بعد موت أنكيدو، صديق عمره ورفيق مغامراته، جلس جلجامش في قصره ينظر إلى العرش الكبير ويشعر أنه أصغر من ذرة غبار.
قال لنفسه:
"ما قيمة الملك إذا كان صاحبه سيموت؟ وما قيمة الجدران العالية إذا كان القبر ينتظر الجميع؟"
ترك المدينة خلفه، وبدأ رحلة طويلة يبحث فيها عن سر الحياة الخالدة. عبر الصحارى والجبال والبحار، وسأل الحكماء والرعاة والغرباء، حتى وصل إلى رجل عجوز يعيش عند نهاية العالم.
نظر العجوز إلى جلجامش وقال:
"لقد بحثت عن الخلود في المكان الخطأ. البشر يظنون أن الخلود قصر لا ينتهي، لكنه أحيانا يكون عشبة صغيرة تختبئ تحت حجر."
ثم دله على عشبة عجيبة تمنح صاحبها حياة لا تنتهي.
حمل جلجامش العشبة وعاد إلى مملكته فرحا. لم يحتفظ بها لنفسه، بل جمع أهل بابل وقال:
"لقد عثرت على ما بحث عنه البشر منذ بداية الزمن. من اليوم لن يموت أحد."
صفق الناس طويلا، ونصبوا تمثالا جديدا لجلجامش كتبوا عليه:
"الرجل الذي هزم الموت."
ومرت الأيام.
في البداية كانت المملكة سعيدة. لم تعد هناك جنازات، ولم تعد الأمهات يبكين أبناءهن، ولم يعد أحد يخاف من النهاية.
لكن بعد سنوات قليلة بدأ الناس يلاحظون أن هناك مشكلة صغيرة.
والصغيرة عند البشر تكبر بسرعة.
كان جلجامش يمشي في السوق، فاقترب منه رجل عجوز وقال:
"يا ملكنا العظيم، لدي طلب بسيط. أعد لي الموت."
ضحك جلجامش وقال:
"كيف تطلب شيئا هرب منه الجميع؟"
قال الرجل:
"لأنني عشت مئة وخمسين عاما، ثم عشت مئة أخرى، ثم نسيت كم عمري. لقد تعبت من رؤية الأحفاد يصبحون شيوخا، ومن سماع القصص نفسها كل صباح."
ثم جاءه رجل آخر وقال:
"يا ملكي، لدي مشكلة أكبر. لقد مات أنكيدو منذ زمن طويل، وأنت وعدتنا بالحياة الأبدية، لكنك لم تعد تستطيع لقاءه. نحن نعيش إلى الأبد، لكننا نفقد الذين نحبهم إلى الأبد أيضا."
صمت جلجامش.
وفي تلك الليلة خرج وحده إلى قبر أنكيدو. جلس أمام التراب الذي يضم صديقه، ووضع يده على شاهدة القبر وهمس:
"يا صديقي، من أجل ألا أموت، فقدتك إلى الأبد. لو مت مثلك، لالتقينا مرة أخرى في عالم الآلهة، أما الآن فقد أصبحت سجينا في حياة لا تنتهي."
لم يجبه أحد. كان الصمت أثقل من الصخور التي شيدت بها أسوار بابل، وشعر لأول مرة أن الخلود قد يكون سجنا لا باب له.
لقد فهم أن الموت كان يأخذ الناس، لكنه كان يحفظ قيمة اللقاء. فالحياة التي لا تنتهي تجعل الفراق دائما.
ثم ظهرت مشكلة أخرى.
لم يعد هناك مكان في بابل.
فالناس لا يموتون، لكن الأطفال يولدون كل يوم. أصبحت البيوت فوق بعضها، والشوارع أضيق من أحلام أصحابها.
ولم يكن الازدحام وحده هو المشكلة.
فقد بدأ شيء خفي يتسلل إلى أرواح الناس.
دخل جلجامش يوما إلى مرسم أشهر رسام في بابل، فرآه جالسا أمام لوحة بيضاء منذ سنوات، والفرشاة لا تزال في يده.
سأله:
"لماذا لا ترسم؟"
أجاب الرسام مبتسما ببرود:
"إلى أين العجلة يا مولاي؟ أمامي ألف عام، ثم ألف أخرى. سأرسم غدا... أو بعد مئة سنة."
ثم زار أشهر الموسيقيين، فوجده يعيد اللحن نفسه الذي ألفه قبل قرنين.
قال له:
"أما وجدت لحنا جديدا؟"
فقال:
"كل الألحان تؤجل حين يصبح الزمن بلا نهاية. الإبداع يولد لأنه يخشى أن يسبقه الموت، أما نحن فلا يسبقنا شيء."
عندها أدرك جلجامش أن الخلود لم يسرق من الناس أعمارهم، بل سرق منهم استعجال الحلم، وأن الأعمال العظيمة لا يخلقها الزمن الطويل، بل يخلقها الزمن المحدود.
صار الرجل يتزوج ثم يتزوج ثم يتزوج، لأن الحياة طويلة ولا يوجد خوف من النهاية. وصار بعض الأزواج يقولون:
"كنا نطلب الخلود، ولم نفكر في عدد السنوات التي سنقضيها مع بعضنا."
أما الأشرار فقد وجدوا أنفسهم في وضع مريح جدا. كانوا يرتكبون الجرائم ولا يخافون العقاب الأخير.
قال أحد اللصوص:
"سابقا كان الناس يخافون الموت، أما الآن فلا يوجد شيء اسمه نهاية."
وبدأت بابل تعرف نوعا جديدا من المشاكل. لم يعد الناس يخافون من الموت، بل صاروا يخافون من عدم وجوده.
حتى المرضى الذين لا يشفى مرضهم صاروا يطلبون الرحمة.
قال أحدهم:
"كنت أخاف من الموت، أما الآن فأنا أخاف من غيابه."
عندها عرف جلجامش أن انتصاره كان ناقصا.
تذكر عشتار، الإلهة التي خاصمها في الماضي. ذهب إليها وقال:
"لقد أخطأت. ظننت أن الموت عدو، لكنه ربما كان جزءا من حكمة الحياة."
نظرت إليه عشتار وقالت:
"أخيرا فهمت ما لم يفهمه الملوك. البشر لا يحتاجون إلى حياة بلا نهاية، بل يحتاجون إلى حياة لها معنى."
توسطت عشتار لدى مجلس الآلهة، وبعد نقاش طويل قال أحد الآلهة:
"نعيد للموت مكانه، لكن نجعل البشر يرونه كما هو: راحة بعد التعب، لا عقابا."
عادت خاصية الموت إلى بابل.
في اليوم الأول، ماتت امرأة عجوز كانت أكبر سكان المملكة.
تجمع الناس حول بيتها، لكنهم لم يبكوا كما كان يحدث في الماضي.
جاء الأطفال يحملون الزهور، وعزفت الموسيقى، وصنع الناس الطعام.
سأل أحد الغرباء:
"هل يحتفلون بموتها؟"
قال أحد أهل بابل:
"لا، نحن نحتفل لأنها استطاعت أخيرا أن ترتاح."
وقف جلجامش بعيدا ينظر إلى المدينة.
لم يعد ملك الخلود.
لكنه صار ملك الحكمة.
فقد عرف أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعيش إلى الأبد، بل يحتاج أن يعيش حياة تستحق أن يتذكرها قبل أن يرحل.







التعليقات