تشكل قصيدة الحداثة المغربية المعاصرة بنية دينامية، تسعى باستمرار إلى تكسير الأنماط اللغوية الجاهزة واستبدالها برؤى شعرية تتأرجح بين اليومي والكوني، والواقعي والصوفي. ويندرج ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني (الصادر عن دار الدراويش للنشر والترجمة) ضمن هذا الأفق الإبداعي المتميز، حيث يشيّد الشاعر عمارته النصية على أنقاض الوجع الإنساني، متخذاً من "الحلم" والمقاومة بالحرف وسيلة للتحرر الأنطولوجي.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في تفكيك شبكة العلامات والدلالات المهيمنة على النصوص، بالاعتماد على المنهج السيميائي لتتبع حركة الرموز، والمنهج الأسلوبي لتشريح التموجات الإيقاعية والموسيقية، والإجابة عن إشكالية مركزية: كيف استطاع الشاعر تحويل فضاء "النوم" من حالة غياب فيزيولوجي إلى وعي حاد وصحو وجودي قادر على مواجهة انكسارات الواقع والتاريخ؟
في سيمياء النص
أ- العنوان أوسيمياء الاختراق الصوفي
يمثل العنوان في القراءة السيميائية "النص البؤري المصغر" والشفرة الأولى التي تفتح مغاليق النص. وفي تجربة المصطفى حناني، يصدمنا العنوان "النوم على سرير الله" بمفارقة معرفية وجمالية حادة، إذ يجمع بين لفظين ينتميان لفضاءين متباينين" السرير" بما يحمله من مادية حسية دالة على الأمان، والمأوى، و"الله" بما يمثله من مطلق غيبي، وقداسة لانهائية. وهذا الجمع في انزياح تركيبي يرفع النص مباشرة إلى مقام الرؤيا الصوفية، ف"النوم" هنا ليس خمولاً بل هو "العبور" نحو الحقيقة المطلقة. ويتأكد هذا الاختراق السيميائي في المقطع المحوري للديوان (ص 23):
تكتب بالرمش على الزجاج
طلباً عاجلاً
للمبيت في غابة السمن البلدي
والنوم على سرير الله ولو لخطرة واحدة...
وتحضر علامة السرير هنا بوصفها الملاذ الوجودي الأخير للذات الشاعرة، التي أتعبها ضجيج العالم المعاصر، فبحثت عن طهرانية صوفية تحميها من التلاشي والمحو.
فالعنوان يمثل الإشارة السميائية الأولى والأقوى في النص، حيث يقدم مفارقة رؤيوية تجمع المادي بالغيبي، من خلال علامة "النوم" وهي هنا ليست غياباً، بل هي آلية العبور إلى "الرؤيا" والانعتاق من ثقل الواقع. وعلامة " السرير" كفضاء للأمان الروحي والجسدي. فهما علامتان للامتداد الصوفي الذي يظهر جلياً في المقطع المحوري للقصيدة التي تحمل اسم الديوان ( النوم على سرير الله) ص 23 ، حين يقول:
قرأت منها "سيلفي مع اللهّ
فمزق البحر كل الظلال
وعفى عن ظلنا
وظله ....
ب- سيميائية جغرافيا المكان
وينتقل المعجم السيميائي لدى حناني بين أمكنة مغربية حقيقية (مدن ساحلية شمالية وجنوبية) (ص22)، لكنه يشحنها بظلال رمزية تحولها من فضاء جغرافي إلى فضاء نفسي: المضيق، مارتيل، الفنيدق، الموغادور: أمكنة مائية ترتبط بالبحر، والهدير، والرحيل الدائم (ص22). يقول الشاعر في قصيدة "النوم على سرير الله" (ص 22):
أضعت الوصول إلي
من "مارينا الفنيدق"
إلى "مضيق"
قلبك
الهادر بالتفاصيل
الممتلئ بصدى المواويل...
فالمكان هنا ليس جامداً، بل يحمل دلالة امتداد للجسد ولحالة العشق والشرود ، يقول في (ص68):
لم أكتب شعرا يا الألأه
إلا بعد أن نما في حوض لساني زغب كثيف
وأصابت عقلي المُفرط في الشرود صعقة الإهمال
ولوثة أبدية السؤال
ج- علامات سيميائية: ثنائية الاحتراق والمقاومة من أجل البقاء
ومن خلال تشريح الحقول السيميائية في نصوص مثل " قصائد من رماد" و" بين كلمتين غريبتين"، نجد صراعاً سيميائياً حاداً بين علامات الفناء والاحتراق وعلامات المقاومة، حيث تتكرر تيمات النار، الرماد، والقلق كرموز للتحول العنيف والانهيار الوجودي، حين يقول في نص (قصائد من رماد):
حريق
حروف من حطب
كان الغصن نديا
كيف تخلت الحنطة عن جلدها
ونفخت الريح في أوداج القلق
فأصبح الله عود ثقاب؟
البيادر مطارح من رماد
والدرّاس يذري أغنية الحمقى .(ص48)
في المقابل، ينتفض الحرف ليؤدي وظيفة سيميائية دفاعية عن الذات والأرض ضد المحو والاندثار، كما في قصيدة ( بين كلمتين) إذ تحضر علامات الثبات والمقاومة ، يقول:
يَرفَعُ الشَّعرُ أَجِنِحَةَ مِنْ دُخَانِ الْمَكَابِدِ
يَحْطُو عَلَى حَبَّاتِ الرَّملِ المُشتعلة
يُغَنِّي لِوَعْيِ الْأَرْضِ:
أنا ها هنا!
واقِفٌ لَا وَلَنْ أَنكَسِرْ (ص79)
ومن خلال جرد العلامات النصية، تتكشف لغة الشاعر عبر ثلاثة حقول دلالية كبرى تتصارع داخل النصوص، منها :
- حقل الروح والغياب (الصوفي): وتغذيه مفردات (الله، الصلاة، التراتيل، النوم، الرؤيا، الروح)، ووظيفته الفنية إعلان رغبة الذات في الانعتاق من قيود المادة.
- حقل الأرض والهوية: وتغذيه كلمات (الطين، الشجر، المواسم، الهجهوج ، النخيل) ليربط القصيدة بجذورها الإنسانية والوطنية.
- حقل الفناء والرماد: وتغذيه رموز الاحتراق والقلق (النار، الرماد، المنية)، والتي تعبر عن صدمة الشاعر أمام الواقع، حيث يقول:
ونفخت الريح في أوداج القلق
فأصبح الله عود ثقاب؟
البيادر مطارح من رماد
والدرَّاسُ يذري أغنية الحمقى (ص48)
ورغم هيمنة علامات الرماد، إلا أن الذات الشاعرة تنتفض عبر سيميائية الوقوف لتعلن المقاومة بالحرف والكلام ضد الانكسار، كما في قوله :
أنا هاهنا واقف
لا ولَنْ أَنْحَنِي إلا لعقل يرص بناء الكلام. (ص79)

موسقى النغم والوجع
يتجاوز الإيقاع عند الشاعر المصطفى حناني فكرة الانضباط للبحور العروضية الخليلية الجاهزة، ليصبح إيقاعاً حيوياً نابعاً من حركات الجسد وتدفق الأنفاس. ونلاحظ هذا التموج الموسيقي عبر مستويين:
أ- الموسيقى التراثية والمقامات الأندلسية
يمتاز ديوان المصطفى حناني بصبغته الهوياتية، حيث يوظف إيقاعات مرتبطة بالذاكرة الموريسكية والموسيقى التراثية المغربية (مثل الكناوي والآلات التقليدية)، محولاً إياها إلى علامات إيقاعية مشحونة برمزية الفقد والرحيل :
- مقامات ماية المورسكيين : يحضر هذا المقام الأندلسي الحزين ليعبر عن نوتات الشك والضياع، كما ورد في (ص 18) :
غير أعداد كسرية تسبح كنوتات زائدة
في مقامات ماية المورسكيين
والدف جلده من ماعز الماء
مهلهل كسروال صيف.
- وتر الهجهوج : يبرز هذا الوتر التراثي في تماهيه مع جغرافيا الجنوب والألم الأصيل، كما في ص 30:
وعلى حجر مرقط باللوبان الكناوي الأدهم
المعجون بالألم الأصيل
يصدح وتر هجهوج أصيلاً
يصيح نغما على عروش الأركانة العذراء.
- الذات الشاعرة والآلة الموسيقية : تتحول الذات الشاعرة سيميائيا إلى أداة لإنتاج الألم الإنساني، فالجسد في قصيدة في "مسمار لخيط الروح" مزمار والكآبة نهر، يقول وهو يتماهى مع الأدوات الموسيقية الحزينة(ص35):
جسدي مزمار
والروح تروح تائهة معلقة في الريح
نهر الكآبة عميقاً يجري في صدري
إلى أين ؟
هذا التماهي السيميائي ينقل القصيدة من مجرد تعبير لفظي إلى حالة طقوسية تشبه رقص الدراويش الصوفي في فضاء لولبي متصاعد، كما في قصيدة " كلمات وأشباح" يقول:
فتنسحق الأحلام مهشمة كقناديل ليل خانها الزيت
مهملة تحت عجلة زمن لولبي التكتكة في حقبة الهبوط
السريع ( ص 78)
فالإيقاع عند الشاعر يتجاوز الوزن ليتماهى مع حركة الجسد، متناميا مع أنفاس الرؤيا، والوجع الإنساني، وممتزجاً بالموروث الموسيقي المغربي والأندلسي الشجي كما في ( ص 18و30) . ويشكل مكونات هذا الإيقاع الآلات كرموز شعورية ، فالشاعر لا يستحضر الموسيقى كزينة خارجية، بل تتحول أدوات العزف في قصائده إلى امتداد فيزيائي ونفسي لجسده وروحه المعذبة كما في نص (لمن هذا الصوت ؟) ( ص55 و 57) فالكمان عند الشاعر وتر جريح يربط بين اللحن المتألم واللغة المتعثرة، محدثا انكسارا موسيقيا في قصيدة " كلمات واشباح" يقول:
حِينَ يَسْقُط ريش اللحن على موال لقيط في أغنية...
فلم تضبحين؟
كحبة رمل في كمّ الغبار... !
أو تترهلین كوتر متهدل
أتعبه النقر النشاز على طبلة كمان. (ص 77)
وتظهر القيثارة كصندوق ممتلئ بالتأوهات الوجودية الدافئة في قصيدة "قصائد من رماد"، فيعتبرها آلة للألم الكوني كما في (ص 48):
تُعدِّلين مزاج وتر
يتأوه في صندوق قيثارة
وترقصين على حافة جرح خفي
تخبئين دمك في الزاوية القصية
لقصيدة تبكي مجازاتها المحترقة.
ب. الإيقاع الداخلي (آلية التكرار والتكامل الصوتي)
يعوض الشاعر غياب القافية الموحدة في قصيدة النثر والتفعيلة الحرة باعتماد هندسة صوتية داخلية قائمة على التكرار المكثف للمفردات المتلاحقة، وهذا التشاكل الصوتي والتكرار اللفظي المتدفق يولد رنيناً متصاعداً، كما في قصيدة (ظل البحر) (ص 18) :
لست عارفا بفقه العرافة
ولا بحيل مقالب الكأس الأولى
في البدايات رموز شك مفكك النوايا
والنهايات !
ما النهايات ... !؟
وهذا يمنح القصيدة إيقاعا جماليا خاصا، كما في قصيدة (بين كلمتين غريبتين) ص77 من خلال تكرار الأفعال والأسماء المتلاحقة: لخلق حالة من الاختناق والسرعة الإيقاعية تشبه صدى المعارك التاريخية، مثلما نقرأ في ص 78:
يموج القول كأنه الرصاص
الفرس
السيف
الصهيل
العويل
الرايات
تتبعها زفرة المنية ويسيل
يسيل
غزيرا
أو من خلال التناغم الصوتي القصير كالتلاعب بكلمات متقاربة المخارج لتوليد النغمة العاطفية، في قصيدة( سر لا يقال) ص 65/66: حين يقول:
والعالم كله مستنقع
مرقع
مرقّط
مربع
أو قوله:
بلمسة
بهمسة
أو
حتى بدمعة تبلل يباس الريق في شفاه الأصيل.
إن الإيقاع عند المصطفى حناني ليس قالباً بحرياً جاهزاً يصب فيه كلماته، بل هو "إيقاع حيوي ونفسي" يتسع حين يحلم بالسكينة فوق "سرير الله"، ويضيق ويتحول إلى "نقر نشاز" صادم كلما اصطدمت لغته الشعرية بيباس الواقع، وانكسار الإنسان، وهزائم التاريخ ( ص 18و 48 و 77) .
المفارقات الدلالية
يُمثّل عنوان "النوم على سرير الله" عتبة نصيّة مشحونة بمفارقات دلاليّة عميقة تنزاح عن السائد والمألوف، حيث يحمل تفكيك أبعاده الاجتماعية والسياسية دلالات قوية ترتبط بالانتفاض ضد الواقع، والبحث عن الخلاص، ومساءلة الميتافيزيقا والسلطة. ويمكن تفكيك هذا العنوان إلى مستويين رئيسيين:
أ. الدلالات الاجتماعية (جدلية اليقظة والطفولة)
والدلالة هنا تعبير عن تثوير مجموعة من الرغبات الاجتماعية والنفسية التي تشكل جدلية بين اليقظة والطفولة حين تسعى إلى الهرب من الواقع، فيُحيل النوم سوسيولوجياً إلى حالة من التعب الشديد أو الرغبة في الانعزال والانسحاب من مجتمع مثقل بالإحباطات والجهل والزيف اليومي، بحثا عن الأمان والعدالة المفقودة من خلال "السرير" الذي يمثل اجتماعياً رمزاً للراحة والخصوصية. فحين يُنسب هذا السرير إلى "الله" يتحول إلى الملاذ الأخير والوحيد الذي يضمن الطمأنينة والعدالة المطلقة التي افتقدها الفرد في" سرير المجتمع" الواقعي.
فالعنوان يعكس رغبة الفئات المهمشة اجتماعياً في التسامي والارتفاع فوق واقع الفقر والبؤس، واللجوء إلى فضاء متعالٍ لا تمييز فيه ولا استغلال طبقي، فينزاح معنى النوم في قصائد المصطفى حناني إلى حالة من الصحو الروحي الاستثنائي. فالسرير هنا ليس مكاناً للاستسلام، بل هو فضاء لاستفاقة "الطفل الرمزي"(طفل الله)، لاستعادة براءة المجتمع ونقائه الأول في مواجهة زيف العلاقات الاجتماعية اليومية. كما يُمثّل "سرير الله" اجتماعياً الحاضنة الكونية الشاسعة التي يتساوى فيها الجميع، بإعادة الاعتبار للإنسان والأمكنة المغربية، ويستخدم الشاعر هذا المفهوم لتجديد الحب للهوية والأرض، وإعادة قراءة تفاصيل الهامش الاجتماعي والمحلي في الفضاء المغربي، من خلال لغة الروح في مواجهة المادية. ويعتبر الاستلقاء في هذا الفضاء الروحي رغبة اجتماعية في التحرر من قيود المادية المفرطة، والعودة إلى قيم التضامن الإنساني البدئي الفطري.
ب. الدلالات السياسية (حوارية الأنا والآخر والتاريخ)
وتتمثل في مواجهة الاستبداد والسلطة، فالعنوان يحمل نبرة احتجاج سياسي مضمر. فالنوم على "سرير الله" هو تجاوز وتحدٍّ للأسرة والسلطة السياسية. وهو إعلان صريح عن سقوط شرعية الحكام الأرضيين والبحث عن مرجعية عليا تحمي المحكومين من " مكر السياسة"، وفي ذلك شعور باغتراب سياسي جريح يدفع الذات إلى استحضار القضايا العربية والاحباطات الوطنية، كفضاء للحرية النسبية في مواجهة القمع ومصادرة الآراء على الأرض.
والعنوان بما أنه يحمل علامة لسانية" سرير الله"، يشكل طاقة ثورية وتفكيكية تعيد استخدام المشترك الديني المقدس لقول خطاب محبة أو تمرد ناعم، مما يستفز الوعي السياسي والفكري التقليدي ويدعوه لمراجعة البديهيات. فالتواجد على "سرير الله" هو دعوة فكرية وسياسية صريحة صاغها الشاعر لإعادة قراءة التاريخ، وتسريع وتيرة الإصلاح، إنها مساءلة سياسية للتاريخ لإعادة بناء منظومة القيم على الأرض، وأن النوم ما هو إلا احتجاج على بطء التغيير السياسي والاجتماعي.
ويمكن استخلاص حوار العقل المغربي والآخر الغربي، من منطلق إيديولوجية بريئة تسعى إلى "مسرحة" الحياة المشتركة. إنها محاولة سياسية وثقافية لمحاورة العقل الغربي والشرقي معاً من موقع التكافؤ الإنساني. ف"سرير الله" يتسع لجميع الثقافات بعيداً عن صراعات المركز والهامش، أو تفوق شمال الأرض على جنوبها. هكذا يغدو السرير هنا ملجأً للعقل والقلب. والقصيدة عند المصطفى حناني تغدو ضميراً حياً يسعى لخلخلة السكون الفكري، ومواجهة أشكال القمع من خلال لغة متعالية تتجاوز رقابة السلطة الأرضية لتخاطب العدالة الكونية مباشرة.
المقدس في الديوان
يتخذ توظيف المقدس في ديوان " النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني أبعاداً جمالية وفلسفية مغايرة للأنماط التقليدية. ولمعرفة تميز تجربته، يمكن عقد مقارنة بين رؤيته ورؤى مدارس واتجاهات شعرية مغربية أخرى في تعاملها مع الثنائية (المقدس / الدنيوي) في الشعر المغربي المعاصر...
إن الشاعر المصطفى حناني في ديوانه" النوم على سرير الله" يجعل من المقدس قيمة إنسانية عفوية، ترتبط ببراءة الطفولة والتواصل الكوني، وقد وظف المقدس لمسرحة الحياة المشتركة ومحاورة الآخر الغربي والشرقي لايجاد فضاء إنساني متكافئ، موظفا بلاغة الانزياح الدلالي والمفارقات المقلوبة حين يجعل النوم يتحول إلى يقظة لغوية، جاعلا من علاقة المقدس بالواقع المحلي جولة نقدية (سوسيو-ثقافية) في الأمكنة المغربية (مازاكان- آسفي – مراكش- موكادور) وذلك لخلخلة وجودها، ومساءلة تاريخها...
أما عند محمد السرغيني وأحمد بلبداوي فنجد اتجاه صوفيا رؤيويا، يستمد قوته من المقدس الغنوصي والعرفاني الميتافيزيقي والوطني الغارق في الرموز والإشارات الروحية الغامضة، فأمسى التسامي بالذات، عندهم بابا للانفصال عن الواقع المادي المأزوم نحو المطلق والاتحاد الصوفي، موظفين لغة المتصوفة (ابن عربي ، النفري) واستخدام الشطحات والرموز الإشارية، التي تجزيء المكان وتحوله إلى جغرافيا روحية متخيلة تتجاوز جغرافيا الواقع الملموس.
في حين اتجه عبد اللطيف اللعبي وأحمد المجاطي اتجاها ثوريا واقعيا، جعل المقدس ذا طبيعة إديولوجية تاريخية، باستحضار ألفاظ الشهيد والأرض والقضية، كبديل للمقدس الغيبي، وهدفهم تثوير الجماهير ومواجهة الاستبداد الاجتماعي والسياسي برموز دينية محوَّرة. فاستخدموا التناص التاريخي والأسطوري كتوظيف شخصيات الحسين أو كربلاء، أو الأنبياء كرموز ثورية. وربطوا المكان بالمعاناة السياسية اليومية والاعتقال والفقر والنضال الطبقي.
إن ما يميز المصطفى حناني هو أنسنته للمقدس، في حين يميل بعض الشعراء المغاربة إلى إبقاء المقدس في برجه الغيبي البعيد أو استدعائه عبر طقوس الخوف والرهبة، فالمقدس عند شاعرنا ينطلق من فطرة تقريبه وجعله دفئاً حاضناً ك"السرير"، مما يمنح الذات الإنسانية والروح الطفولية فسحة آمنة للتعبير عن حقائقها. فهو لا يستخدمه لفرض وصاية فكرية أو دينية، بل يوظفه كقوة ناعمة و"إيديولوجية بريئة" تفتح باب الحوار النقدي مع العقلين المغربي الشرقي والأوروبي معاً، بعيداً عن صراع الحضارات التقليدي. وقد حقق هذا عند الشاعر يقظة لنقد الذات والمجتمع، ولم يكن المقدس عنده هروبا من الواقع، بل ضميرَ القصيدة، المحفزَ على إعادة قراءة التاريخ وتفكيك المدن المغربية كنصوص مركبة بحاجة إلى التغيير والإصلاح.
ولا تتحرك تجربة المصطفى حناني في ديوان "النوم على سرير الله" معزولة عن سياقها التاريخي والجمالي، بل تلتقي وتتقاطع في أبعادها الإشراقية مع تجارب رواد قصيدة النثر الصوفية في المغرب، والذين جعلوا من الحرف طقساً للعبور والتسامي الروحي.
فبين تجربتي المصطفى حناني وأحمد بلحاج آيت ورهام - باعتباره أبرز من وظفوا المعجم الصوفي العرفاني في قصيدة النثر المغربية -، نجد اشتراكا في الاتكاء على لغة الكشف والإنصات للداخل. فإذا كان آية وارهام يغوص في "الحيرة الدائمة"، يلوذ حناني بـ "النوم على سرير الله" للهروب من قسوة المادة. ويختلفان في كون الصوفية عند آية وارهام مغرقة في التجريد الفلسفي والعرفان المحض، والصوفية عند المصطفى حناني "صوفية واقعية ملتصقة بالأرض" حين يمزج الروحاني باليومي، والقدسي برائحة المدن الساحلية وأشجار النخيل وجغرافيا الجنوب.
ومن جهة أخرى يلتقي حناني مع تجربة الشاعر محمد بنطلحة في مستويات التشكيل الجمالي، يتشابهان في الاعتماد على آلية الانزياح الصادم وكسر أفق توقع القارئ عبر تراكيب لغوية غير مألوفة، تجعل من الغيبي والمادي فضاءً واحداً. وما كان من اختلاف يعود لميل قصيدة بنطلحة إلى النخبوية البلاغية والغموض السريالي الكثيف، في حين تتميز قصيدة حناني بالتدفق الإيقاعي الحار المنبعث من عمق الفولكلور والموسيقى التراثية المغربية (كالكناوي والأندلسي)، مما يجعل إشراقاته الروحية أكثر حميمية وقرباً من الوجدان الجمعي.
خاتمة
لقد نجح المصطفى حناني في ديوانه عبر شبكة دلالية معقدة في جعل "سرير الله" بؤرة رمزية تختزل الرغبة في التحرر التام من البلاغة التقليدية المقيدة والموت اليومي. فديوان الشاعر وثيقة جمالية حداثية تدمج اليومي العابر بالصوفي الروحي، بحثا عن الطمأنينة والوجود الحق، مع الرغبة في تحويل المكان من بعده الجغرافي الصامت إلى فضاءات دلالية مشحونة بأسئلة الهوية، والذاكرة الموريسكية، ومقاومة الفناء. فأثبتت البنية الموسيقية عند الشاعر أن الإيقاع في التجربة الشِعرية الحديثة لا تنفصل عن الحالة النفسية والشعورية للذات الشاعرة، حيث تداخلت نغمات المقامات الأندلسية العريقة وأوتار الهجهوج التراثية لتعميق الإحساس باغتراب الذات وقلقها الكوني. وبذلك، يمثل هذا الديوان إضافة نوعية ومتميزة للمشهد الشعري المغربي والعربي المعاصر، كونه يفتح باب التأويل على أكثر من دلالة.







التعليقات