام ليس قراراً نتخذه يا سلمى، إنه انزلاق صامت. تبدأ بالتخلي عن الأشياء الصغيرة: قهوة الصباح، الرد على الهاتف، إغلاق الستائر... حتى تجد أنك تخليت عن نفسك.»

​في تلك الليلة الممطرة، اندلع حريق في المشتل القديم. لم يعرف أحد سبب الحريق: ماس كهربائي، غفلة أحد المارة، أم أنه هو من ترك الشمعة مشتعلة قرب الأوراق الجافة؟

​عندما وصل رجال الإطفاء، كان إياد واقفاً وسط الل any ألسنة اللهب، دون أن يحاول إطفاءها أو الهرب. كان يحدق في النار بنوع من الراحة، وكأن اللهب يلتهم الديون والذكريات الخيبات في لحظة واحدة.

​تم إنقاذه في اللحظة الأخيرة. ومن هناك، من قلب الدخان والرماد، نُقل إلى هذه المصحة.

​— «ومنذ ذلك الحين... أصبح قلبي رمادياً. لا يمتص الماء ولا ينبت أوراقاً.»

​استمعت سلمى في صمت، ثم أغلقت الدفتر بهدوء ونظرت في عينيه مباشرة:

— «لكنك ما زلت تتنفس يا إياد.»

​— «التنفس حركة ميكانيكية، لا يعبر عن الحياة.»

​قامت سلمى، وذهبت إلى الزاوية المجاورة للممر، وعادت وهي تحمل أصيصاً فخارياً صغيراً فيه نبتة صغيرة جداً، لا يتعدى طولها بضعة سنتيمترات، لكنها تخترق التربة بإصرار.

​وضعتها في أحضانه.

​— «ما هذا؟» سألها بذهول.

​— «الدليل على أن الأرض لا تنسى كيف تُنبت الأشياء. هذه النبتة خرجت من قليل من التربة التي أخذتها بنفسي من جوار المشتل المحترق الذي حدثتني عنه.»

​اتسعت عينا إياد ولمس الأوراق الرقيقة للنبتة بأطراف أصابعه المرتجفة.

​بدأت الأيام داخل المصحة تتغير. لم تعد الممرات مجرد مساحات بيضاء باردة، بل أصبحت مسرحاً للأحاديث اليومية بين إياد وسلمى.

​اكتشف إياد أن سلمى هي ابنة طبيب سابق في المصحة، وأنها تحاول التعافي من ألم فقدان أختها الصغرى في حادث أليم. كانت تجد في الكتابة والحوار مع المرضى ملاذاً لإعادة بناء ذاتها من الداخل.

​— «القلب الأخضر يا إياد، ليس القلب الذي لم يحترق قط» قالت له ذات مساء وهي تجلس معه في الفناء.

​— «وما هو إذن؟»

​— «إنه القلب الذي يعبر الحريق ويحتفظ بجذوره حية تحت الرماد، ليعود ويزهر مع أول قطرة مطر.»

​في منتصف الخريف، هطل المطر بغزارة على المدينة. أراد إياد الخروج إلى الفناء الخارجي للمصحة دون مظلة.

​وقف هناك، رافعاً وجهه نحو السماء، تاركاً القطرات الباردة تغسل غبار السنين عن ملامحه. كانت تلك المرة الأولى التي يبتسم فيها بعد دهر.

​شعر بشيء يتحرك في أعماقه؛ ذلك الثقل الرهيب الذي كان يجثم على صدره بدأ يتلاشى. تذكر كلماته الأولى لسلمى ودرك أن الحزن ليس مصيراً أبدياً، بل هو مجرد فصل طويل ينبغي أن يعقبه فصل آخر.

​جاء يوم الخروج. اكتملت الأوراق الرسمية وأخبره الطبيب أنه يستطيع العودة إلى الحياة الخارجية.

​وقف إياد عند البوابة الرئيسية، ممسكاً بحقيبته الصغيرة وأصيص الفخار الذي أهدته إياه سلمى. في الخارج كانت هناك مدينة كاملة تضج بالحركة والألوان، لم تعد تخيفه كما كانت من قبل.

​لوحت له سلمى من نافذة الطبقة الثانية وابتسمت له بلطف، دون أن تقول شيئاً. كان بينهما عهد صامت: لا حاجة لكثرة الكلام عندما تبدأ الحياة في الجريان من جديد.

​بعد عام واحد.

​في المنطقة الشرقية من المدينة، قام مشتل جديد، أصغر من السابق، ولكنه أكثر ترتيباً ودفئاً. الهواء محمل برائحة الأرض المبتلة، والريحان، والنعناع.

​يجلس إياد عند الطاولة الخشبية في مدخل المشتل، يفتح دفتر ملاحظات ويكتب في الصفحة الأولى بخط كبير:

​«حدثتِني عن قلب أخضر... وتعلمتُ أن الخضرة ليست لوناً نولد به ثم نفقده، بل هي الإرادة في البقاء والقدرة على التبرعم من جديد، حتى عندما تستريح الجذور وسط الرماد.»

​وضع القلم، ونظر إلى الزبائن المارين، ثم انحنى ليسقي شتلة ورد جديدة تحت شمس الصباح الدافئة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٥ آب ٢٠٢٦ في ١٢:٣٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

منافي الوردة
ثقافة عربية

منافي الوردة

على عتبة شقتي ينقبض قلبي؛ فأهمُّ بالرُّجوع إلى الوراء وهبوط السُّلم الطَّويل الملتفّ والفرار من البناية القديمة واللُّجوء إلى الشارع الذي ودَّعته منذ دقائق معدوداتٍ، لكنَّ جسدي المنهك، يأبى الارتداد إلى الخلف كجوادٍ هزيلٍ بدأ نوبة حُرونه، يلحُّ جسدي عليَّ في الدُّخول، وأخذ قسطٍ من الراحة بعد جولتي…

· 3 د
بابل بلا قبور
ثقافة عربية

بابل بلا قبور

بعد موت أنكيدو، صديق عمره ورفيق مغامراته، جلس جلجامش في قصره ينظر إلى العرش الكبير ويشعر أنه أصغر من ذرة غبار. قال لنفسه: "ما قيمة الملك إذا كان صاحبه سيموت؟ وما قيمة الجدران العالية إذا كان القبر ينتظر الجميع؟" ترك المدينة خلفه، وبدأ رحلة طويلة يبحث فيها عن سر الحياة الخالدة. عبر الصحارى والجبال…

· 4 د
سحابة صيف
ثقافة عربية

سحابة صيف

أغمض عينيه قليلًا في شبه إغفاءة، وقد أسند رأسه المثقل بالهموم إلى جذع النخلة. غاب للحظات قبل أن يعاود النظر إلى الفضاء المشتعل أمامه؛ فمنذ وعى للحياة وهو يقضي سحابة نهاره في الغيط. كانت شمس الظهيرة في ذلك اليوم تعض بأنيابها الحداد كل شيء تصل إليه، فبدت الطبيعة مجلوة في هزال، هامدة في خضوع مذل،…

· 4 د