انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

القصاص

ريم محمد
ريم محمد

قاصة وأديبة سورية

2 دقائق للقراءة
4 مشاهدة
القصاص
مشاركة:

يا إلهي أكادُ أُجنّ وأنا أتلمّس بشرتي التي غدت بلا لون، وأشاهدُ عينيّ اللتين كانتا بنيتين البارحة، كيف قد هربَ اللّون منهما بالكامل؟!

لابدّ أن أتفقّد أطفالي؛ هرعتُ مسرعةً نحوهم، هبطتُ الدّرجات القليلة الموصلة لغرفهم، نظرتُ في وجه الصّبيين،  كانا بلا لون، تماماً كانعكاس مسلسلٍ قديم عُرض في الستّينات، على الرّغم من أن طوليهما قد ازداد بشكلٍ مريبٍ فعلاً…

اصطدمتُ بزوجي الذي كان خارجاً من الحمّام، باهتاً كورقة خريفيّة، لكن لاحظتُ طولهُ الفارع وأنا ألتصقُ بخاصرته، وضعتُ كفّي على جبيني، وهرعتُ باكيةً ناحية غرفة البنات لتفقدهما، لم أجدهما في أسرّتهما، بدأتُ بالصُراخ، ثم تذكّرتُ أني نهرتهما مساءً عندما كانتا تطالبان والدهما بزيادةِ مصروفيهما اقتداءً بأخوتهم، وكيفَ أنني عاقبتهما وهدّدتهما بتقليل المصروف أكثر، بل وحرمانهما من التّعليم لأوفّر المزيد لإخوانهما إن استمرّتا بذلك، فنظرتا ناحيتي نظراتٍ دامعة، وناحية والدهما الصّامت العابس ثم همهمتا فيما بينهما بلغةٍ لم أفهمها*، وانسحبتا مطأطأتي رأسيهما، شعرتُ بالأسى عند ذلك، وخفتُ أن يثورَ والدهما وأشقّاؤهما، لذا أوهمتهما بأنّهما مخطئتين بطلبهما ذاك…

ماذا حصل بعد ذلك؟

أين ذهبتا؟

بحثتُ في الخزانة، وتحت السرير وخلف الستائر لم أجدهما، كان الفضاء اللالوني يمتدّ كمرضٍ يستشري سبّب لي الحكاك.

جلستُ عاجزةً على كرسيّ بجانب سرير إحداهما، لم أجدْ تفسيراً منطقياً لما يجري!…

هل من المعقول أنّ العصبونات البصريّة قد فقدت عملها وهويّتها وفي طريقها للعمى الكامل كما أخبرنا مختار قريتنا؟!

 لا… لا يستحيلُ ذلك.

 وجدتُ مِحبرةً فيها مزيجٌ كبيرٌ من الألوان مخفيّةً بمهارة تحت غطاءِ طاولةِ الكتب الخاصّة بالبنات، لكن لم أتجرّأ على الاقتراب منها مخافة أن أفقد رؤية ذلك اللون الذي فرحتُ برؤيته أيّما فرحة، مع أن ذلك لم يبدّد قلقي ولم يفسّر مايحدث بعد!

فجارتنا أم خالد، فقدت الألوان أيضاً عقب زفاف ابنتها من جارهم العجوز الذي ترمّل منذ فترة قصيرة، والمسكينة أم أحمد فقدت الألوان عندما زوّجت ابنتها الكبرى من ذلك المسافر الثريّ الذي عندهُ من الزّوجات ثلاث وكلّهن أكبر من الأم و…و…

لابد أن لأبنتيّ علاقة بالألوان، لكنّي لم أزوّجهما، ولم أمنع عنهما الدراسة!

 فقط، فقط...

أين أنتنّ يافتيات، صرختُ بأعلى صوت، أنادي عليهما…

خرجتا من الكوّة الصّغيرة المخصّصة لألعابهما و بيديهما ريشتا كتابة والعديد من الأوراق وعلى وجهيهما الكثير من الألوان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*بلغة لم أفهمها:

"لغة النوشو" وهي واحدة من اندر وأغرب اللغات في العالم، ظهرت كوسيلة تواصل سرية بين النساء في الصين قديما في منطقة جيانج يونج بمقاطعة هونان كرد فعل على القيود التي كانت تستعمل ضد النساء.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٤٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مشاعر بُتِرَت
ثقافة عربية

مشاعر بُتِرَت

فاطِما خضر شاعرة وأديبة سورية عيناكَ مطرٌ يدُكَ ارتعاشُ طيرٍ صدرُكَ بركانٌ ملجومٌ في قلبِك برقٌ ورَعدٌ بينما يقولُ أحدُهم «كنتُ أمزح» . ككلِّ الأطفال كنت أعدُّ النّجومَ قبل النَّوم . كبرتُ.. استبدلتُ بها عدَّ شظايا قلبي التي لم تؤذِ يومًا أحدًا حتَّى الأحباب الذين داسوا عليها! . حتَّى البلاد التي…

· 1 د
تميمة عشق
ثقافة عربية

تميمة عشق

| شاعرة وأديبة | سودانية "الله لو تعرف كم هو مرهق البحث عنك.." وبحثت عنك.. في رحلتي عبر الطريق من الجحيم إلى الجحيم.. فتشت عنك ولم أجد.. إلا المرارة والجراح.. وما تبقى من حطام صبيةٍ.. تقتات من صبر الهموم.. ولذة الفرح الأليم.. وبحثت عنك.. وكنت يوماً قد دسستك.. خلف باب القلب خوفاً أن يروك.. وعليك…

· 1 د
جام الوجع
ثقافة عربية

جام الوجع

لا تحدِّثني بحقِّ اللهِ عن وطنٍ أصمٍّ أبكمَ أعورَ وطنٌ يمنحُ كنوزَه لفردٍ نصَّبَ نفسَهُ رباًّ والشعبُ عبيدٌ لا تحدٍّثني عن وطنٍ حرائرُه تأكلُ بالنهودِ القيودُ والسجونُ تنتظرُ كلَّ من يندِّدُ بالسرِّ والمجاهرُ مفقودٌ لا تحدِّثني عن وطنٍ الكلُّ فية مغلوبٌ مسلوبٌ لم يبقَ له شيءٌ غير الهواءِ فهراءٌ إن…

· 1 د