انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

صدمة الذكورة وخدعة الحرية في منتصف العمر - وجهة نظر حول قصص حنيف قريشي* للكاتبة الكرواتية فيسنا أوكيتش كوستا**

ترجمة وإعداد صالح الرزوق

د. صالح الرزوق
د. صالح الرزوق

ناقد ومترجم سوري

23 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
صدمة الذكورة وخدعة الحرية في منتصف العمر - وجهة نظر حول قصص حنيف قريشي* للكاتبة الكرواتية فيسنا أوكيتش كوستا**
مشاركة:

قرابة نهاية رواية حنيف قريشي " الألبوم الأسود" الصادرة عام 1995 ، يتبنى بطل الرواية، شهيد حسن، البالغ من العمر عشرين عاما، بحماس فكرة التحرر من قيوده العرقية التي تحدد هويته  طيلة الرواية قائلا: "لم تكن هناك ذات ثابتة؛ أليس من المؤكد أن ذواتنا المتعددة تذوب وتتحول يوميا؟ لا بد أن هناك طرقا لا حصر لها للوجود في هذا العالم. سيعلن عن نفسه، في عمله وفي علاقاته العاطفية، يقوده فضوله" (274). ينتمي شهيد إلى الجيل الثاني من الهنود المهاجرين إلى بريطانيا المعاصرة، ويواجه أصدقاءه الذين أصبحوا متطرفين دينيا، ويبدو أنه تمكن أخيرا من تأكيد ذاته كفرد لا تقيده أصوله غير البريطانية، التي شكلت هذه "الذات الثابتة" في فترة طويلة من حياته. على نحو مماثل، في رواية قريشي شبه السيرية " بوذا الضواحي" التي نشرت (...) في عام 1990، يكافح كريم أمير، ذو الأصول المختلطة، للتصالح مع ما يرى أنه "نوع غريب من الإنكليز، سلالة فريدة... نتاج تاريخين قديمين" (3). وخلال أحداث الرواية، ينجح كريم في الفرار من ضاحية جنوب لندن الكئيبة، حرفيا ومجازيا، من خلال اكتشافه المستمر (أو ربما اليومي) لـ"ذواته المتعددة" من أجل العثور على طريقته الخاصة للــ  "الوجود في العالم".

من الواضح أن ما يشغل بال بطليه الشابين هو مدى إمكانية تمتع كل منهما "بحريته"، أو أن يكون على طبيعته نظرا لخلفيته "العرقية" المزدوجة.  فكل منهما ليس أبيض  ولكنه بريطاني من أصل آسيوي، وكان سياق المجتمع البريطاني قرابة نهاية القرن لا يزال ينظر إلى هؤلاء بازدراء باعتبار أنهم "صغار وجدوا مأوى لهم في  بريطانيا" وأصبحوا "معلقين بين ثقافتين" (قريشي، "برادفورد" 48). وبهذا الجو يسعى كريم في رواية "بوذا" جاهدا لإثبات أنه إنكليزي إلى حد مقبول رغم (لون) بشرته. وتبدو اامسألة أكثر تعقيدا أكثر في رواية قريشي "الألبوم الأسود" : فمن جهة، ييبدي شهيد حماسا منقطع النظير لكل منح الثقافة الغربية، ومن جهة أخرى، ينجذب بشكل محسوس نحو أصدقائه المتشددين لشعوره الدائم بالذنب. وما يدعو للفت النظر، أن مجتمع/الثقافة البريطانية البيضاء يرسخ هوية "الآخر" لديه باستمرار، [2] لكن المجتمع المسلم يؤثر به ويدفع الجانب الآخر إلى الظهور من خلال التعصب الديني الذي لا يرفض  البدائل ويؤكد على ذات ثابتة ومطلقة. ويلخص قريشي المشكلة، بالرغبة في "هويات جامدة وحصرية تعبر عن الإسلام المتطرف نفسه؛ وهي محاولة لمواجهة الأصولية بمزيد من الأصولية" (102). وغني عن القول أن الإسلام المتطرف يحرص على تصوير الغرب وكأنه "فاسد ومفرط في الجنسانية"، و"فوضوي وفردي للغاية"؛ ومغمور بـ "حرية مفرطة" ("الكلمة والقنبلة" 103).

صدمة الذكورة وخدعة الحرية في منتصف العمر - وجهة نظر حول قصص حنيف قريشي*

للكاتبة الكرواتية فيسنا أوكيتش كوستا**

 وفكرة أن تكون عرضة لــــ  "حرية مفرطة"، وكان يعارضها بشدة الشباب المسلمون الراديكاليون، واضحة في أعمال قريشي الروائية المبكرة، وهي تحديدا ما يسعى أبطال أعماله الروائية اللاحقة، وخاصة في قصصه القصيرة، لاتباعه دون حدود وبدون أي نية للحد منها.  وما أود التركيز عليه هنا هو مفهوم الحرية الذي يعبّر عنه قريشي في قصصه القصيرة دائما  ومن وجهة نظر ذكورية تقريبا. ففي المجموعات التي صدرت في أواخر التسعينات، مثل " الحب في زمن أزرق" (1997) و"منتصف ليل اليوم  كله " (1999)، ولاحقا في القصص التي صدرت خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، [3] ينأى قريشي بنفسه وبشكل أساسي عن موضوعات العرق والعنصرية، ليستغرق بفكرة الذات الحرة والمتحررة والتي تغطي كل شيء. وبتعبير  بيتر تشالوبسكي، يتبنى قريشي منظورا سرديا أكثر عمقا وخصوصية، ويركز على أفكار ومشاعر وقلق وهواجس الشخصيات الذكورية في الغالب. كما أن هذا التحول من العام إلى الخاص ينعكس غالبا في التوقف عند صدمة الرجال في منتصف العمر (63).

إذا نظرنا إلى  شخصيات أبطال هذه القصص القصيرة، نتساءل: لماذا يعانون من الصدمات النفسية في المقام الأول؟ على عكس تفاؤل أبطاله الشباب في روايتي "بوذا" و" الألبوم الأسود"، الذين يتطلعون إلى تحقيق طموحاتهم ويرغبون في عيش حياتهم على أكمل وجه ( بوذا 3)، يبرز بوضوح في معظم قصصه شعور طاغ بالإحباط والفشل وعدم الرضا عن الحياة. وعادة ما يكون رجاله في منتصف الأربعينات من عمرهم، غير راضين تماما عن زواج أو علاقة يرغبون بالتخلص منها، أو متورطين بعلاقة غرامية أو علاقات متعددة، أو مطلقين ويعيلون أطفالا، ولديهم علاقة غرامية (وفي أغلب الحالات تجريدية ومزعجة). ومع أنه ينحو لفتح طريق جديد يكون رجاله في طريقهم إلى الانحدار. ومن اللافت للنظر أنهم جميعا موظفون وفنانون ويعملون في السينما والكتابة: إما كتاب بارعون، أو كتاب سيناريو، أو مخرجون ومحررون سينمائيون، أو ممثلون. ويبدو، على الصعيد المهني، أنهم يحققون مستوى معينا من النجاح يمكنهم التباهي به في مرحلة ما من حياتهم، لكنهم يفشلون على الصعيد الشخصي لأنهم يدمرون دائما ما بنوه - في مستوى العلاقات الشخصية - ويندفعون بتهور لإنشاء علاقات جديدة (ثم تدميرها أيضا).

صدمة الذكورة وخدعة الحرية في منتصف العمر - وجهة نظر حول قصص حنيف قريشي*

للكاتبة الكرواتية فيسنا أوكيتش كوستا**

يمكن اعتبار غاي، راوي رواية "علاقة حميمة" وهي نوفيلا صدرت عام 1998، ونشرها بعد "الحب في زمن أزرق" و قبل "منتصف ليل  اليوم كله" ، نسخة مفصلة من أبطال قصصه. فهو كاتب في منتصف العمر على وشك الانفصال عن شريكته، المرأة التي لم يعد يحبها، وهجر ابنيه الصغيرين. في ليلة قبل رحيله، ييقدم لنا ما يشبه الاعتراف، متأملا علاقتهما الفاشلة وفلسفته في الحياة. يقول: "بدت الأسرة وكأنها آلة لقمع وتشويه الأفراد الأحرار" (55). من خلال السرد العاطفي بضمير المتكلم، يظهر غاي محبطا بشدة، ومتعاليا بعض الشيء، ومقيدا بقيود الأسرة. وغني عن القول، كما هو حال  العديد من أمثاله المتزوجين في قصص أخرى ممن لا يرغبون في التقيد بروتين الحياة الأسرية اليومي، يكون على علاقة غرامية مع فتاة أصغر منه ولا يزيد عمرها على نصف عمره. في نهاية المطاف، يرى أن "العائلة السعيدة" ليست سوى وهم نرغب جميعا في تصديقه، "حلم أو كابوس"، "إحدى الأفكار اليوتوبية القليلة التي نملكها هذه الأيام" (77). في خاتمة الترجمة الكرواتية لرواية " علاقة حميمة "، والتي أصبح عنوانها "صدمات يوتوبيا الحب"، يدعي زاركو بايتش أن ما يحاول قريشي خلقه هنا هو "تصوير متخيل للصدمة الاجتماعية ومن وجهة نظر رجل يقرر اختيار مسار حياة مختلف". معاناة هذا الرجل، بحسب بايتش، تدور في مجتمع ما بعد حداثي متحرر من جميع القيود، ولم يتبق منه سوى المتعة والفراغ والبحث عن أشكال أخرى من اليوتوبيا (104).

إن تجنب مسؤوليات الأسرة ومتطلباتها، التي تصور غالبا أنها معتلة وظيفيا بدرجة مؤلمة، ورغبة الشخصيات في الاستمتاع بالحياة كما يفعل المرء في صغره، هو، بطبيعة الحال، وهم وخيال محض. مع ذلك، لا يمنع هذا أبطال قريشي من الانغماس في دوامة لا تنتهي بحثا عن السعادة، أو في ظرفهم المحدد، بحثا عن مزيد من الحرية من ضغوط الحياة اليومية والمحظورات الاجتماعية، وخاصة المزيد من الاستمتاع بالجنس. والبطل النموذجي لهذه القصص، كما يصفه تشالوبسكي عن حق، "باحث عن السعادة في عصر ما بعد الحداثة، لأنه محروم باستمرار" (63)، وعادة ما يتحول بحثه عن السعادة إلى حلقة مفرغة لا يستطيع الخروج منها. مثلا روي، مخرج فيديو فاشل في قصة "في زمن أزرق"، ويشعر أن زوجته الحامل "تستغله ببساطة". يقول: "الطفل على الطريق؛ وقد أصابه ذلك بالدوار" (13). وعندما يتأمل حياته قبل أن يستقر، أو بتعبير أدق، عندما يتخيل أن بمقدوره أن يعيش حياته خارج نطاق الأسرة، يتقارب مع العديد من أبطال هذه الروايات. يقول: "نظر روي إلى صورة كيث ريتشاردز وفكر بدرجة اشتياقه لحياة بلا قيود، لا يسعى فيها إلا للمتعة ويتجنب صعوبات الحفاظ على تماسك الأشياء. وتساءل عما إذا كان هذا ما زال يريده، أو ما إذا كان لا يزال قادرا عليه" (6). كثير من هؤلاء الأبطال ليسوا غرباء عن المخدرات، لكن كيث ريتشاردز، بوصفه تجسيدا منهكا لإفراط الحرية ونمط حياة "الجنس والمخدرات والروك أند رول" الصاخب، يستخدمه هنا كأداة لتسليط الضوء على رغبة روي الساذجة في الهروب من ذاته الحالية - رجل فاشل في منتصف العمر ينتظر مولودا.

يميل العديد من هؤلاء الرجال إلى يكونوا مستهلكين شرهين (أو ربما غير منضبطين) في مركز تجاري، ويبحثون عن منتج جديد (عادة ما يكون امرأة أصغر سنا أو أكثر جاذبية) لإشباع رغباتهم، لكنهم عادة ما يعجزون عن حسم أمرهم والتوقف عند نقطة معينة. وكما يقول زيغمونت باومان في كتابه "الحداثة السائلة": "في  عالم مليء بالفرص، يكون كل طور من أطوار الحياة أكثر جاذبية وإغراء من سابقتها، وهذه ..." تجربة مبهجة. في عالم من هذا النوع، المقدر سلفا يكون قليلا، والأقل ما لا رجعة فيه. وقلما تكون الهزائم نهائية، وقلما تكون الحوادث لا رجعة فيها؛ ومع ذلك، لا يوجد نصر نهائي أيضا. لكي تبقى الاحتمالات لا حصر لها، لا ينبغي السماح لأي منها بالتحول إلى واقع أبدي. ومن الأفضل أن تبقى متغيرة، وأن يكون لها تاريخ انتهاء صلاحية، لئلا تضيع الفرص المتبقية وتجهض المغامرة المستقبلية في مهدها" (62).

لم يكن غاي في رواية "علاقة حميمة" متأكدا تماما من صواب الاستمرار في استبدال الشخصيات التي لا تلبي احتياجاته، ولكنه يكون دوما على وشك فعل ذلك، ومثله تكون العديد من الشخصيات الرئيسية ممزقة بفعل هذه الشكوك. وكلهم ينجذبون باستمرار وعناد إلى فكرة إبقاء العلاقة مفتوحة، أو غير محدودة، أو مرنة، كما وصفها باومان، لاعتقادهم أنهم سيتمكنون من البقاء غير مرتبطين، وبالتالي أحرارا لاكتشاف خياراتهم. كان بطل رواية "غرباء عندما نلتقي" على علاقة غرامية مع امرأة متزوجة، وكانا على وشك قضاء عطلة نهاية الأسبوع معا. يقول: "كنا نعتزم ترك الأمور مفتوحة. كانت أول مرة نقضيها بعيدا عن بعضنا البعض - هي عمليا أول ليلة كاملة نقضيها معا - إنها مغامرة. أردنا الاستمتاع ببعضنا البعض دون التفكير في أنها ستضطر إلى العودة إلى زوجها في غضون ساعات قليلة" ( منتصف ليل اليوم كله. 6). بعبارة أخرى، لماذا ترضى بدور الزوج/الأب الثابت أو الشريك الأحادي إذا أمكنك أن تجرب مع شخص آخر؟. أن يصبح المرء شخصا يصعب تحديده، ويمكن وصفه بأنه "مثير" أو "مغامر" أو حتى "رائع"، هو الهدف الأسمى الذي يسعى إليه العديد من هؤلاء الرجال. تصل هذه الروعة في منتصف العمر إلى ذروة حزينة ومثيرة للشفقة. وذلك في قصة "حكاية الروث" عندما يواعد مدمن مخدرات في الأربعينات من العمر، وعديم النفع، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها مفتونة به تماما. فيقول: "إنها تريد تجربة كل شيء... وهي فتاة شقراء صغيرة مصممة، وبالنسبة لصديقاتها، هذا أمر مثير وعصري" ( الحب في زمن أزرق، ص 134).

مرة أخرى، إذا عدنا إلى باومان ومفهومه عن الحرية المرتبطة بواقع الحياة المعاصر والمتغير، تكون "حرية التعامل مع الحياة برمتها جولة تسوق مطولة وتعني تصوير العالم بشكل مستودع يفيض بالسلع الاستهلاكية" (89). وبمجرد أن يستعيد أبطالنا ما يعتبرونه حرية، عادة بعد الطلاق أو الانفصال عن الشريك، يجدون بداية، ويرون أنفسهم في علاقات يرغبون بالتخلص منها ثانية. وكما يقول بطل رواية "ضوء الليل": "معظم أصدقائه، ومعظم من يعرفهم، ينتقلون من زوجة إلى أخرى، ومن زوج إلى آخر، ومن عشيق إلى آخر. مدينة مصاصي دماء الحب، ينتقلون من شخص إلى آخر، باحثين عن الشخص الذي سيمنحك الفرق" ( الحب في زمن أزرق 143). ورجل مطلق، له سلسلة من العلاقات العابرة، يعيش في عالم من غير المرجح أن يتوقف فيه بحثه المحموم الشبيه بمصاصي الدماء (إلا ربما حينما يبلغ الشيخوخة). ولا تتوقف عن الدوران لدى هؤلاء الرجال حلقة الرغبة المفرغة للتمتع بالمزيد من السلع الاستهلاكية، لأنه "بإمكانهم التخلص من الممتلكات التي لم يعودوا يرغبون بها بسهولة، كما يمكنهم الحصول على التي كانوا يرغبون بها سابقا" (باومان، الحب السائل، ص 89). أو كما تقول ريناتا ساليكل في كتابها "طغيان الاختيار"، نحن نعيش في مجتمع يشجع على الرضا اللامحدود وتحقيق الذات، ولكنه مع ذلك يزدهر بعدم الرضا. وعندما تزول العقبات التي تحول دون تحقيق رضانا والحصول على ما نتمناه، نشعر أيضا أن هذا ليس ما أردناه على الإطلاق، ونبدأ بالبحث عن شيء آخر. تعد مظاهر عدم الرضا هذه جزءا لا يتجزأ من آلية عمل الرغبة (ص 90). هكذا تعمل الرغبة تماما في العالم الخيالي ضمن هذه القصص، تاركة أبطال قريشي محرومين باستمرار.

ونادرا ما يصور الكاتب علاقة مرضية عاطفيا وجنسيا، ليمنح أبطاله تلك السعادة المنشودة. ففي قصة "الكراسي الزرقاء الأربعة"، على سبيل المثال، ينتاب جون ودينا شعور ببداية جديدة محفوفة بالمخاطر، وحينها كانا، على عادة شخصيات قرريشي، متزوجين منذ بداية العلاقة. والآن نراهما يشتريان كراس جديدة للشقة التي استأجراها، ويتطلعان إلى مستقبلهما معا. "ينظران إلى بعضهما بين الحين والآخر، من بعيد عبر المتجر، أو من قريب، وهما جنبا إلى جنب، يفكران بدهشة: هذا هو، الشخص الذي اخترته، وهذه هي الإنسانة التي أردتها طيلة هذا الوقت، والآن بدأت العلاقة حقا، كل ما تمنينان أصبح حقيقة" ( منتصف ليل اليوم كله، ص 56). وفي قصص أحدث، مثل "تذكر هذه اللحظة، تذكرنا" أو "ضجة داخل الشجرة"، يصور قريشي ظروفهما بشعور مماثل من الدفء، وربما بمفهوم العائلة عن السعادة الأبدية. ومع تقدم أبطال الرواية بالعمر ونضوجهم مثل الكاتب، يبدو أن بعضهم منسجم مع هويته أكثر من غيره، ويتقبل حاضره ومستقبله. أصبحوا جميعا أخيرا قادرين على الاستمتاع بحياتهم، ويبدو أنهم أقل ميلا للتخلي عن ممتلكاتهم أو ما بنوه كرجال ناضجين في وقت قريب.

لكن بالنسبة للأغلبية، تبدو آفاق الحياة في عالم الاحتمالات اللامتناهية قاتمة ومحبطة؛ ويبقى خطر الوقوع في تجربة مشابهة لتجربة سابقة وإعادة تمثيلها قائما. يقول باومان في كتابه "الحب السائل": "لا يمكن لأي علاقة جسدية، مهما حاول المرء، أن تفلت من الإطار الاجتماعي وأن تقطع كل صلة بجوانب الوجود الاجتماعي الأخرى". (51). والحمل غير المرغوب به،  أحد المواضيع المتكررة التي يستخدمها قريشي، والمرتبطة ارتباطا وثيقا بفكرة البدء من جديد والتي يتوق إليها رجاله بشدة، وهي الحالة التي تقع فيها العديد من الصديقات، لكن نادرا ما توجد زوجات. يتساءل باومان: "هل يمكن المحافظة على اللقاء الجنسي بمعزل عن بقية مساعي الحياة، (أم أنه  سينحو، ويسمح له) أن يتداخل مع بقية نواحي الحياة، حتى يغمرها، ويبدلها؟" (51). كما رأينا سابقا في قصة "في زمن أزرق"، غالبا ما يكون الحمل إشارة إلى فشل آخر في الحياة، أو عائق آخر يحد من حرية البطل في تنمية جوانب أخرى من شخصيته، بعيدا عن كونه شريكا/زوجا/أبا. بالنسبة لمال في قصة "الأب الحقيقي"، كانت ولادة ابنه البالغ من العمر عشر سنوات "ليس فقط ما يوصف عادة بأنها 'صدفة'، بل لم تكن هناك ضرورة لمولده أصلا" ( مختارات قصصية، صفحة 568). فقد رفضت إمه إنهاء هذا لاحمل، بعد نقاش قصير معها، ونجم عن ذلك أسرة مكونة من أب موجود في عطلة نهاية الأسبوع، وابن. وبالضرورة كانت العلاقة بينهما بغاية الرداءة. والابن غير المرغوب به في هذه القصة يفسر أيضا وعلى نحو فظ للغاية، كيف تكون نهاية العديد من الحوامل (والعلاقات الغرامية) في آخر المطاف.

صدمة الذكورة وخدعة الحرية في منتصف العمر - وجهة نظر حول قصص حنيف قريشي*

للكاتبة الكرواتية فيسنا أوكيتش كوستا**

ومع ذلك كان لدى معظم أبطال رواياته، بالفعل أطفال من علاقات سابقة، ولا يرغبون في إنجاب المزيد على الإطلاق. وهم يدركون أن إنجاب الأطفال، إلى جانب الجوانب الجسدية والعاطفية، ينطوي على ضغط مالي كبير أيضا. ووفقا لباومان، يعد الأطفال "من بين أغلى أسباب المشتريات التي يرجح أن يقوم بها المستهلك العادي طوال حياته" ( الحب السائل، ص 42). غير أن إنجاب الأطفال يعني

"الدخول في التزام مفتوح وغير قابل للإلغاء، دون أي بند يسمح بقطعه؛ وهو نوع من الالتزامات التي تتعارض مع طبيعة الحياة العصرية المتغيرة، والتي يتجنبها معظم الناس بحرص في معظم الأوقات في حالات الحياة الأخرى. وقد يكون الاستيقاظ على مثل هذا الالتزام تجربة مؤلمة". (الحب السائل 43).

تكتسب صدمة الرجال في منتصف العمر، وهو المصطلح الذي استخدمه تشالوبسكي وبايتش لوصف أبطال قريشي، معنى جديدا. فالزيجات الفاشلة، والزوجات السابقات الغاضبات، وقضايا النفقة والصعوبات المالية، والشقق الصغيرة المتواضعة التي يجبرون على الحياة فيها مع صديقاتهم الجديدات، وأخيرا حالات الحمل غير المتوقعة (وغير المرغوب بها!)، تشكل جزءا من معاناتهم. ومن المثير للاهتمام أن عزيمتهم قوية وأنهم أنانيون جدا  إذا تعلق الأمر بالتخلي عن نمط الحياة الذي يعيق تحقيق ذواتهم، ولكن من ناحية أخرى، عندما يبدأون حياة جديدة، غالبا ما يكونون عاجزين تماما عن اتخاذ أي قرار، خاصة فيما يتعلق بالتزامات من نوع إنجاب الأطفال.

في قصة قريشي "منتصف ليل اليوم كله"، والتي ربما تكون الأكثر كآبة ووحشة، يبرز بوضوح هذا الشعور بانعدام الإرادة المرتبط بعبء المسؤولية الثقيل. والشخصية الرئيسية منتج أفلام ويبدو أنه فقد السيطرة تماما على حياته. ومع توقف حياته فعليا، يكافح على الصعيدين المهني والشخصي. لذلك ليس من المستغرب أنه يترك زوجته وابنته من أجل امرأة شابة وحامل ببطن منتفخة.  ولكنه يشعر بتردد كبير حيال تكرار هذا الالتزام، ويعتقد أنه قد فشل بالفعل في دور الأب والزوج، وهو غير متأكد مما يجب عليه فعله بعد ذلك وما هي القرارات التي ينبغي عليه اتخاذها.

"في البداية، تحدثا عن الإجهاض؛ لكن لم يكن بوسع أي منهما أن يعيش مع هذا النفي القاسي للأمل. كانا يحبان بعضهما بعضا، لكن هل يستطيعان العيش معا؟ كانت هذه محنة حياته. إذا لم يستطع إنجاح هذا الأمر، فلن يكون قد فقد عائلته عبثا فحسب، بل سيبقى بلا شيء – لا شيء سوى نفسه. (منتصف ليل اليوم  كله. 165).

في ظل نمط الحياة العصرية المتقلبة، لا يجب أن نستغرب على الإطلاق إذا اخترنا الإجهاض كحل محتمل يعالج "مشكلة" الحمل. فبالنسبة لبعض الرجال، مثل مال في قصة "الأب الحقيقي" المذكورة آنفا، يمثل الإجهاض مخرجا سهلا من المأزق العائلي الذي سيجبرون على الوقوع فيه رغما عنهم، والذي سيعرض راحتهم للخطر. أما بالنسبة لإيان، بطل قصة "منتصف ليل اليوم كله"، فيعتبر الإجهاض حلا جذريا للغاية، وليس خيارا مطروحا، إذ لا يزال لديه أمل ضئيل في أن يحقق مع هذه المرأة وطفلهما حياة لها معنى وأكثر إشباعا. وإدراك دوامة الحياة التي لا تتوقف، بالنسبة لإيان والعديد من الأبطال الآخرين، أمر ممؤلم للغاية، كما أن فكرة عدم القدرة على "إنجاح الأمور هذه المرة"، بعد فشلهم في العديد من أدوارهم، تثير الرعب. ولذلك، تشع هذه القصة تحديدا بإحساسٍ ملح بالخطر الوشيك. يدرك إيان أنه يجب أن يتحول من رجل عاجز عن فعل ذلك مع جين إلى رجل قادر على فعله مع مارينا (170). ولأن الطفل التزام سيربط بينهما مدى الحياة، يعي تماما أنه عليه أن يخلق هوية جديدة مناسبة له ولأسرته المستقبلية. إلا أن هذه الهوية الجديدة لا تمت بصلة إلى نزعات التحرر التي يتوق إليها معظم هؤلاء الرجال، لأنه يعلم أنه سينتهي به المطاف وحيدا وشقيا كما كان دائما. ومثل جون في قصة "الكراسي الزرقاء الأربعة" الذي يعلم أنه "لا يستطيع تحمل الفشل" ( منتصف ليل اليوم كله 57)، يخشى إيان أن يصبح تحوله وشخصيته الجديدة كارثة مرة أخرى. كذلك يخشى آلان، وهو شخص آخر غادر في قصة "صباح في قلب الليل"، من تكرار الأخطاء نفسها، لكن على عكس جون أو إيان اللذين أبديا على الأقل استعدادا للالتزام في النهاية، يبدو آلان أكثر أنانية وقسوة. في عالمه، تكون عمليات الإجهاض أمرا معتادا. فهو رجل مطلق لديه طفل، ووجد نفسه بالفعل في علاقة أخرى. وكانت صديقته الحالية، الممثلة ميلاني، حاملا. لكنها تحدد موعدا في اليوم التالي لإجراء عملية إجهاض (194). وسرعان ما نكتشف أنه سبق له أن تورط في عمليتي إجهاض أخريين، ويعلق عليهما بنبرة صادمة من اللامبالاة قائلا: "تجنب الأولى بالإقامة مع امرأة أخرى. أما الثانية، فلم يتذكر منها سوى كيف استلقت المرأة على الأرض وبكت بعد ذلك" (منتصف ليل اليوم كله 200). لقد ترك هاتين المرأتين فورا بعد أن أنهتا حمليهما، واعتقد أن هذا ما سيحدث تماما هذه المرة، بمجرد أن تُدجري ميلاني الإجهاض. وكحال العديد من نظرائه المطلقين في روايات قريشي، يدرك آلان تماما خبايا نظام الأسرة المختل، فيهرب من قيوده، تاركا زوجته وابنه الصغير. ويقدم، خشية الوقوع في فخ الفكرة "الطوباوية" نفسها، وخشية فقدان حريته مجددا، على تنازلات طائشة تتعدى على حرية الآخرين، وخاصة النساء اللواتي يرتبط بهن. فالإجهاض لا ينهي الحياة ويمنع نموها فحسب، بل يشير أيضا، بالنسبة لشريكته وصديقاته السابقات، إلى "انعدام الأمل بشكل تام". آلان رجل لا يسمح للعلاقات الجنسية بالتأثير على حياته وتغييرها. يقول: "لا تدع نفسك تكشف. تجنب العناق الشديد. تذكر، كلما كان تعلقك والتزاماتك وانخراطك أعمق وأكثر كثافة، زاد الخطر" (باومان، الحب السائل، ص 58). يبدو أنه يلتزم بقواعد سياسة الحياة الحديثة السائلة هذه بحماس شديد، ومن غير المرجح أن يغير أساليبه على الرغم من أن القصة تنتهي بنبرة إيجابية مبدئية. يقول: "كان يعلم أن هناك ما يكفي من الحب والحنان بينهما" ( منتصف ليل  اليوم  كله، 205). حتى أولئك الذين يبدو أنهم يعيشون بالفعل خيالا ذكوريا نمطيا ("الهروب من كل شيء مع فتاة أحلامك") لا يسعهم إلا تجنب الأحضان وبقية الارتباطات، ورفضها في نهاية المطاف، إذ تصبح في مرحلة ما من حياتهم خانقة ومرهقة. مثلا يتوق بطل رواية "مؤخرا"، تدور أحداثها في بلدة سياحية ساحلية، بعيدا عن صخب لندن وضجيجها، طيلة السرد إلى ترك حبيبته بعد بضع سنوات من الارتباط. كان من المفترض أن يتظاهر بــ  "الهروب معها" "للخلاص من العبث"؛ لكنه الآن يشعر أن "كل ما عليه فعله هو التخلي عنها، والفرار، وتحقيق الشيء نفسه بطريقة أو بأخرى" (152). هاهو هذا الرجل يعود إلى نقطة البداية.  وتتكرر الأفعال التي يستخدمها قريشي هنا، في جملتين فقط لتصوير يأس بطله ("الهروب"، "الفرار"، "التخلي"، "الفرار")، في العديد من هذه القصص، وخاصة في هذه القصة، مما يؤكد أن رجاله في صراع دائم مع العالم الذي حولهم، ولكن ينتهي بهم المطاف في نهاية الأمر إلى التشرد، في مكان لا يرغبون بالتواجد فيه. وتصطدم رغباتهم دائما بالواقع الدنيوي. يقول عن ذلك: "أراد حريته؛ ولم يكن يريد ليزا... وأيضا أ اد الآخرون أن تعيش حياة بائسة مثل حياتهم" ( الحب في زمن أزرق 176). وكما رأينا حتى الآن، يفترض ضمنيا في قصص قريشي أن يكون الرجال خائنين في أغلب الحالات، وأن يميلوا إلى الهروب من بؤس حياتهم قدر استطاعتهم. ومن اللافت للنظر أنه عندما تخون النساء أزواجهن (وهناك عدد لا بأس به من النساء الخائنات في هذه الروايات، لنكون منصفين)، لا يمكننا رؤيتهن عازمات على ترك زواجهن الشقي. وعندما يدرك بطل رواية "حسنا يا عزيزتي D'Accord Baby" أن زوجته على علاقة غرامية، يبدأ في تبرير أفعاله بشكل محموم.

يقول: "تقع خيانات في معظم العلاقات... ولم لا، الزواج لا يكفي لإشباع معظم احتياجات الإنسان؟ احتاجت نيكولا شيئا ما، فأخذته. يا لها من جرأة ولباقة! ويا له من لوم سخيف لشخص يسعى وراء أي نوع من الحب! (الحب في زمن أزرق، ص 54).

يهيمن الشعور بالنقص، وهو مفهوم مرتبط ارتباطا وثيقا ليس فقط بالأسرة والزواج، بل بمعظم العلاقات هنا، كفكرة رئيسية على قصص قريشي. بعبارة أخرى، إذا شعرت أنك مقيد، ثم كانت لديك الجرأة الكافية لخوض غمار أحد أهم متاعب الحياة، ألا وهو الحب، فلا بأس من الخروج عن حدود الأسرة/الزواج/العلاقة، والمطالبة برغباتك. معظم هؤلاء الرجال، كما حاولت توضيحه، يتبعون هذه الفلسفة الحياتية، وبعض النساء تتحمسن لها أيضا. مع ذلك، إن الشعور بالرغبة الجامحة نحو الحرية والسعي وراء الحب أمر مؤلم للغاية. هذا الرجل الذي يبرر خيانة زوجته ليس مقنعا بالطبع، فبعد الصدمة الأولية لاكتشافه خيانتها، يشعر بإهانة بالغة، ويلجأ في النهاية إلى خيانة زوجته هو الآخر. تدور القصة بأكملها حول "متعة الانتقام" (56) التي يشعر بها بنوع من الرضا الذاتي أثناء التخطيط لقضاء الليلة مع امرأة أخرى.

صدمة الذكورة وخدعة الحرية في منتصف العمر - وجهة نظر حول قصص حنيف قريشي*

للكاتبة الكرواتية فيسنا أوكيتش كوستا**

يبدو هذا اللقاء الجنسي، كغيره من اللقاءات في عالم علاقات قريشي المتقلب، وكأنه نزوة عابرة للبطل وسرعان ما ينساها، لكن الألم واليأس الكامنين وراءه لن يفارقاه طويلا. ولن يفاجئه أن ينتهي هذا الزواج بالطلاق، لينتقل كلا الشريكين على الأرجح إلى شخص آخر. مع ذلك، تضطر العديد من الزوجات السابقات والحبيبات السابقات، أو من سيطلق عليهن اللقب البغيض "سابقة"، على تحمل وطأة الانفصال في المقام الأول. يعلق في إحدى القصص، البطل، عرضا، مبديا ارتياحه بدلا من الألم الذي يشعر به المرء عند الانفصال قائلا: "يتحدث الناس عن قسوة الانفصال، ولكن ماذا عن لذته؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر إنعاشا؟" (منتصف ليل  اليوم كله، ص 48 ). بالطبع، حتى أكثر الرجال تصميما على الخيانة والهجران لا يفلتون من العقاب بهذه السهولة. فالعلاقات السابقة دائما ما تكمن وراء هذه الروايات. على الرغم من أن العلاقات الجديدة هي في المقدمة، إلا أننا غالبا ما نشعر بأن استياء وغضب الأزواج السابقين الذين أجبروا على التعامل مع الأطفال والروتين العائلي اليومي بمفردهم موجود ضمن هذه القصص بشكل عميق.

تصور القصة القصيرة "المظلة"، التي يمكن بسهولة اعتبارها تكملة لقصة "علاقة حميمة" بعد مرور عام ، بوضوح شديد طعم الحرية الذي يختبره روجر، الشخصية الرئيسية، بعد انفصاله عن عائلته. ورغم أن القصة، كمعظم القصص الأخرى التي تروى من وجهة نظر الرجل، إلا أن معاناة الانفصال لا تظهر في أي مكان آخر بشكل أوضح مما هي عليه هنا. فبعد لقاء بين زوجين سابقين (لم يطلقا بعد، إذ ترفض زوجة روجر الطلاق) أثناء رعاية ابنيهما الصغيرين بالتبادل بينهما، نصادف مجددا "عنف الانفصال" (187) الذي يصل إلى درجة "كراهية فكرية وعاطفية عميقة"، ورغبة روجر في "سحق زوجته" (190)، وأخيرا، الشجار الجسدي بينهما. وغني عن القول، إن لذة الانفصال غائبة تماما، وليست سوى وهم آخر. ويبدو أن رغبته في السعي وراء الحرية خارج نطاق الأسرة تأتي بثمن باهظ، إذ أن العلاقة السيئة للغاية مع زوجته تجعله يشعر بأنه "مجرد" من "يقينه الأخلاقي". ومع ذلك، فهو يعترف بأنه "لا توجد طريقة عادلة أو موضوعية لحل المطالب المتضاربة: مطالب الحرية - حريته - في العيش والتطور كما يحلو له، مقابل حق عائلته في وجوده الموثوق به" ( منتصف ليل اليوم كله 186).

هذا، بالطبع، هو جوهر المعضلة التي يواجهها رجال قريشي باستمرار في عالم القصص الخيالي. وتفلت فكرة الحرية، التي يتطلع إليها هؤلاء الأبطال بإصرار، منهم لأنها مثالية تماما كفكرة "العائلة السعيدة" التي سخر منها غاي بشدة في رواية " علاقة حميمة ". فالانتماء إلى علاقة، وخاصة عائلة، ليس شيئا يمكن محوه ببساطة من حياة المرء أو أن يتركه وراءه، لكن هؤلاء الرجال يميلون إلى المضي قدما بسهولة بالغة. وادعاؤهم حرية التطور في أي اتجاه يرغبون به، وتحدي مفهوم الذات الثابتة، على غرار نظرائهم الأصغر سنا في أعمال قريشي المبكرة، يبدو ساذجا للغاية، ويبدو لنا جهدا متأخرا. ومع ذلك، فإن احتمال اصطدام فكرة الحرية هذه بالعواقب الحتمية للتأطير الاجتماعي لا يمنعهم من المضي قدما. وقد رأينا في هذه الروايات القاتمة عن الحياة الحضرية في بريطانيا المعاصرة أن التنقل في عالم الحداثة السائلة والإمكانيات اللامحدودة ليس بالأمر السهل والمريح كما قد يبدو للوهلة الأولى. لا وجود لنهايات سعيدة هنا. معظم قصص قريشي بنهايات مفتوحة، وهذا ليس مفاجئا، لأنها تدور في عالم معاصر حيث تعني الحياة (والحب)، إذا عدنا إلى باومان، "عدم القدرة على التوقف، بل وعدم القدرة على الثبات". هؤلاء الرجال "مجبرون على التنقل باستمرار" ( الحداثة السائلة، ص 29) والبحث الدؤوب عن سلع جديدة تشبع احتياجاتهم، فهم عاجزون عن الاستقرار، ناهيك عن بلوغ حالة الحرية والسعادة المنشودة.

المراجع

باومان، زيغمونت. الحب السائل. دار بوليتي للنشر، 2003.

--- الحداثة السائلة. دار بوليتي للنشر، 2000.

تشالوبسكي، بيتر. "وخزة مضاءة أم أمل عار؟ الكشف عن الذات في رواية حنيف قريشي " علاقة حميمة " . دراسات برنو باللغة الإنكليزية ، تشرين الأول، ص 61-77، www.researchgate.net/publication/257364437_Prick_lit_or_naked_hope_Self-exposure_in_Hanif_Kureishi%27s_Intimacy. تاريخ النشر: 1 أيار 2019.

قريشي، حنيف. الألبوم الأسود . فابر آند فابر، 1995.

--- "برادفورد". مقالات مختارة . فابر وفابر، 2011، ص 35-57.

--- بوذا الضواحي . 1990. فابر آند فابر، 2017.

--- قصص مختارة. فابر آند فابر، 2010.

--- الحب في زمن أزرق. فابر آند فابر، 1997.

--- "الجديد في العالم؛ مقدمة إلى الألبوم الأسود ". مقالات مختارة . فابر آند فابر، 2011، ص 112-119.

--- منتصف ليل اليوم كله. فابر آند فابر، 1999.

---"الكلمة والقنبلة". مجموعة مقالات . فابر آند فابر، 2011، ص 96-104.

باييتش، زاركو. صدمة يوتوبيا الحب: حنيف قريشي وعالم بلا معجزات.  سيليبر، 1999، ترجمة بوريفوي راداكوفيتش، ص 101-08.

ساليكل، ريناتا. طغيان الاختيار . كتب بروفايل، 2011.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ملاحظات من المترجم

لا أظن أن حنيف قريشي مجهول لدينا، فقد قدمته عدة دور نشر بترجمات مختلفة، ومنها دار ورد - السورية، وذلك قبل سنوات، وحينما كان قريشي يعمل بانتظام، ولا يعاني من الحادث المؤسف الذي وقع له في إيطاليا منذ فترة، وألزمه الكرسي المتحرك. وقد ناقش ذلك في مذكراته التي حملت عنوان "محطم      .“shattered وتذكرنا المذكرات والأزمة بالهجوم على سلمان رشدي، وما ترتب على ذلك من نتائج مؤسفة كذلك. لكن كسبنا منها كتاب رشدي "سكين knife ". غير أن المقارنة بين الكاتبين ظالمة لتباعد الخلفيات وإن تشابهت الجذور وروابط العرق والدم.

فكلاهما لاجئ في أوروبا ووراءه أمة ناهضة خرجت من معطف الاستعمار ولا تزال تتعثر في اكتشاف صورتها. أما مسألة صوتها فهو أمر مفروغ منه، ويقدمه التاريخ والجغرافيا جاهزا ومسموعا.

وفي سبيل الأمانة. يجب الإقرار أن سلمان رشدي كاتب درامي بحياته، عاش في المخابئ مثل التستريين. غير أن نتاجه يتكون غالبا من مربع واحد، بمعنى بنية واحدة ورؤية متكررة. وهذا واضح منذ كتابه "جوزيف أنطون". فالخدعة كانت في المقدمة أو أول فصل، وهو تمهيد يضع مشكلته مع الفتوى في إطارها الصحيح، قبل أن يعود إلى طريقته في توليد الحكايات. وربط كل شيء بمجتمع وأرض الهند التاريخية كما فعل في "أطفال منتصف الليل" و" العار" و"شرق وغرب" وسوى ذلك. وتبقى الإشارة لضرورة نفي أي شبهة تضعه في معطف ماركيز أو الواقعية السحرية. فكتابات رشدي تخرج من تحت قبعة ساحر آخر، يذكرنا بالسرد القروسطي. وبرأيي تدور الشخصيات في حلقة مفرغة كالحكايات، ويغلب عليها روح التحدي - وهذا أسلوب اقتبسه ثم طوره من كاريزما السندباد وعلاء الدين وكابيتان. فهم فرسان هذا العصر الذي يشتعل بالحروب والفساد والرغبات المحطمة.

لكن حياة حنيف قريشي أكثر عصيانا وتهتكا. ويمكن إعادتها إلى جيل البيتBeat Generation  وبالأخص جاك كرواك الكاتب الصعلوك الذي يعيش في أعماق هوامش المجتمع ليكتشف عالم اللصوصية والعلاقات المحرمة وفقدان الوعي والمخدرات. وهو ديدن قريشي في أغلب كتاباته التي تضع اليد على عالم مذكر وآسن ويعاني من عقدة إضافية وهي العرق الغريب. ولذلك يمكن القول إن قريشي هو "عطيل" القرن العشرين، وهو "توم"، بطل رواية بيتشرستاو، لكنه غير المنتمي واللامبالي. وما يساعده على تعويم فكرته التنويع في الحبكة والأسلوب، حتى أن "بوذا الضواحي" لا تشبه على الإطلاق "جسد" ولا "علاقة حميمة". ومع أن الحواري موجودة في معدة لندن نفسها، فإن الأطعمة المقدمة لها مذاق مختلف. ونستطيع أن نلاحظ فيما سلف روح وأطياف زولا وعلى وجه الخصوص في روايته الشهيرة: نانا. والأقل شهرة: مادلين فيرا.

**فيسنا  أوكيتش كوستا  Vesna Ukic Kosta      أستاذة مساعدة في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة زادار. حصلت على درجة الماجستير من جامعة زغرب ودرجة الدكتوراه من جامعة زادار. شاركت في تحرير كتاب  "شكسبير الخالد"  (مع مونيكا بريغوفيتش، 2019) وكتاب  "الهجرات: الجوانب الأدبية واللغوية"  (مع إيفو فابيانيتش، وليديا شترميل، ومونيكا بريغوفيتش، 2019). كما أنها نشرت العديد من المقالات حول كتابات النساء الإيرلنديات والأدب البريطاني المعاصر. تتمحور اهتماماتها حول أدب القرن العشرين والأدب البريطاني المعاصر، والثقافة الشعبية، والدراسات الحضرية، والفضاء الحضري، والتصوير الأدبي للفضاء الحضري. 

مشاركة:

آخر تحديث: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الحافز..
للكاتبة النرويجية هَرْبْيورغ واسمو
ترجمة

الحافز.. للكاتبة النرويجية هَرْبْيورغ واسمو

الحافز قصة من الأدب النرويجي المعاصر هَرْبْيورغ واسمو ترجمة علي سالم عن الإنجليزية HERBJØRG WASSMO من مجموعة ( THE NORWEGIAN FEELING FOR REAL ) LEOPARD VI THE NORWEGIAN FEELING FOR REAL THE HARVILL PRESS LONDON الجو ساخن؟ في هذا الوقت من العام على الأقل. ثمَّة أشجار بأوراقٍ هائلة الحجم وبراعم تستعد…

· 26 د
إذا بِعتَ روحك

للكاتب الهولندي رول بينتس فان دن بيرخ*
ترجمة

إذا بِعتَ روحك للكاتب الهولندي رول بينتس فان دن بيرخ*

Roel Bentz van den Berg رول بينتس فان دن بيرخ ترجمة مهدي النفري (هولندا) إذا بِعتَ روحك طالما تساءلتُ عما تبيعه حقاً حين تبيع روحك. لا أعني العواقب المحتملة لتلك الصفقة بعد خصم الأرباح (كإلغاء مقعدك في الجنة، أو أهوال الجحيم، أو ما هو أكثر حضوراً في واقعنا اليومي، ثقباً أسود يتوسط كيانك، مسلوباً…

· 2 د
ارعَ إذن، أيها الكائن الرمادي 
للشاعرة والكاتبة البلجيكية روت لاسترز **
ترجمة

ارعَ إذن، أيها الكائن الرمادي للشاعرة والكاتبة البلجيكية روت لاسترز **

ارعَ إذن، أيها الكائن الرمادي روت لاسترز (Ruth Lasters) ترجمة: مهدي النفري (هولندا) شاعرة وكاتبة بلجيكية (مواليد 1979). صدرت لها عدة مجموعات شعرية منها: «خطط قابلة للطي» (2007)، «مقاييس الضوء» (2015)، «خبز النمر»، إلى جانب روايتين: «جليد القطب» (2006)، «عرق احتفالي» (2010). آه، يا حبيبي، ستملك…

· 2 د