الجو ساخن؟ في هذا الوقت من العام على الأقل. ثمَّة أشجار بأوراقٍ هائلة الحجم وبراعم تستعد للإزهار. وثمة رائحة عفن خفيفة أيضًا. أو تحلل.
برقية من الوطن؟ كانت موجودة في غرفة الفندق. مع ذلك، جلستُ في أحد مقاهي الرصيف وقرأتها كلمة كلمة. لم أكد أصدق ما قرأت. لا شيء يوازي غرابة الواقع.
جدتي، أم أبي، ربما كانت معي لفترة من الزمن قبل أن أنتبه لوجودها.
ابتسامتها تشقّق وجهها. جلدها الشاحب المستقر داخل عش من التجاعيد الدقيقة الناعمة يشبه خلفية مجزّعة من صحون البورسلين القديمة، أو صحراء تذرو الرياح رمالها في غبش الفجر البارد، وتترك عليه ظلال تموجات ناعمة من السطوح الحية المتحركة.
في البدء لم أفهْ بشيء. ودعكتُ الرصيف فقط، بطرف حذائي.
"هل تتذكرين متى؟ عندما جلسنا تحت أشجار القيقب نتشمم عطر الورد؟ وعندما جدفنا بالقارب فوق المياه الضحلة لاقتناص السمك المفلطح بالرمح حيث قلنا إن النور يشبه لون القاع الرملي؟"
"أتذكر حرقة عينيَّ عندما حاولتُ إخبارك بكل شيء عن شكل النور وكيف كان يبدو من قلب القاع البحري عندما تمددتُ هناك ورحت أتطلع إلى السماء عبر ستة أقدام من المياه وعيناي مفتوحتان عن آخرهما بسبب ملوحة الوخز المائي الذي يسببه النور."
"لماذا لم تخبريني؟"
"كنتُ أخشى أنكِ ستمنعينني من ذلك."
"وهل كان ذلك سيردعكِ فعلًا؟"
"لا، وإنما كان بإمكانه أن يجعلني أشعر بالذنب أو الاضطراب وأنا أحاول اسكتشاف قدرتي على التمدد داخل القاع بتلك الطريقة دون أن أفقد الوعي."
"كم كان بإمكانكِ الصمود؟"
"لم يكن ثمَّة أحد معي لكي يضبط لي التوقيت. لكني كنتُ أعي تمامًا بأني كنتُ وحدي هناك داخل القاع منذ اللحظة التي فكرتُ فيها بأن رئتيَّ سوف تنفجران، حتى اللحظة التي فقدتُ فيها الوعي كليًا."
"هل توقفتِ عن فعل أشياء كهذه؟"
"كما تقولين بالضبط، نعم."
"هل ترغبين في الحديث عن البرقية؟"
"هل هذا الشيء أكثر أهمية بالنسبة لكِ؟"
"كان ثمة ثلاث غرف كبيرة تشغلها شخوص روحانية هائلة الأحجام، وبوميرانغات* وجداريات مصنوعة من نسيج الأحلام والأساطير. مبدعوها يتحدرون من صلب السكان الأصليين. كان اسم المعرض (زمن الحلم). يقولون إن أسلافهم يزورونهم في الأحلام، وبأنَّ كل واحد منهم يكتشف ذاته في هذه الأحلام، ومن ذلك الاكتشاف ينشأ الفن. ينحتون أحلامهم من جذوع الأشجار ويزينونها بأصباغ طبيعية برّاقة ونقاط حمراء وخطوط سوداء، على سبيل المثال. من النظرة الأولى وجدتُ المعرض مقلقًا. وبعد برهة وجيزة انتابني إحساس بالسلام والجبروت. لا بل حتى بالعدل والانتقام. كان دليل المعرض يصف المعروضات بأنها فن بدائي، ويقول أيضًا إن من المحتمل جدًا أن يكون الشكل الفني قد مر بعملية تطوير مستمرة عبر التاريخ الطويل لأهل البلاد الأصليين. لا أحد يعلم كم من الوقت استغرقت تلك العملية. لقد تحدثتْ معي هذه الأرواح الساكنة في المنحوتات الخشبية وشاطرتني تعليقًا حول مشكلتي الداخلية الأعمق، مشكلتي الأشد حدة."
"التلغراف؟ الكلمات: توفيت بغتة."
"بعد جمعها معًا صارت المنحوتات الخشبية تشبه جيشًا مخيفًا بوجوه مدهونة بطلاء الحرب وقد يكون هو ذلك المغزى على وجه التحديد. إلا أن الشخص الواقف لوحده في الزاوية كان يوحي بانطباع أقوى. كان يحمل (بوميرانغًا)* بيد وبالأخرى كان يشير بخط مستقيم إلى الأمام. كان وجهه بنفس حجم جسده تقريبًا. خداه ببياض الطباشير، وصدره مغطى بنقاط حمراء غير متماثلة."
نظرتْ إليَّ جدتي لبرهة من الزمن، وقالت أخيرًا، "الموت والأحلام بالنسبة للأحياء ليس لهما أي ماهية. لذلك ينصبون التماثيل."
"كان البوميرانغ بزخارفه يبدو عدوانيًا تقريبًا. إنه قذيفة مبتكرة لا نملك ما يماثلها في ثقافتنا."
"يحتاج ليد واثقة."
"لم أكن بارعة في الرمي أبدًا. لم أتدرب. كنتُ عداءة. أنا ذاهبة الآن."
كانت جدتي تساعدني على ترتيب أفكاري، كلما ظهرت لي. لكنها لم تنجح في ذلك كثيرًا هذا اليوم.
كانت أكثرنا سفرًا، لا لأنها زارت أجزاءً أكثر من العالم أو تعرَّفت إلى مدنٍ أكثر، بل لأنَّ رحلاتها كانت أكثر رصانة وحتمية.
"كان ينبغي عليَّ التخلص من البرقية بعد الانتهاء من قراءتها، حتى لا أضطر إلى رؤيتها ثانية عندما أعود. مثل هذه الأشياء ينبغي حسمها قبل أن تُفسد ما تبقى من اليوم."
"ليس هذا الأمر حكيمًا دومًا لأنَّه من الأفضل أحيانًا التقاط الأشياء والنظر إليها مرة أخرى."
"لم أقابله منذ خمس سنين. ظننت أني سأموت قبله."
"لا يموت الناس قبل أوانهم لمجرد أن أحدهم لا يرغب في رؤيتهم إلى حين."
"كان دائمًا ما يمنحني ذلك الانطباع. انطباع الحياة الأبدية على الأرض."
"يكفي هذا الانطباع وحده لكي يشعر المرء بالشيخوخة."
"لقد جمع الكثير من الأشياء. كان يخاف على أشيائه من الضياع. وكان يخشى من أن يأتي أحدهم ويستلبها منه. ويخشى أيضًا من أنه لن يتمكن من الحصول على كل ما يريد الحصول عليه."
"هذه هي الأمور التي تصاحب عادة مسألة الحصول على الثروة بشكل مفاجئ."
"ألم يحصل على ما يكفي عندما كان طفلًا؟"
"ومن يستطيع تحقيق ذلك؟"
"أتذكر عندما أصابتني الحصبة الألمانية أنه وعدني بهدية إذا امتنعتُ عن البكاء. لكني بكيت."
"في نهاية الأمر، ليس ثمة شيء سوى مراسيم الحداد التي ينبغي للمرء أن يبتَّ في أمرها. إنَّه توقع غير أكيد."
"هل أعود إلى البيت وأتظاهر وكأن شيئًا لم يكن؟ فقط لأن الجميع سوف يتساءلون عن سبب عدم حضوري؟ سيكون الأمر محض نفاق."
"لقد حضرتُ الكثير من المآتم التي كان الشخص الوحيد غير المنافق فيها هو الميت نفسه. ثمة مراسيم. والناس تمارس التحفظ. إنهم ينطقون بعبارات العزاء ويبكون كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. والأكثر شجاعة منهم هو من يقول (أنتم السابقون ونحن اللاحقون). ثمة نظام معين يحكم المسألة برمتها."
"لا أستطيع فعل ذلك."
"أنتِ لم تحضري مراسيم دفني حتى."
"كان ذلك شيئًا آخر مختلفًا. كنتُ ممزقة. في مقتبل العمر ... وخائفة."
"أعتقد أن السبب الحقيقي هو أنكِ كنتِ مثل أبيكِ عندما كان في تلك السن."
"لكني رسمت لكِ صورة! الصورة الأولى التي أعترفُ بها كعمل فني."
"تقصدين تلك التي علقتْها أمكِ في مأتمي لأنكِ لم تحضري. آه نعم، شكرًا لكِ. ثمة شيء لا أحبه في الأشخاص الذين لا يزالون على قيد الحياة... "
"تقصدين لأنهم لا يحضرون المآتم؟"
"كلا، بل رائحة التفسخ هذه."
"هل تقصدين بأننا نحن الأحياء تفوح منا رائحة التفسخ والعفن؟"
"ليست لدي مشكلة في ذلك أنا نفسي، لقد تخلصت من تلك الرائحة."
تحدثتْ جدتي بالنبرة نفسها التي كانت تخاطب بها نباتاتها المنزلية. كانت تقول لها قبل أن ترحل، "مرحى يا صويحباتي، يبدو أنكن على وشك الرحيل."
ظلت حركة السير تهدر بلا انقطاع وبدأ الهدير يضايقني. دفعتُ ثمن نبيذي وتهيأت للمغادرة. وفجأة لمحت الرجل يقف هناك على الجانب الآخر من الشارع. شاهدته في اللحظة التي رفعتُ بها كأسي لأرتشف منه. لو كنتُ قد أسقطتُ شيئًا على الطوار، على سبيل المثال، وانحنيت لكي ألتقطه، لما كنت قد لمحته.
كان وجهه ضخمًا. عيناه وجميع ملامحه متضخمة. جسده فقط كان ملحقًا بها. كان يبدو كهيئة مهملة في أقصى الخلفية إلى جانب عمود كهرباء في مدينة ما.
كان نور المرور الأحمر قد توهج للتو. وهدرتْ حركة السير في تيار متداخل. لم أستطع، بسبب تقاطر السيارات، التقاط شيء من ملامح الرجل سوى ومضات قصيرة متسارعة بين سيارة وأخرى داخل السيل المروري العارم.
ثم حدث ما حدث. ورفع كلتا يديه وفتح فمه ليصرخ بشيء ما. هل كان يقصدني؟

حتى لو كان صوته قد غرق داخل لجة الضجيج، لكان يومي قد بدا جيدًا تقريبًا. وبشعور مباغت من التحفز شرعت أخطط لما كان ينبغي عليَّ قوله في حال تمكن من عبور الشارع.
"أليس هذا يومًا جميلًا حقًا؟ إنه الربيع!"
رفعت ذراعي وبدأت ألوح.
الدهس! كان عنيفًا، وناعمًا في الوقت نفسه.
ثم، طار في الهواء على حين غرة وحطَّ على غطاء محرك إحدى السيارات. وفي اللحظة التالية طار من جديد بذراعين مفتوحتين فوق سيارة أخرى عابرة. وللحظة حلّق بتقوس رشيق ثم استقر على الزجاج الأمامي لسيارة ثالثة تحولت في الحال إلى حفلة صاخبة من النيازك الناعمة.
مقدمات سيارات ومصابيح أمامية مهشمة. بدا الأمر وكأن جميع محتويات الخزانات في مطبخ ما تسقط أرضًا دفعة واحدة.
بعد ذلك حلَّ الصمت. كم من الوقت استغرق ذلك؟
تناثرت أجزاء السيارة هناك، وتوهجت مثل قواقع تركها الموج تحت لمع الشمس على شاطئ مهجور. طفرت عملتان نقديتان معدنيتان، وراحتا تتدحرجان في اتجاهين مختلفين فوق الأسفلت وغمزتا لي قبل أن تختفيا داخل غمامة من العوادم العفنة.
ثم شرع الهواء يصفو بالتدريج. كان ثمة لافتة على الرصيف المقابل تعلن عن بيع ثلاثة أزواج من الجوارب بسعر زوجين.
كان الناس قد شرعوا يتدفقون من بين السيارات بحركات راعشة، راجفة. فتحوا النوافذ والأبواب. جاؤوا من الأرصفة والبيوت. من أين جاؤوا؟ هل كانوا يكمنون في الانتظار في مكان ما؟ مفعمين بتوقع ما حدث؟
تيار متدفق من الأذرع، والشعور والثياب. الأفواه كانت تنفتح وتنغلق، مثل أفواه السمك في الأحواض. بحركة إيقاعية تجاه الكتلة المتكومة في القذارة. بحركات بطيئة كما يحدث في الأفلام عندما تُعرَض بالتصوير البطيء. أو كما في الأحلام؟ مهشَّمين؟ هل كان الأمر يجري على هذه الشاكلة؟ في يوم ما بغتة: مهشَّمين.
تمدد على بطنه. لقد بدا وكأن كل شيء كان عبارة عن سوء فهم. كما لو أنَّه تلقى دفعة صغيرة من الخلف، للمزاح فقط. لقد بدا في حالة من السلام تقريبًا.
يده اليمنى كانت تستقر فوق قشر موز. ذراعه كانت ملتوية بشكل غريب، وغارقة في حمرة باهرة. إحدى قدميه كانت ممدودة إلى الخلف بزاوية لم تكن قد تمددت فيها من قبل.
على بعد عدة أقدام من طاولتي يفترش الأرض ما كان قبل لحظة زوجين من الكؤوس.
كنت أريد النهوض من على كرسيي لالتقاطهما. على الأقل لأسند نفسي على الطاولة، لكي أشرع بطريقة أو بأخرى بالحركة. لكن الأمر بدا بلا جدوى.
كانت الشرطة وسيارات الإسعاف في طريقهما إلى المكان. صفارات إنذار داخل هالات زرق. سيارات شُغّلت محركاتها وتنحت عن الطريق. أصوات. صرخات.
توقفت سيارة الإسعاف على الرصيف على بعد خطوات قليلة من جلستي، وترجَّل منها أربعة رجال. اثنان منهما قاما بأداء نوع من رقصة إيقاعية سريعة وهما يقذفان بالنقالة في الهواء كما لو كانت ظرف رسائل مطويًا.
جلستُ في أحد المسارح وشاهدت فيلم أماديوس على شاشة كبيرة. عن كثب. مسيرة بطيئة من الناس تحركت في الوقت المناسب لسماع قداس الموت لموزارت. يتدفقون من مكان ما من الجهة اليسرى للشاشة. مثل نهر. باتجاه اليمين. دائمًا من اليسار إلى اليمين.
تدفق الناس خارج الإطار. الأذرع والأرجل كانت مثل مجسّات بائسة سابحة في نور الشمس. لا بل في نور المصباح اليدوي. بالطبع كان الوقت ليلًا. ومصابيح يدوية. الظلال تراقصت. المؤلف الموسيقي المُحتَضِر نهض وهبط، كما لو كان يحاول العوم في مياه لاسعة.
وفوق الجميع، كانت الموسيقى تعلو.
جاؤوا معه مكللين بالنصر. أذرع قوية كانت في الانتظار، وأبواب سيارة الإسعاف شُرّعت.
لقد غطوه. وجهه كان الشيء الوحيد المكشوف منه. ينام نومة هانئة. موصد بوجه كل شيء.
لكنه رطب، حبيبات حمراء بمختلف الحجوم كانت تنزل بطريقة إيقاعية على الرصيف. الأطراف الراقدة على السطح حاولت أن تصنع ما يشبه الحوض، لكن المحتويات أصبحت أشد كثافة. ارتجفت القطرات للحظة قبل أن تلتحم مع بعضها البعض وتشرع بالسيلان نحو قدمي.
حمرة تزحف باتجاه رصيف حجري بغبرة الفولاذ. حمرة تزحف باتجاه وصل مبيعات نصف زجاجة من النبيذ، أطارتها الريح. حمرة تزحف باتجاه جلد أسود.
حمرة سالت نحو مزراب الشارع كما ألوان مائية خَضِلة.
سحبني شرطي من كرسيّ. دفع الطاولة وكل شيء بعيدًا فوق الرصيف لخلق حيز أكبر، وفي نفس الوقت لمنع المتطفلين من التجمهر.
وضعوا مرقأة وبرموها برمًا شديدًا حول قدم الرجل. أو ذراعه؟ لكنها رغم ذلك ظلت تنزّ حمرة طازجة. لو أنها كانت تنزّ بانتظام طوال الوقت، منذ وضعها هناك، فلا بد أن تكون عدة غالونات قد تبددت.
كم غالونًا من الدم يوجد في جسم الإنسان؟ لم أعد أعرف. إنه واحد من تلك الأمور التي لا أعتقد أني بحاجة إلى تذكرها. كان من مسؤوليتي الآن أن أعرف كم من الدم يحتاج الإنسان البالغ لكي يحفظ موقعه على أرض الواقع.
كانت جدتي ما تزال هناك: "لقد قرر الإسراع بتفسخه."
"قرر؟ إنه لم يقرر أي شيء. لقد لوحت له بيدي. لقد أغويت الرجل بعبور الشارع عند ائتلاق الإشارة الحمراء!"
"ها أنتِ تبالغين في أهميتكِ الشخصية. بغض النظر عن قيمة هذه الأهمية."
فورات الغضب غالبًا ما تدفعني إلى التحرك. أو ربما هو نزوعي الطبيعي إلى الهستيريا الذي جعلني أمسك بذراع أحد الرجال من ذوي الأردية البيضاء والقول بلغة أجنبية، "أنا صديقته؛ علي الذهاب معه!"
لم يفهم في الحال، لذلك أعدت عليه القول، بسرعة شديدة ولهوجة لا مزيد عليها. وأخيرًا هزَّ رأسه، ودفع بي إلى المقعد الأمامي.
"لقد وضعتِ الآن نفسكِ في مأزق. لكن قد يكون هذا هو المطلوب؟ كان ينبغي لكِ أن تجلسي وتنتظري ظهور شريط أسماء الممثلين وصانعي الفيلم على الشاشة وإضاءة الأنوار من جديد. دوركِ انتهى بالتأكيد، مهما يكن من أمر."
فتحتُ النافذة وتركتُ المرأة العجوز تتحلل في مكان ما في الخارج. ثم تنفستُ بعمق. منهكة. راودتني ذكرى غير سارّة لرصاص يُذاب فوق موقد مطبخ أسود.
رصاص؟ كنت في التاسعة من العمر، وكنت أصنع مراسي لقواربي. وكان قالب المرسى يُصب في نصف حبة بطاطا نيئة. تصدر الكتلة الساخنة المتوهجة هسيسًا عندما تُدلَق. وتئن قطعة البطاطا وتنكمش حواليَّ المنطقة المحفورة. وأفهم بغتة بأنَّ البطاطا تنتمي إلى صنف الكائنات الحية أيضًا. مقسومة إلى نصفين وموشومة بفراغ كهفي.
رائحة الرصاص. نفس الطعم في فمي عندما عدوت بما يفوق قدرتي على التحمل. الدم؟
كانت الأرضية رقعة شطرنج. ودفعوا بي إلى أحد الكراسي عند الحافة. جميع القطع التي تحركت على الرقعة كانت بيضاء. نحن الموجودين على الحافة كنا كتلة لونية غبراء وساكنة تقريبًا.
كان الممر يُدوّي فيه صدىً غريب جعلني أشعر وكأني جزء صغير من كل، جزء يمكن إهماله. بالأحرى شعرت وكأني لم أكُ أبدًا سوى جزء يسير من صدى أحد ما.
جلستُ على صندوق عند رصيف صيد السمك.
حتى لو استمر الماء القارس يتدفق دون انقطاع فوق أيادٍ سريعة الحركة، ويطرطش على الأرضية الإسمنتية؛ حتى لو استمرت خراطيم المياه تدفع الأحشاء والفضلات والدم بعيدًا؛ حتى لو نُظفت الأحواض من الأملاح؛ حتى لو قُلبتْ أحجار الجلخ وعربات النقل اليدوية وصُبغتْ الأحواض بطلاء أبيض؛ حتى لو أحاط الجميع أنفسهم بمآزر من المُشَمَّع وكانت وجوههم بيضاء شاحبة وسكاكينهم تلمع تحت أقنعتهم – لا يمكن للأنف أن يُخطئ رائحة التفسخ.
التحلل يسابق الإنسانية.
القعقعة المتواصلة للخطاطيف، والرافعات، والعجلات والسكاكين كانت تدفع بكل شيء إلى الأمام، ساعة بعد ساعة، عبر عطن الماء المالح والعرق والدم الذي لم يتخثر بعد.
انتبهتُ إلى أني كنت أحدِّق بالباب الدوّار الموجود أمامي مباشرة. الأطباء والممرضون والممرضات كانوا يدخلون ويخرجون. كانت حركاتهم تتجه إلينا نحن الجالسين بانتظار مصائرنا.
بعد ذلك تلاشوا ووجوههم تحمل نفس التعبير مثل وجه أمين مكتبة انتهى للتو من وضع كتاب ما في مكانه الصحيح على الرف.
"لماذا يحلو لأحدهم أن يقرر أن هذا الممر سيكون رقعة شطرنج؟ كم من العقول المنحرفة يحلو لها أن تقرر أي المراحل والوضعيات التي ينبغي للعالم أن يكون عليها؟"
"أنتِ الآن تبالغين. عندما صبّوا هذه الأرضية لم يكونوا يعلمون بأن كدس المربعات الذي صبوه عليها يمكن أن يجعل الناس تشعر كما لو أنهم على وشك الإصابة بالجنون."
"هل تعتقدين بأنَّ الرجل كان يعلم بموته قبل أن يغادر أرض الوطن؟"
"ممكن. أو لعله كان ينوي استخدام الدقائق الأخيرة المتبقية لديه لكي ينحي باللائمة على أحدهم، لأنه كان مريضًا."
"لكن الغفران، يا جدتي. ماذا لو أنَّه أطلق النداء ولا من مجيب؟"
"في هذه الحالة سيكون أوانه قد فات."
"فات..."
"نعم، كلٌّ منا يجب أن يتأكد من أن أوانه لم يفت بعد. هذا هو سبب وجودنا."
"ماذا شعرتِ عندما أحسستِ بأنكِ قريبة من النهاية؟"
"آه، شعرت برغبة في الخروج إلى ليل الربيع كي أشم عبير الأوراق الجديدة، للمرة الأخيرة. لكني كنتُ أنضجُ من أن أعترف أيضًا بأني قد تجاهلت في حياتي بعضًا من فصول الربيع. لكني أنجزت بعض المسائل – في وقتها."
"هل أصابني مس من الجنون حتى صرتُ أتبع رجلًا لا أعرفه إلى هذا المكان؟"
"ربما كان لديكِ مبررٌ معقول."
تقدمت مني إحداهن بمريلة بيضاء ورطنت معي بهدوء. لم أفهم منها سوى النزر اليسير. وأخيرًا سحبتني من كرسيّ وقادتني بعيدًا عن مكان جلوسي.
كنتُ مثل دمية قماش لا حول لها ولا قوة. دمية خرجت للتو من خابية الطفولة إلى رقعة الشطرنج. اتكأتُ على ذراع المرأة ذات الرداء الأبيض وحاولت أن أكسب ودها من خلال دغدغة خدها بشعري المغزول.
دمية القماش لها ثقوب في رأسها ويداها القماشيتان متسختان وتتأرجحان هنا وهناك دون إرادة منها تقريبًا. على جسدها علامات واضحة تركتها هناك أيادٍ قاسية كانت تقذف بها إلى الزوايا.
أجلسوني على كرسي أمام طاولة ورفعوا أمام شفتي قدح ماء دافئ.
صوتٌ متقطع حاول أن يوحي لي بأن زوجي كان قد تعرض إلى إصابة بليغة، ولم يسترد وعيه بعد، ومن المحتمل جدًا أن تتعافى شرايينه المحيطية وكسوره الكثيرة البالغة الخطورة. لكن المشكلة كانت تكمن في رأسه.
"لكن رأسه لم يُصب بأذى."
"يبدو أنه أُصيب،" قالت المرأة ذات الرداء الأبيض وهي تنظر إلى ساعتها على نحو عرضي.
ثم بدأ كل شيء بعد أن وضعوني داخل حُجيرة زجاجية وطلبوا مني تعبئة استمارة.
"لا أستطيع أن أفعل ذلك. لا أستطيع فهم الاستمارات حتى بلغتي الأم."
"حسنًا، لقد فات الأوان على عدم الفهم."
إذن عليَّ الآن إجراء الفحوصات النهائية. الخضوع لاختبار يتعلق بسيرة حياة شخص لا أعرفه، شخص أغويته بكل استهتار وحملته على عبور الشارع حتى انتهى به الأمر تحت عجلات سيارة. جريمة مزدوجة.
كان عليَّ أن أدوّن اسمًا، وتاريخ ميلاد، بالإضافة إلى أشياء أخرى كثيرة داخل عدة فراغات.
أحنيتُ رأسي، أتصببُ عرقًا، والصوت المعدني للمرأة المكلفة بإجراء الفحوصات لي يطرق أسماعي: "لقد فشلتِ."
لا أحد يستطيع مساعدتي على تدوين التفاصيل الشخصية للرجل. لقد تركَ نفسه يُدهس هكذا دون أوراق ثبوتية.
لقد فهموا أن المرأة المكلفة بإجراء الفحوصات كانت بلا فائدة. وظهرت امرأة أخرى حاولت إقناعي بالتعاون.
"لن يكون هذا أمرًا سهلًا، حتى الأغبياء يستطيعون تحقيق شيء ما تحت وطأة الضغط."
نبتت في رأسي فكرة. خربشتُ اسمًا ودفعتُ إليهم بالورقة.
"أماديوس ماذا؟" سألت المرأة.
ثم انخرطتُ بالبكاء. لا يمكن تصديق ما يمكن أن يجنيه المرء من البكاء، بشرط ألا يكون الطرف الآخر قد بدأ يشعر فعلًا بالقرف من الدموع، وهذا ما تخطئ النساء في حسابه بعض الأحيان.

هذه المرأة لم تشاهدني أبكي من قبل أو ماذا يمكنني أن أفعل عندما ينفد صبري، ولذلك لم تدرك كم من المشاكل يمكن لي أن أثيرها. لذلك غيّرت تعابير وجهها لتوحي لي بالود والاستعداد لتقديم العون.
جلستُ إلى طاولتي في أول أيام المدرسة وكان أمامي مجموعة من الحروف مكتوبة على مربعات ورقية، ياءات وفاءات وكافات وألفات. ومجموعة كاملة من السينات. وكان مطلوبًا مني جمع هذه الحروف مع بعضها البعض لتكوين كلمة واحدة.
لكني كنت أعرف بأن الكلمة التي سوف أنطقها، مهما كان نوعها، ستكون في نهاية الأمر خاطئة وقد تجعلهم يزجون بي في السجن لأني حاولت تزييف هوية الرجل، ثم ينتهي بي المطاف إلى معتقل يفوح برائحة التفسخ. أستطيع الآن سماع خشخشة المفاتيح المعدنية عندما يأتي الحراس لفتح الباب ويدفعون لي بقطعة خبز يابسة مع ماء في كوب معدني.
"لو غادرتِ الآن واستقللتِ سيارة أجرة لكي تأخذكِ إلى المطار مباشرة، سيكون بوسعكِ الخلاص."
شاهدتُ أمامي وجه الرجل الصقيعي وهو يُحمل بزهو إلى سيارة الإسعاف، تصاحبه مقطوعة قداس الموتى لموزارت. جعلني صقيع وجهه أرتجف من البرد.
"صقيع!"
كتبتُها على الاستمارة: صقيع أماديوس.
وضعوه في إحدى الزوايا تحت علامة مكتوب عليها سرطان، ومنحوه عنوانًا قريبًا من الواقع.
ظننتُ بأنني أنا من فعل ذلك.
لكنهم كانوا يريدون أن يعرفوا أين ترك جواز سفره. وفي أي فندق كان يسكن، إلخ.
"استخدمي هستيريتكِ، يا فتاة!"
انتهى الأمر بحبة دواء ومزيد من الماء الفاتر ثم وضعوا دمية القماش على سرير من أسرّة الأطفال.
بعد ذلك قلت للمساعِدة التي بدا الإرهاق الجسدي والتشتت الذهني واضحًا عليها بسبب ما عانته مني بأنني قد تشاجرت مع زوجي عندما كنا على الطائرة وبأنه غادرني ومشى، حتى رآني ثانية أجلس في مقهى الرصيف ثم عبر الشارع وصدمته السيارة.
أدركتُ لدهشتي بأن الكذب قد أنقذ حياتي – للمرة الثانية - فقدموا لي شطيرة وقهوة مُرَّة في السرير.
"لماذا فعلها يا جدتي؟"
"من السهل ألا ينتبه المرء لحركة السيارات."
"لم تصدم ذلك الرجل أي سيارة قبل أن يغادر أرض الوطن."
"كلا، لأنه كان يريد ذلك أن يحدث للآخرين."
"يبدو أن مآسي الناس لا تؤثر بكِ كثيرًا، يا جدتي."
"لا أريد لفكرة الموت أن تشوش ذهني، رغم أن وقوع الحوادث يمكن أن يكشف لي بعض الأمور."
"إنها سيكولوجيا زائفة،"
"يبدو أنكِ تشبهين أباكِ أكثر مما يجب."
حدقتُ بالجدار عندما سمعت ذلك.
"هو أيضًا كانت لديه عادة معاقبة الآخرين عندما تصبح تصرفاته مستحيلة."
"لماذا تصرين على ذكره أمامي؟ إنه لم يدمر حياتي وحسب بل ..."
"هذا لا يبرر تماهيكِ مع سلوكه السيئ."
"هل تعتقدين بأن عليَّ أن أتعلم الحقد لكي أنجو بنفسي؟"
"الحقد سيستهلك طاقتكِ على المدى البعيد، لأنه بطبيعته لا يترك للمرء وقتًا للتعامل مع أي شيء آخر. ما تحتاجين إلى فعله هو التركيز على شيء قوي جدًا ينسيكِ نفسكِ."
في تلك اللحظة حدث ما حدث لي. انزلقتُ عبر رقعة الشطرنج إلى داخل غرفة المستشفى.
وحالما رأيته، شعرتُ بفراغ المشهد. كنتُ كمن يحدق بشخص آخر معلّب.
كان يبدو وكأنه مجرد شيء ما داخل شرنقة. وكنت أنا عنكبوتًا يكمن في الانتظار؟ إحدى ساقيه كانت مرفوعة باتجاه السقف وذراعه اليمنى ملفوفة بالأربطة ونائمة داخل قالب من الجبس، لكن رأسه بدا سليمًا من الإصابات. كان شعره أسودًا، بخطوط فضية. وجهه ناعم بمسحة خفيفة من الزرقة، وعيناه موصدتان، كما لو كان قد مات بالفعل.
كانوا قد خففوا حدة النور في الغرفة بعناية فائقة وتركوا ضوء مصباح وحيد ينيرها وعندما وصلتُ إلى حافة السرير، شاهدتُ العروق ناتئة في أجفانه.
وقفتُ هناك ورحت أتطلع إلى الرجل الغائب عن الوعي الذي لم يكن قادرًا على إخفاء نفسه كما أتطلع عادة إلى الناس وهم خلف النوافذ حينما أخرج في جولة على الأقدام.
أحيانًا كنتُ أقف في الخارج لأفكر، "سأرسمهم الآن. وجوههم في نصف استدارة، مكرسين حياتهم كلها للنور الأزرق المنبعث من التلفاز، غير منتبهين إلى أنهم تحت المراقبة، مثل أطفال مدللين في سيرك. وجوههم تنعكس عليها التوقعات، والإثارات، والملل، والكآبة، وغياب التعاطف الإنساني. وفي مناسبة نادرة، عندما يؤثر بهم العرض، يغوصون في دواخلهم في لحظة استبطان للسعادة والحزن، وتغطي وجوههم دائمًا نظرة حالمة تكشف أنهم يتابعون مشهد السيرك."
لكني عندما عدتُ إلى البيت وحاولت عمل تخطيطات لمشاهداتي، جاءت التخطيطات مخيبة.
"أحضري دفتر تخطيطاتكِ."
"لا أستطيع."
"بالطبع تستطيعين. هذا سبب وجودكِ هنا."
هل كان ذلك هو الحافز أو الأمر الذي سيحررني من ألم انعدام الشعور بالحزن؟
إحدى يديه كانت ممددة على البطانية. أصابعه طويلة. إبهامه قوي. وحتى وهو راقد بهدوء مسبل العينين، كان يحوم حوله طيف من عدم الارتياح.
جلستُ بجانب السرير.
"بإمكانكِ استخدام قلم الفحم."
مددتُ يدي ولمست أنامله. كانت باردة.
"قد يكون هذا ما سيفعله من أجلي. كان جلده ما يزال يحتفظ بلزوجة دافئة، مثل طفل حديث الولادة. كانت رائحته أيضًا تشبه رائحة رضيع تخالطها مسحة مرارة حادة خفيفة المذاق وطرية أيضًا بعض الشيء.
"تلك رائحة لوحة زيتية لبورتريه يفوح بنفحة عفن مستتر."
طالت لحيته وأحاطت وجهه بإطار أسود، صلب.
تساءلتُ في دخيلتي إن كان قد قرر، وهو يقف أمام المرآة هذا الصباح ليحلق دون علمي، إن كان قد قرر ما سيحدث له؟ لماذا يزعج نفسه بالحلاقة إذن؟
ربما لم يحلق أبدًا. ربما لم تنمُ لحيته بهذه السرعة. قد يكون عمرها أكثر من يوم واحد منذ آخر مرة مرر بها شفرة الحلاقة على جلده وهو يؤدي كل تلك التكشيرات الغبية التي يؤديها الرجال عندما يحلقون.
رفعتُ يدي وبحرص وضعتُ إصبعين فوق خده. كان لخده ملمس شوكي. كوّرتُ كفي على شكل كوب ماء دافئ، وغطيتُ خده بأكمله. ولم أجد، لحد الآن، في فمه ما يُثير تقززي.
الفرق بين شفتيه وبين جلده الملتحي كان يفوق التوقع. وبرفق مسدتُ يده. واعترت أجفانه رعدة خفيفة. قد لا يكون فاقدًا للوعي بشكل كامل كما يظنون.
الشريان الموجود في رقبته كان ينبض. ثمة ارتجافة قلقة تحت جلده. من المحتمل جدًا أنه لا يعي شيئًا.
رغم ذلك، كان الدم الجديد الذي ضخوه له يرقص في عروقه، والدماغ كان لا يزال يُصدر الأوامر.
شعرتُ ببرعم اهتياج ينمو، كنوع من حنين للفرشاة ولوحة الألوان. بغتةً طاف به تغيير ما. أنفاسه المحبوسة، التي كانت حتى تلك اللحظة تنوس بهدوء بين شفتيه، شرعت تخرج الآن على شكل تشنجات متقطعة جعلتْ وجهه ينزّ بقطرات ناضحة من العرق.
ضغطتُ على الجرس طلبًا للمساعدة، شاعرةً وكأني كنت مساعدة تمريض آلية.
فهمتُ بأنهم كانوا يناقشون إمكانية ربطه بجهاز تنفس اصطناعي. لكنه سرعان ما شرع يتنفس بشكل طبيعي.
تطلعوا في وجهي بريبة غير عدوانية، ثم قالوا بأني لا ينبغي لي إزعاجه أو محاولة إيقاظه.
لم أجب.
"أنتِ تعاملينهم بغطرسة وقلة أدب. إنهم يحاولون، على أية حال، إبقاءه على قيد الحياة. ابتسمي لهم قليلًا على الأقل."
"أنا مرهقة."
"لا حاجة بكِ إلى الجلوس هنا واستهلاك طاقتكِ من أجل شخص غريب إن كنتِ لا تهتمين لأمره حقًا."
"ربما كان يشعر بالوحدة مثلي تمامًا."
"الشعور بالوحدة، في الحالة التي هو عليها الآن، أمر لا معنى له. إنه في طريقه إلى الموت."
"اهدئي."
"الموت الجسدي الوشيك أمر نادر. بإمكانكِ عمل بعض التخطيطات الآن، ثم عودي غدًا لإجراء اللمسات الأخيرة."
"ذلك الرجل الذي في الوطن، هل تعتقدين أنه تعرض إلى موت مفاجئ؟"
"لماذا لا تخابرين وتسألين إن كان الأمر يهمكِ هكذا؟"
"في هذه الحالة سأتعرض لجميع أنواع الأسئلة. يعني عند عودتي."
"وماذا في ذلك؟ كل أم يجب أن تكون على قرب كافٍ لتلقي إجابات صادقة."
"وماذا سأقول؟"
"ستقولين بأنكِ أمضيتِ الشطر الأعظم من حياتكِ لكي تتصالحي مع حقيقة أنها ارتكبت خطأ حينما اختارت لكِ والدًا. لذلك سيتمكن الآخرون من الاهتمام بالجثة. أنتِ لا تريدينها. وإنكِ، فضلًا عن ذلك، قد عثرتِ على شيء ذي أهمية أكبر بالنسبة لكِ. إنه يملك بحق وجهًا تصويريًا."
"أستطيع رؤيتهم تقريبًا. قضاة الفضيلة. الورعون. ذلك الصنف المتبجح بمقولة (أحبب لعدوك ما تحب لنفسك وبجّل والديك.) سوف يلقون بي إلى ألسنة اللهب في قعر الجحيم ويحرضون الجميع ضدي."
"وماذا في ذلك؟ الوداعة والجبن يسببان التعاسة أكثر من الشجب والعزل."
وبمزاج غريب من الغيظ المكتوم حملتُ دفتر تخطيطاتي وبعضًا من عيدان فحم الرسم.
لقد توقف الرجل عن التعرق وشرعت أنفاسه تدخل وتخرج بانتظام أكبر. لكن عينيه ظلتا مغمضتين.
طالبتني الجدة بأن أعيرها بعض الاهتمام ووجدتُ أن الاعتراض كان نوعًا من العبث.
"الأشياء الجميلة حقًا هي الأشياء النادرة جدًا."
"تمامًا، يا جدتي. الألم، على سبيل المثال. القلوب الكسيرة؟ الوحشية؟ كل ما يؤلمنا بشدة ويضطرنا إلى غلق عيوننا حتى نتجنب النظر إليه. كل ما يجعل المرء القادر على الرؤية يشيح بعيدًا ببصره. ربما يحدث ذلك عندما ندرك فداحة آلامنا الخاصة وننسحب بعيدًا عنها، ونسقط في فخ التصريحات العاطفية: لا أحب هذا، لا أفهمه، لا أريده، إنه فظيع، إنه مقرف."
"لديكِ القدرة؛ لكنكِ تفتقرين إلى شيء من الشجاعة فقط، لحمل نفسكِ والآخرين على تخطي العتبة."
أخذ إصبع فحم الرسم يلتقط تدويرات وجنتيه، والأخاديد العميقة. وبدت العروق البارزة على يده واضحة وكأنها تلوح من خلف طبقة خفيفة من الجليد. أنفه الثقيل المغطى بالمسامات. لون الحديد الرمادي في لحيته التي تعاونت مع شعر رأسه الأشعث على صنع إطار للانحطاط والضعف.
خيال الظل الساقط على جلده جعلني أفكر بالمناظر التي يرسمها الشتاء. خيال ناعم، يضيئه نور كابٍ من مصدر مجهول. خيال عارٍ لكنه ملغّز وسط هذه الواقعية التي لا ترحم.
رجفة خفيفة تعتري إحدى زوايا فمه الآن وتنتقل إليَّ عبر يدي. إنها تجعلني أوقن بأني كنت قادرة على أن أجعل مشهد الألم واضحًا للعيان، حتى لو اقتصر الأمر على أولئك القلة القادرين على الرؤية الحقة.
لا أعلم كم طال جلوسي هناك. ربما ساعتين. كانوا يأتون ويذهبون بين الفينة والأخرى. في البداية راحوا يبحلقون بإنكار. ثم شاهدتُ الاستسلام يغطي وجوههم.
كانت قشور قلم الفحم الناعمة على الورق هي الشيء الوحيد الذي حدث. هي وضحكتي التي خرجت مثل حسرة محتبسة في أعماقي.
رسمتُ تخطيطات واحدًا تلو الآخر. استخدمتُ الألوان، أيضًا. شعّت الألوان. مشهد الشتاء تغير.
ثم حدث ما حدث! وفتح عينيه. ونظر إليَّ.
كانت تلك هي المرة الأولى التي ينظر إليَّ فيها أحد ما! بوقار وثبات، ولطف لا متناهٍ.
تحركت أصابعه على البطانية. وكما لو أنه كان يريد أن يطلعني على سر ما وحاول بضعف أن يؤشر بيده.
تركتُ أقلام الباستيل وتناولتُ يده.
"إنه يبتسم! إنها ابتسامة!"
"لو أردتِ الحق إنها تكشيرة أكثر منها ابتسامة."
فكرتُ بأنه كان رضيعًا يُربك والديه عندما تكون توقعاتهما قد بلغت مداها الأقصى وهما يحاولان تفسير أولى علامات التواصل بينهما وبينه، فيسأل أحدهما الآخر قائلًا:
"ابتسامة؟"
"أو وجع بطن؟"
"وجع؟"
"انتهى الأمر الآن."
جدتي كانت في الجوار.
جلستُ على حقيبة السفر في رصيف الميناء تحت المطر، لأن أبي كان قد انسرب إلى مكان ما وقابل بضعةً من صحابه هناك – ونسِينا أنا وأمي.
صفيحة إعلان إشارية من مادة المينا مثبتة على جدار مخزن تروّج لمادة السعوط يتوسطها صياد بلحية ومعطف مطر أصفر. تقشرت المينا عند الزاوية اليمنى، وتغطى مكانها بالصدأ.
عندما عاد الأب، كنا مثل إسفنجة منقوعة بالماء وكان وجه أمي بلون الرماد.
فيما بعد، عندما كنا نجلس في غرفة المسافرين في انتظار قدوم قارب الليل، أصابتني حمى.
اضطررنا إلى قضاء الليلة في نُزل، رغم أن سعر المبيت كان مرهقًا لميزانيتنا. كان النزل يفوح برائحة فطريات متعفنة وسمك مقلي.
امرأة بوجه غاضب كانت تجلس على منصة خلف أحد الكاونترات، وتنادي بصوت حاد تجاه خلفية النُزل على شخص لم نكن نراه.
تبعتُ أمي، التي كانت تحمل حقيبة السفر الكبيرة مرتقيةً بعض الدرجات. كانت بعضٌ من حبات العرق قد انعقدت على وجهها، وتوقفت لكي تخلع سترتها. كانت بلوزتها المرقطة بنقاط حمراء متخضلة بالعرق تحت إبطيها.
وكان أبي خلال ذلك يقف على المنصة مع السيدة الجالسة خلف الكاونتر. كان يحدثها عن الحمى التي أصابتني وكيف كانت هي السبب في تخريب عطلتنا.
فكرتُ عندما أكبر سيكون هو قد مات. هل كانت تلك هي المرة الأولى التي تخطر في بالي مثل هذه الفكرة؟
عندما دخلنا الغرفة، وجدنا فيها سريرًا واحدًا فقط. كان السرير ضيقًا.
دخل أبي في شجار صاخب مع أمي، التي لم تفهْ بشيء لأنها كانت تنيمني في السرير. كان غاضبًا لأنها تركت الحمى تصيبني.
كنت أرتجف بقوة مع كل كلمة كان يقولها. لأن يديه كانتا مثل سلاحين، تمسكان بأعمدة السرير.
كان وجه أمي ببياض وجه الشبح الشاعر بالوحدة الموجود في المعرض. لكني كنت أجهل ذلك في حينها. وكانت النقاط التي تزين كنزتها تهطل على وجهي مثل دموع حمراء.
لا أدري لماذا فكرتُ بذلك الحادث في هذه اللحظة في الوقت المناسب.
لم أفكر بفصول أخرى مثلما فكرتُ بذلك الفصل لسنين، لأني كنت أرفض ذلك.
"دعينا نصلي من أجله،" قالت جدتي.
شبكتُ كفيَّ بكل طواعية، لأنها طلبت مني ذلك ولأني كنت أخشى الوحدة.
"لن يكون بوسعي معرفة هويته."
"دائمًا ما ينتهي الموضوع الجيد إلى مكان لا يسع أحدًا آخر دخوله."
كنتُ أقف في باحة بيت جدتي، أراقبها تعمل.
لوجهها صورة جانبية مميزة. كان بوسعي رسم صورة وجهها الجانبية بعصا في الرمل بحيث أجعل الجميع يعرف أنها هي. كانت تقف بين الحين والآخر لتتمطّى، وتوزع نظراتها هنا وهناك، إلى ما وراء الغابات والجبال والبحر. أحيانًا أشعر بأنها لا تنظر إلى الطبيعة كما أحسب، بل إلى الحياة.
عاشت أرملة لسنين طويلة وعملت منظفة، وكان أفراد أسرتها وأقرباؤها يأتون لقضاء أيام العطل عندها. كانوا يستخدمون بيتها مثل فندق "سرير وفطور"، مع ثلاث وجبات في اليوم.
لا أذكر أن أحدًا من أولئك الزوار قد جاءها يومًا بهدية.
حتى أبي لم يفعل ذلك.
كان إخوتها يأتون كل عام لقضاء فصل الصيف، مصطحبين معهم زوجاتهم وأطفالهم وأحفادهم وأصدقاءهم ومعارفهم. لم يكن لها مكان في بيتها، لذلك كانت تضطر إلى الخروج إلى الحديقة لتنظر إلى جرائها السيبيرية وتتمطى.
جلستُ وأمسكتُ يده لبرهة من الزمن، ثم ضغطتُ على الزر الموجود بجانب السرير. جاءت ممرضتان. فيهما شيء يدل على الكفاءة. فعلتا ما جاءتا من أجله دون الاهتمام بوجودي. قاستا نبضه ونظرتا تحت جفنيه المسبلين. أنزلتا ساقه من السقف وعدلتا من استقامة جسده.
لم ترغبا بوجودي هناك عندما كانتا تنظفانه وتغسلانه، لكني احتججتُ بشكل صاخب. تراجعتا لبرهة من الزمن، وهما تدمدمان، ثم عادتا بطاقة متجددة.
وهكذا شاهدتُ عرضًا صقيعيًا متكاملًا من الناحية التقنية تؤديه ممرضتان متمرستان مع جثة، وطُبّقت كل التفاصيل والأوامر والتعليمات الروتينية بحذافيرها.
كان مشروعهما يتلخص بتعرية الجسد الذي فارقته الحياة تعرية كاملة قبل أن تبرد الأطراف والمفاصل وتتخشب كآخر شَعيرة من شعائر التطهير التي لم تُنجز بما يليق من الحب والرعاية، وربما كانت تخلو حتى من الاحترام لذكرى المتوفى. كانتا قد حفظتا روتين العمل في مثل هذه المناسبات. مناسبة تغسيل جسد الميت.
وأنا، ما هو دوري؟ هل كنتُ أقوم بدور أم قشعم؟
اشتقتُ إلى غرفتي الفندقية الكبيرة الرثة بعض الشيء وذات النافذتين الكبيرتين. أتوق إلى عناق النور الأبيض المُعشي. أتوق إلى التربنتين، لمزج ظل من الأزرق، للأنف. أتوق إلى الوردي الشاحب مع لمسات من اللون الرمادي حول العينين. أتوق إلى القليل فقط من اللون الرمادي، القليل فقط من الأحمر، ليس الأصفر، بل القهوائي للغضون المتكدسة عند زوايا الفم.
أعدتُ على مهل أدوات الرسم خاصتي إلى حقيبتي ثم ملتُ بجسدي فوقه ووضعتُ وجهي بجانب وجهه للحظة فقط.
اللمسة كانت مثل شرب الماء من ينبوع في الجبل بطعم معدني في الفم قبل الاستمرار في المسير، بطعم الأرض والجليد، وبقايا الأشجار الميتة في المستنقعات، بطعم ألف عام من التفسخ، كلها أُحيلت إلى ماء عذب.
وبين حالين؟
حال اللحظة؟ إذ يبزغ الفجر في النافذة. فراغ وصحو.
وحال جدتي التي كانت هناك.
"ذكّريني بها إذا نسيت! ذكّريني كيف سترتد عائدة إلى الوراء – السعادة، الغم، الحب، الحماقة، الخبث!"
مثل ارتداد البومرانغ*: قوة – أو ضربة – ترتد إلى الوراء دائمًا."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بومرانغ: الخَذُوْف (الجمع: أَخْذِفَة وخِذَاف) أو الكيد هو أداة ملوية أو منبسطة تُستعمل سلاحًا أو يُرمى بها في الرياضة. ومعظم أدوات الخذوف مصنوعة من الخشب أو البلاستيك. ويبلغ طولها ما بين 0.3 إلى مترين، وعرضها من 1 إلى 12 سم. وتزن ما بين 30 إلى 2,300 جم. وتدور الخذوف بسرعة عند رميها بطريقة صحيحة، وبعض الخذوف مصنوع بحيث يرجع إلى راميه. ويكيبيديا.
* من مجموعة: THE NORWEGIAN FEELING FOR REAL) LEOPARD VI - THE HARVILL PRESS- LONDON







التعليقات