د.نجمان ياسين، المؤرخ الذي جعل من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي العربي الإسلامي مشروعًا معرفيًا، ومن الشعر والرواية فضاءً آخر لاكتشاف الإنسان. في هذا اللقاء، لا يتحدث عن ذاته بوصفها يقينًا مكتملًا، بقدركونها سؤالًا مفتوحًا؛ عن الحقيقة التي لا تُمتلك كاملة، والحرية التي تستحق أثمانها، والطيبة في عالم يفتقد النقاء، والأمل الذي يستطيع أن يتفتح حتى في الجحيم.
في هذه الوقفة.. حاولنا الاقتراب من تجربته، حيث تتجاور المعرفة مع التأمل، والتاريخ مع الأدب، وتظل أسئلة الإنسان أكبر من أن تُغلق بإجابة واحدة.
* من أنت؟ ومتى تقول: أنا هو أنا؟
- أنا كاتب صاحب رسالة، ومؤرخ له مشروعه الخاص في تدوين التاريخ الاقتصادي والاجتماعي العربي الإسلامي. أقول: «ها أنذا» في حالة نطقي بالحق والتصالح مع نفسي.
* متى تتساءل: متى أعرف ذاتي؟
- كل يوم أتساءل عن إمكانية معرفة جوهر أعماقي. أنا في لحظة تساؤلات لا تهدأ بما يخص اكتناه وفقه ذاتي؛ فالإنسان قارة أبدية الغموض، قارة يصعب أن تكتشف كليًا.
* وبماذا تعرف غيرك؟
- أعرف غيري عبر القراءة، وأعرفه من خلال الخبرة والمعايشة.
* وكيف يمكنك معرفة جوهر الأشياء؟
- صعب، إن لم يكن من المستحيل، إدراك جوهر الأشياء والإمساك به. وفي أفضل الأحوال يمكن لنا، بوصفنا بشرًا، أن نقترب من جوهر الأشياء من خلال البحث والتأمل والاستعانة بمعطيات العلم.

* هل من الممكن أن تصل إلى الحقيقة الدامغة؟
- ليس المهم الوصول إلى الحقيقة الدامغة؛ فالحقيقة نسبية. والأكثر أهمية أن نواصل خطانا وسعينا لنمسك ببرق الحقيقة.
* ماذا علمتك الدنيا؟
- علمتني الدنيا أن أزداد طيبة في عالم يفتقد النقاء بشكل عام، وأن أكون سخيًا؛ لأن الكرم يريح قلبي.
* وماذا عن الأيام؟ هل كانت قاسية عليك؟ هل عذبتك؟
- الحياة فيها ظلال وألوان. عرفت شقاء وبؤس وعذاب الأيام، وعرفت بهجة ومتعة ولذة ونعمة الأيام. وفي هذه الثنائية يكمن الكثير من معنى الحياة.
* ما هو سبيلك لمحاكاة الواقع؟
- أنا لا أحاكي الواقع ولا أستكين له؛ لأنه شائك وملغوم ويفتقد التوازن. الحق أنني أعمل على خلق واقعي الآخر الجديد: واقع الحلم والحب والحرية.
* عندما تريد أن تكون حرًا، ما ثمن الحرية التي تريد؟
- الحرية أكبر من أي ثمن؛ فهي نداء الروح الطهور، وفيها نتحقق ومن أجلها نحيا. قد يلحقنا الأذى البليغ، وقد نفقد حياتنا في بحثنا عن الحرية. وجودنا لا يكتمل إلا بالحرية، وهي تاج إنسانيتنا وشرف إبداعنا.
* وكيف تؤسس لفكرة عدم نسيان النسيان؟
- النسيان نعمة أحيانًا، وسبيل إلى مغفرة أخطاء الآخرين. يمكن للزمن أن يقود إلى النسيان، ولكن الزمن لا يأخذ معه الذاكرة التي تخاتل وتراوغ الزمن بطرائقها الخاصة.
* لماذا تعاني القلوب الطيبة؟ ولماذا يحاصرها الشر؟
- قدر القلوب الطيبة أن تعاني. ومرة قال الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف: "كلما ازداد نقاء المرء ازداد حزنًا وألمًا".
* الخير والشر؟ هل من حل وسط بينهما؟
- مسألة الخير والشر ثنائية مربكة ومعقدة. بالنسبة لي، الخير يكمن في إحساسي بشقاء وعذاب الآخر، والشر يتجسد في إغماض العين عن معاناة وحرائق الآخرين وعدم الإحساس بهم. ولذا فأنا منحاز إلى مد يد العون والمحبة لمن يحيا في جحيم الدنيا. ولي أن أؤكد أنني لم ألحق الأذى بأي إنسان؛ لأن من يظلم إنسانًا يرتكب شرًا مستطيرًا.
* أيّ الدموع تستفزك؟
- تستفزني وتشجيني دموع طفل يتيم منكسر العينين، وتؤذيني دموع شيخ أو امرأة مسنة فقدا الأحباب. وكانت دموع أمي تدمرني.
* متى نحتاج الحقيقة؟
- نحن نحيا من أجل الحقيقة، ولذا نحتاجها دومًا؛ فهي دليل قلوبنا إلى النور.
* وكيف نصل إليها ؟
- لا وصول إلى الحقيقة كليًا. الوصول يعني غياب روح البحث والمغامرة العقلية. ولذا فأنا أرى أن الشروع في الوصول لاكتشاف شيء من الحقيقة هو الأساس؛ فهو يمنحنا لذة مواصلة هتك بعض الحجب والغموض، ونظل في حالة بحث وتحفز، وليس في استرخاء الوصول.
* ومتى نُماطل في قول الحقيقة؟
- ليس كل إنسان بمقدوره أن يماطل في قول الحقيقة وفق قناعاته. بما يخصني أنا، أنظر إلى من يماطل في قولها على أنه مخلوق فقد كبرياء روحه وكرامة عقله.
* متى ينهزم الأمل بداخلك؟
- لا يمكن للأمل أن ينهزم في داخلي إطلاقًا. وقد صرحت في أكثر من شهادة أو لقاء في التلفاز بقولي: «الأمل وردة بمقدورها أن تتفتح في الجحيم.»
* خاطب نفسك. ماذا تقول لها؟
- اعتدت أن أخاطب نفسي بقولي: كن كما أنت، ولا تكن غيرك.
* كم شاعرًا في رأسك؟
- هنالك عشرات، إن لم أقل مئات الشعراء في رأسي، وهم ينتسبون إلى مختلف العصور والحضارات، شرقية كانت أم غربية. الشعراء الكبار هم إخوتي بالدم.
* لمن تقول: قل خيرًا أو اصمت؟
- أقول للفاسد ماليًا، وللغبي، وللعميل الأجير الذي باع وطنه، وللحرباء: قل خيرًا... أو اسكت.







التعليقات