يُعد طالب كاظم محمد إحدى الثروات الأدبية في أدب الطفل العراقي، إذ قدم "كاظم" العديد من النصوص المسرحية والأدبية للأطفال، التي امتازت بجمالية السرد، وعمق المعنى، وسهولة اللغة التي تدخل إلى عقول الأطفال وتروي قلوبهم وشغفهم المعرفي. وهذا ما جعل "طالب كاظم" يحصد العديد من الجوائز العربية والمحلية مثل جائزة مؤسسة عبد الحميد شومان، وجائزة الإبداع الثقافي الأولى، وجائزة الإبداع العراقي لوزارة الثقافة.
إن ما يهمني ويثير شغفي في أعمال "طالب كاظم" قصته (البطريق الذي أنقذ الجبل الجليدي)، والصادرة عن دار ثقافة الأطفال. فالطفل الذي يقرأ هذه القصة ويتشرب معانيها ودروسها الأخلاقية، سيختلف كثيراً عما كان عليه قبل معرفة قصة البطريق الشجاع. إذ تعد قصة ذلك البطريق حسب قراءتي التربوية والنفسية من الأعمال الأدبية التي يجب أن تُتضمّن في مناهجنا التربوية، وأن يتعلم الأطفال قصة البطريق الذي تمسك بآخر قطعة من وطنه الجليدي، ومحاولة إنقاذها من ذوبان حرارة الجنوب:
قال النورس الذي حط على قمة الجليد الصغيرة التي كانت تطفو بينما الأمواج تدفع بها إلى الجنوب حيث الشمس والحرارة الشديدة:
- ما الذي جاء بك إلى هنا؟
البطريق: أحاول إعادة وطني إلى الساحل الجليدي في الشمال!
-رد النورس: ماذا؟
البطريق: سأدفعه نحو الشمال، لن أترك وطني يذوب في المحيط، عليّ إنقاذه!

فهل لنا أن نتخيل مدى عمق هذه الكلمات؟ وكيف أنها تلهب مشاعر الطفل، وتثير مخيلته الخصبة، وتزرع في داخله حب الوطن، وتنمي لديه مشاعر الاعتزاز بهويته الوطنية.
لقد استطاع الكاتب أن يبرهن على مدى جدارته في تحقيق رؤيته التربوية والنفسية في تعليم الأطفال حب الوطن. وهذه الرؤية تتفق مع المنهج الحلزوني الذي وضعه عالم النفس "جيروم برونر"، الذي افترض (بعد التدرج والعمق) في عملية التعلم، فإذا أردنا تعليم الأطفال معاني كبرى (مثل الوطن) فإنه يجب أن نتناولها بشكل بسيط ومناسب لعمر الأطفال (مبسط وملموس)، ومن ثم نتدرج في العمق عبر المراحل العمرية اللاحقة.
وبهذا يقوم "طالب كاظم" بدفع الطفل إلى التفكير خارج الصندوق، والبحث عن حلول للمشكلات التي تواجهه، لذلك كان اختياره لحياة الحيوانات في القطب الشمالي موفقاً (مثل البطاريق والنوارس والدلافين)، ومعرفة كيف أن هذه الحيوانات تكافح من أجل البقاء على قيد الحياة والتكيف مع الظروف القاسية، مما يجعل هذه القصة درساً تعليمياً مهمّاً يختصر معنى العيش في بيئة فقيرة وخطيرة.
ويمضي الكاتب في القصة إلى مسألة أخرى في غاية الأهمية عبر حوار جميل وهادف:
- النورس: فكر للحظات قبل أن يرد قائلاً:
سأطلب المساعدة، سأخبر الجميع بقصتك وسيهرعون لمساعدتك في إنقاذ وطنك من الذوبان.
إن التمعن في هذا الحوار يجعلنا نرى قيمة الأصدقاء، وأهمية المساعدة والتعاون. فرغم شجاعة البطريق في إنقاذ وطنه، إلا أن عملية الإنقاذ لم تتم لولا التعاون والإيثار. فالعمل قد يبادر به شخص واحد، ولكن نجاحه لا يتحقق له إلا بمساعدة الأصدقاء والجماعة، مما يجعله عملاً طيباً وذا معنًى أصيلاً وخالداً.
وبهذا تعد قصة (البطريق الذي أنقذ جبل الجليد) من القصص البطولية الملهمة، التي تعلم أطفالنا حب الوطن والتمسك بقيمه ومبادئه وتراثه وهويته الوطنية.







التعليقات