كنت اشاهد فيديو عن رقصة جماعية تؤديها فرقة زرانيق بيت الفقيه في تهامة اليمن والتي ربطتني بها علاقة جيدة قبل سفري إلى فرنسا. تسمى الرقصة «الحقفة»، وهي واحدة من رقصات تهامية كثيرة تقوم على التماسك بين أجساد الراقصين والإيقاع والمكان. وسوف نحاول عرض مبسط وتأمل دلالات هذه الرقصة كنموذج لتراث ثري وساحر لكنه يعاني التهميش وقلة الدراسات حوله وقد عادت منذ سنوات عادات وتقاليد في الأعراس تجعل الرقص الشعبي جزءًا أساسيًا هامًا من طقوسها، كما لا ننسى التنويه بصمود فرقة زرانيق بيت الفقيه وشاركت في الثمانينيات في مهرجانات دولية بقيادة الفيني قويط ومنذ أكثر من عشرين خمسة وعشرين عام اعاد بعض الشباب تنظيم الفرقة بقيادة عطية وهي مستمرة في نشاطها إلى اليوم بقيادته٠
في هذه الرقصة، يبدأ الأداء بصف من الرجال يقفون متجاورين، تتلامس أيديهم أو تتقارب، ثم يشرعون في خطوات قصيرة منتظمة. لا تتحرك الأقدام عشوائيًا؛ فثمة رفع خفيف للقدم وضرب للأرض وثني متكرر للركبتين، يتزامن مع ميل الجسد إلى الأمام ثم عودته إلى وضعه المستقيم.
يظل الصف هو البنية الأساسية للرقصة. يتحرك الراقصون كأنهم جسد واحد، لكن هذه الوحدة لا تلغي الفروق بينهم. يؤدي بعضهم الخطوة بهدوء، بينما يرفع آخرون الركبة أكثر أو يهبطون بأجسادهم برشاقة بديعة إلى مستوى أقرب من الأرض. وقد يخرج أحد الراقصين بدعوة من الطبال يحرك ذراعيه وكتفيه ويحدث بينهما حوار حركي مسرحي تدخل فيه هز الرأس وتعابير الوجه وصراخ عالٍ من الفرقة والجمهور، يتقدم الطبال يتراجع الراقص ثم يتراجع الطبال ويتقدم الراقص وينهي الراقص عرضه بقفزة عالية أو تحية للجمهور ويعود لصف الفرقة. وهكذا تجمع الحقفة بين نظام جماعي ثابت ومساحة تسمح لكل راقص بإظهار طاقته وأسلوبه.
إذن لا تنفصل الحركة عن الطبل أو مجموعة الطبول ويكون هناك رئيس يوجه الفرقة وكذلك يوجد ما يشبه المايسترو يوجه الطبالين عبر الإيقاع وهز الرأس وملامح الوجه؛ نشعر أن الإيقاع لا يرافق الأجساد من الخارج، وإنما يقودها ويحدد لحظة رفع القدم وضرب الأرض والقفز والانخفاض والصراخ. وعندما يقترب أحد الراقصين من الطبال، يسخن الأداء ويكون فيه حماس وترقب ومراوغة، يسرّع الراقص خطواته أو يخفض جسده، فيجيبه الطبل بضربات أكثر كثافة كأنه يريد أن يرجعه أو يحفزه للرقص المنفرد. يصبح الطبال شريكًا في خلق الرقصة.
من المهم أن نذكر أن الحقفة تنتمي إلى جغرافيا تهامة، السهل الساحلي الممتد بمحاذاة البحر الأحمر، وهي منطقة تختلف في مناخها وتضاريسها وملابسها وإيقاعاتها عن المرتفعات اليمنية. فهذا السهل الحار والمفتوح نشأت فيه مدن وقرى ارتبطت بالزراعة والرعي والأسواق وطرق التجارة والحج. وتقع بيت الفقيه في محافظة الحديدة، على الطريق التاريخي الذي يصل مناطق الساحل بالمرتفعات وتعز. وقد تحولت منذ العصور الوسطى إلى مركز ديني وتجاري مهم، وارتبط اسمها بالفقيه أحمد بن عجيل، المتوفى سنة 1291، والذي جعل مقامه ومكانته العلمية المدينة مقصدًا للزيارة والتجمع. وأصبح للمدينة مكانة روحية وتجارية هامة.
هذه الجغرافيا ليست إطارًا محايدًا للرقصات. الأرض الترابية والساحة المفتوحة والخيمة وحلقة المتفرجين كلها نعود لهذه الرقصة وسوف نلمس وجود عناصر تدخل في تكوين الأداء. فلا تحتاج الحقفة إلى خشبة مسرح أو مبنى مغلق؛ روعتها أنها تخلق مسرحها حيث يجتمع الناس في الأعراس وموسم حفل حصاد التمور والمناسبات. المتأمل لهذه الرقصة سيدرك قيمة الفراغ الواقع بين صف الراقصين والطبال والجمهور والذي يصبح مساحة قابلة للتشكل، أي أنها تتسع عندما يخرج راقص منفرد، وتضيق عندما تعود الجماعة إلى الصف، ثم تتحول إلى دائرة أو نصف دائرة بحسب حركة المؤدين والمتفرجين.
أما الزرانيق، فهم من أبرز التجمعات القبلية في تهامة. وتشير المراجع التاريخية الإنجليزية إلى أنهم عُرفوا في مراحل سابقة باسم المعازبة، وأن حضورهم امتد طويلًا في وسط تهامة وجنوبها. كما ارتبط اسمهم كذلك بمقاومة الأتراك والبرتغال وكذلك مقاومتهم الشرسة لسلطة الإمام يحيى حميد الدين في عشرينيات القرن العشرين، وكانت النهاية إخضاعهم بعد عدة حملات عسكرية قاسية واستباح بيت الفقيه ثلاثة أيام في جريمة لم يدونها التاريخ اليمني الحديث٠
مع ذلك، لا توجد قرينة كافية على أن الحقفة حكر على الزرانيق. فقد نشرت صحيفة «يمن تايمز» عام 1999 تقريرًا عن فرقة «المعسلة» في مدينة الجراحي، ووصفت الحقفة بأنها رقصة تهامية معروفة تؤدى بواسطة ستة رجال أو أكثر. يبدأ الراقصون في صف واحد، ثم يتحركون في مسارات دائرية، ثم تتسارع أجسادهم ويهبطوا وينهضوا في تعاقب سريع. وهذا يعني أن فرقة زرانيق بيت الفقيه تمثل إحدى الجماعات التي تحفظ الرقصة وتؤديها، بينما تنتمي الحقفة إلى مجال جغرافيا تهامة الواسع.
ونود أن نذكر وننبه لنقطة مهمة وهي أن الصيغة التقليدية للحقفة تجمع بين «القصبة»، وهي آلة نفخ تشبه الناي، وطبل يسمى في تهامة «المِرفع»، يصنع جسمه من الفخار ويغطى بجلد البقر المشدود. قد لا تظهر القصبة أحيانًا بوضوح وقد يهيمن الطبل على المجال الصوتي وقد يحدث العكس، لأن الرقص الشعبي لا يعيش في صورة ثابتة؛ فقد تتغير الآلات وعدد الراقصين وتفاصيل التشكيل، بينما تبقى البنية الحركية الأساسية المتوارثة منذ عقود طويلة جدًا.
الحقفة رياضة أيضًا، ولكنها رياضة لا تنفصل عن الموسيقى والهوية التهامية والملابس البيضاء وقد يميز الزعيم نفسه بملابس سوداء أو زرقاء يعصب على شعرة أو يضع العكاوة المصنوعة من الفضة ويضع المشاقر من الريحان والياسمين.
في هذه الرقصات يحتاج الراقص إلى ساقين قويتين وقدرة على ثني الركبتين والهبوط السريع ثم النهوض، مع الحفاظ على التوازن ومواصلة الحركة. يتغير مستوى الجسد باستمرار: يبدأ الراقص واقفًا، ثم ينخفض حتى يقترب من الأرض، وقد يجثو على ركبة واحدة أو يتحرك في وضع منخفض شديد الصعوبة، ثم ينهض أو يقفز من جديد. لا تكمن البراعة في اتساع الحركة وحدها، الأكثر أهمية التفنن في السيطرة على ثقل الجسد، وفي تنفيذ الخطوة الصعبة من دون الانفصال عن إيقاع الجماعة أو السقوط وقد تطول الرقصة لنصف ساعة وأحيانًا أكثر.
وتصبح الرقصة امتحانًا للتحمل والتوقيت والذاكرة العضلية. وكل خطأ فردي يمكن أن يربك انتظام الصف، ولذلك يمارس الراقص حريته داخل قانون جماعي. أي إنه لا يكرر حركة محفوظة فقط،الأكثر دهشة أنه يصغي بعينيه وأذنيه وجسده إلى الآخرين.
تتجاوز الحقفة حدود الرياضة لتصبح مسرحًا شعبيًا مكتمل العناصر. هناك مؤدون وجمهور ومجال للعرض وإيقاع ينظم الزمن، كما توجد بداية وتصاعد وذروة وعودة إلى الهدوء.
لا يحتاج هذا التوتر إلى حكاية منطوقة أو شخصية خيالية. جسد الراقص نفسه يصبح بطل المشهد، والطبل قوة تدفعه وتختبره، والجماعة إطارًا يحميه ويراقبه ويشجعه. هذه ليست خصومة حقيقية بينهما، وإنما شراكة درامية تقوم على التحدي المتبادل. الطبل يستخرج الطاقة الكامنة في الجسد، والجسد يمنح الضربة الموسيقية صورة مرئية.
الجمهور بدوره ليس كتلة صامتة. يقف الأطفال والرجال قريبين من المؤدين، ويتحرك بعضهم مع الضربات، ويقتربون من الطبالين ومساحة الرقص. وفي تقرير «يمن تايمز» اشارة إلى أن المتفرجين يجدون أنفسهم يتحركون تلقائيًا تحت تأثير تسارع الحقفة وهذه حقيقة لمستها بنفسي. أي إنهم يمنحون الأداء رد فعله المباشر، وبنظراتهم وأصواتهم واقترابهم تتضاعف طاقة الراقص. وبذلك تنهار الحدود الصلبة بين الخشبة والصالة، ويتحول المكان كله إلى مسرح تشاركي.
في هذا المسرح الشعبي تُعرض الهوية بوصفها وتظهر في طريقة الوقوف والمشي واللباس وربط الحزام وحضور الجنبية وعلاقة الإنسان بأرضه وجماعته. في هذه الرقصة لا تتحول الجنبية إلى أداة قتال أو تلويح، تبقى جزءًا من الهيئة البصرية والاجتماعية للرجال. وتؤدي الذراعان وظيفة مزدوجة، أي حفظ التوازن وتمنحان الحركة دلالتها التعبيرية، بينما تواصل القدمان حوارهما السريع مع الأرض وهناك رقصات تستخدم فيها الجنابي والسيوف والعصي.
لهذا لا ينبغي مشاهدة الحقفة كأثر جامد من الماضي. كونها فعل حاضر تتجدد فيه ذاكرة المكان كلما اجتمعت الأجساد حول الطبل. وسنلاحظ أن الصف يحتفظ بصورة الجماعة، ولكن الراقص يحمل توتر الفرد ورغبته في التميز، ويضبط الطبل زمن العرض، بينما يحول الجمهور المناسبة إلى احتفال مشترك. ومن هذا التفاعل تتولد مسرحية الحقفة ودراميتها٠







التعليقات