محمد الزبيري فنان تشكيلي وكاتب وباحث مغربي، من مواليد سنة 1966، حاصل على دبلوم المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان. راكم، على امتداد تجربته الفنية والإبداعية، مسارا متنوعا يجمع بين الممارسة التشكيلية والكتابة والخط العربي ، والبحث، وأسهم من خلاله في مقاربة عدد من القضايا المرتبطة بالفن التشكيلي العربي وأسئلته الجمالية والفكرية.
خاض الزبيري تجارب فنية متعددة، وشارك في معارض داخل المغرب وخارجه، مساهما في تقديم تجربة تشكيلية تنفتح على أسئلة الصورة والذاكرة والهوية، وتتفاعل مع التحولات التي عرفتها الممارسة التشكيلية المعاصرة. ولم تقتصر تجربته على الجانب الإبداعي، بل امتدت إلى مجال البحث والنقد التشكيلي، حيث انشغل بدراسة الظواهر الفنية وتحليل التجارب التشكيلية، وحاز عدة جوائز عربية في مجال البحث النقدي التشكيلي.
وإلى جانب تجربته في الفن التشكيلي، راكم محمد الزبيري تجربة في الكتابة، له مؤلفات في الشعر والرواية والنقد، فضلا عن مقالات ودراسات منشورة في عدد من الصحف والمنابر العربية، وهو ما يعكس تعدد اهتماماته وانفتاح مشروعه على أكثر من مجال إبداعي ومعرفي.
وتتأسس تجربته على حضور واضح لأسئلة التراث والهوية والذاكرة البصرية، وعلى محاولة فهم العلاقة بين الموروث والتعبير الفني المعاصر، وكيف يمكن للفنان أن يستلهم التراث دون أن يتحول إلى مجرد استعادة للماضي، بل يجعله منطلقا لإنتاج رؤية جمالية جديدة تنفتح على الحاضر والمستقبل.
وبين الفنان الذي يمارس التشكيل، والباحث الذي ينشغل بأسئلة الفن، والكاتب الذي يمنح أفكاره لغة خاصة، يقدم محمد الزبيري تجربة متعددة الأبعاد، تلتقي فيها الصورة بالكلمة، والإبداع بالبحث، والذاكرة بالمعاصرة.
وفي هذا الحوار، نقترب من تجربته الفنية والنقدية، ونفتح معه مجموعة من الأسئلة المتعلقة بمساره الإبداعي، ونظرته إلى الفن التشكيلي، وعلاقته بالتراث، وموقع الفنان العربي في المشهد التشكيلي المعاصر، فضلا عن تجربته في الكتابة والبحث والنقد.

* حين نضع تجربتك أمامنا، نجد الفنان التشكيلي والخطاط والناقد الفني في شخص واحد. كيف تشكل هذا التداخل لديك؟ وهل ترى أن هذه المجالات الثلاثة تتكامل أم أن لكل واحد منها منطقه الخاص؟
- بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بداية أشكركم على هذه الفسحة التي فتحتموها أمامي، والتي هي في الحقيقة نافذة نطل من خلالها على عالم الفن وحدائق فلسفته، كما تتيح لنا التطلع عبرها إلى ماضي الفن وحاضره ومستقبله؛ ولو بنظرة سريعة! كما أنها في نفس الوقت نافذة ومرآة مكنتني شخصيا، من أن أسترق النظر من خلالها ـ ولو لهنيهة ـ إلى الذات المبدعة، وأستبطن تجربتها، وأتوقف باختصار عبرها عند بعض المواقف والمحطات والأحداث، التي مرت بها تجربتي المتواضعة.
في الفن عموما، وفضلا عن الموهبة التي هي منحة ربانية تولد مع بعض الناس؛ تتداخل وتتشابك عدة عوامل ومؤثرات أخرى، اجتماعية ثقافية بيئية فاعلة، في تكوين شخصية الفنان؛ لتصنع منه مبدعا بهذه المواصفات أو بتلك. حيث تلعب التنشئة الأسرية والوسط التعليمي المحفز أو المثبط، دورهما في صقل وتنمية ورعاية وتنمية وتفتح تلك الموهبة الفنية، أو كبتها وقمعها.. فيكون كل ذلك فاعلا أساسيا في بروز تلك الموهبة أو ضمورها. لكن وفي بعض الحالات الاستثنائية، عندما تكون تلك الموهبة قوية، والرغبة الفنية أكيدة لدى طفل اليوم وفنان الغد ـ حتى لو لم تجد موهبته البيئة الملاءمة لنموها ـ تتجاوز كل المثبطات، وتخترق كل الحواجز والقيود التي قد تضعها البيئة الاجتماعية، والتقاليد المحلية السائدة أمام الفنان؛ فتتحدى تلك الموهبة الأكيدة كل هذه العراقل، وتفرض ذاتها. وهذا في حالات نادرة.. وأعتقد أن هذا ما حدث بالنسبة لي.
فقد فتحت عيني في وسط محافظ، ربما لا يعرف هذا النوع من الفن، بل ويمجه ويمقته، ويعتبره حراما. وقد فصلت القول في ذلك في كتابي "أزمة الهوية في التشكيل العربي ـ المغرب نموذجا"، الصادر سنة 2019 بدعم من وزارة الثقافة بالمغرب. حيث ولدت ونشأت في أحضان أسرة محافظة، في قرية جبلية من قرى جبل صرصار، محاطة بطبيعة خلابة ومناظر رائعة، جعلتني منذ الطفولة الأولى، أنبهر بهذا الجمال المبثوت حولي؛ فأنشغل بمراقبة الجبال والتلال و والبساتين والمساكن البسيطة، والحقول والأشجار والمياه المتدفقة.. وانعكاسات الأنوار والأضواء الطبيعية المتباينة والمتعاقبة عليها، وبل وحتى شغفت بمراقبة وتتبع السحب وأشكالها وألوانها المتغيرة في السماء، على مدار ساعات الليل والنهار.. فكنت أستمتع بكل ذلك وأحس بوقعه الجميل في نفسي!
وكعادة أهل قريتي كما القروى المجاورة، لابد أن يحمل الطفل وهو في سنواته الأولى إلى الكتاب، ليوضع أمام الفقيه، وليبدأ بتعلم الأبجدية بالطريقة التقليدية، ثم يشرع في حفظ القرآن الكريم. ومن هنا كانت الانطلاقة؛ حيث بدأت أكتشف جمال الحروف العربية الغضة الطرية، التي أخطها على اللوح الخشبي، بقلم القصب، وبمادة كنا نسميها (السماق)، والتي تصنع من صوف الغنم المحروق، فتتخذ لونا بنيا جميلا، كان يشكل في حد ذاته إغراء جماليا بالنسبة لي، والذي كنا نكتب به على اللوح الخشبي، بعد أن نغسل هذا اللوح طبق طقوس معينة، ونطليه بنوع خاص من الطين (الصنصال)؛ وبعد أن يجف يصير اللوح أبيضا جميلا، ثم نكب عليه بتلك المادة الصمغية ما يمليه علينا الفقيه من ما تيسر من كتاب الله لنحفظه.. وكان هذا اللوح هو الفضاء اللإبداعي الأول بالنسبة لي؛ حيت كنت أرى مساحته البيضاء دعوة صريحة لي، لأملأها بالرسوم والتصاوير المختلفة، التي لم أكن أعرف حتى انها تسمى رسما! حيث كنت أحفظ ما أكتبه على لوحي مما يمليه علي الفقيه بسرعة، إذ كنت سريع الحفظ بشهادة الجميع آنذاك بما فيهم الفقيه رحمه الله؛ ثم أشرع في الرسم على ما تبقى من فراغ في سائر هوامش اللوح. مدفوعا برغبة لم أكن أجد لها تفسيرا ولا أقوى على مقاوتها! وكان يفسرها الآخرون باللعب. فقد كنت أجد متعة كبيرة في تلك الرسوم التي كنت أنجزها على هذا اللوح الخشبي؛ حيث تتداخل الكتابات والحروف بالرسوم والزخارف والأشكال التي أرسمها عليه، بما فيها وجوه وأشكال آدمية وحيوانية ونباتية...مدفوعا برغبة جامحة لا أستطيع كبحها؛ رغم يقيني بأن الفقيه سيغضب عندما يراها وسيعاقبني عقابا شديدا! لكن رغبني في الرسم كانت أقوى من أن تردع؛ بل صرت من فرط ولهي بهذا الشيئ الذي لم أعرف حتى اسمه، أرسم حتى على ألواح الآخرين لما يمتلأ لوحي من كلتا الجهتين؛ وكان يشتكيني زملائي للفقيه، فتكون العقوبة مضاعفة! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل صارت جدران المسجد من الخارج، الناصعة البياض، تغريني بالرسم عليها؛ فصرت أرسم عليها بالفحم وجوها ورسومات كبيرة الحجم، الشيئ الذي يستنكره سكان القرية الذين يعرفون من الفاعل؛ فيشتكون أمري للفقيه الذي يستنكر بدوره هذا الفعل الحرام، فيعاقبني عقابا شديدا! ورغم ذلك كنت لا أستطيع كبح جماح ذاك الدافع داخلي، الذي يدفعني للخلط بين الرسوم والحروف على لوحي وعلى جدران مسجد القرية، رغم علمي المسبق بالعقوبة القاسية التي سأتعرض لها.. ومن طريف ما قد يذكر في هذا الباب، أنني في كتابي الآخر الصادر سنة 2019 تحت عنوان: "بحث في مناهج التربية الفنية وشخصية التشكيل العربي"، كنت قد أشرت إلى ذلك في مطلعه؛ إذ من بين الأشخاص الذين خصصتهم بإهدائه والشكر لهم، هذا الفقيه. حيث جاء في الصفحة الرابعة منه: "كما أخص بالشكر شيخي رحمه الله! ذاك الذي حفظت على يديه كتاب الله وأنا طفل صغير! والذي كثيرا ما نهاني عن حب الرسم بقوله: "حبان في القلب لا يجتمعان! اختر الرسم أو القرآن!" له أقول: شكرا شيخي الجليل! رحمك الله! وهاهو تلميذك ـ بفضل الله ـ قد جمع بين الإثنين!"
ولعل مرحلة المسيد تلك، قد تشكلت خلالها ملامح الصورة الأولى لذاك التداخل الذي أشرتم إليه في سؤالكم عن سر هذا التداخل لدي بين الخط والرسم في تجربتي التشكيلية المتواضعة. أما عن النقد الفني فلا أخفيكم أنني لا أعتبر نفسي ناقدا، بل أذكر لكم بالمناسبة أن الصديق التشكيلي المغربي عبد الله الرامي كان قد طلب مني مرة، كتابة كلمة تقديم لأحد معارضه، لتتصدر كتيب ذاك المعرض؛ فكتبتها وختمتها باسمي. ولما أطلعني هذا الصديق عليها في نموذج الكاتلوج، لاحظت أن كلمة الناقد قد أضيفت إلى اسمي في آخر المقال؛ فطلبت من الفنان إزالتها، وقد أزالها بالفعل؛ لأنني بكل بساطة لا أعتبر نفسي ناقدا. بل فنانا يعبر عن رؤاه وقناعاته الفنية، انطلاقا من تجربته التشكيلية الطويلة. لأن النقد في نطري علم وفن آخر له، شروطه وأسسه وأدواته ورجالاته، الذين أفنوا أعمارهم في محرابه؛ وليس من السهل أن يزعم كل من كتب مقالا عن الفن أنه ناقد. فتلك مهمة ليست بالسهلة... وبالمناسبة يمكن القول أن من معضلات النقد الفني عندنا، سواء في المغرب أو في سائر البلدان العربية، هذا التطاول على عالم النقد؛ حيث يزعم بعص الكاتب الصحفيين أو بعض الأدباء، أو كل مَن كَتَبَ مقالا عن فنان أنه ناقد! وتلك مغالطة كبرى. أما بالنسبة لي فإن الكتابة في مجال الفن، قد أتت نتيجة شغفي بالمطالعة عموما، وإدماني على القراءة الفنية المتخصصة والمتنوعة. فالكتابة عندي ليست سوى صورة أخرى للتعبير، سوى التعبير بالريشة واللون. فالكتابة الجمالية لدي أتت من رافدين اثنين؛ من مجال دراستي وممارستي للفن التشكيلي لأزيد من أربعين سنة؛ حيث أستطيع أن أزعم أنني فنان تشكيلي، لكني لم أزعم قط ولو مرة أنني ناقد فني، لإدراكي ماذا يعنيه هذا المصطلح، وما يترتب عن إسقاط هذه الصفة على شخص ما.. كل ما في الأمر أن التعبير بالريشة واللون لدي، قد لا يكون كافيا في بعض الحالات، وقد لا يفي بالغرض أحيانا، بل قد لا يسمح الزمان والمكان ولا حتى المقام بذلك أحيانا، فألجأ للتعبير بالكتابة الفنية في بعض المواقف، عندما أرى ذاك الجنس الأدبي أو الفني، هو الأقدر على تبلغ الرسالة التي أروم بثها، وإن كان التشكيل هو مجالي الأساسي. فأجدني كمن يتفيأ ظلال حديقة غناء، متنوعت الأشجار والأزهار، وعند كل زيارة لها تتوق نفسه إلى تفيئ ظلال شجرة مختلفة من أشجارها؛ قد تكون شجرة التشكيل، أو شجرة الرواية، أو شجرة الشعر، أو شجرة الكتابة الجمالية... هذا بتصوير بسيط ما أقوم به وأرتاح لفعله في مجال الإبداع.. وهكذا نشأت هذه المعادلة الثلاثية التي أشرتم إليها لدي، والتي يصعب الجمع بين أضلاعها!. لكن تبقى دوحة الفن التشكيلي هي الدوحة الأم بالنسبة لي.
* ماذا يعني لك أن تكون فنانا في زمن أصبحت فيه الصورة متاحة للجميع، وأصبح إنتاجها لا يحتاج بالضرورة إلى موهبة أو تكوين فني؟
- إن أي تقدم في أي مجال مهما كان ـ فضلا عن إيجابياته ـ لا يخلو من نتائج قد تكون لها انعكاسات سلبية بوجه أو بآخر، على ميدان من الميادين. وإن مؤازرة التيكنولوجيا والطفرة الرقمية للصورة في عصر الصورة هذا، بقدر ما سهلت وسائل الاشتغال على الصورة وتطويرها وأسهمت في سرعة انتشارها، بقدر ما كادت تجعل الفن مبتذلا ومهملا إذا لم نقل متجاوزا بوجه من الوجوه. صحيح أن الفن الرفيع في عالمنا العربي، قد وجد نفسه في محنة ومزاحمة وتدافع غير متكافئ جراء ذلك، لكن هذا لا يظهر بحدة أكبر وبصورة جلية ومقلقة، إلا في المجتمعمات المتخلفة ثقافيا. إذ لا يعاني لا الفنان ولا المتلقي في المجتمعات الغربية الراقية ثقافيا من آثار ذلك، بنفس الحدة التي نعانيها فيما يعرف بالعالم الثالث عموما؛ حيث يفضل بعض المتلقين لدينا اليوم، الصورة الآلية المعالجة بتقنية عالية، على اللوحة التشكيلية المنتجة من طرف فنان تشكيلي محلي أو أجنبي، بألأساليب والمواد والمواصفات المتعارف عليها فنيا! وهذا جعل الصورة تعمق أزمة الفن التشكيلي لدينا، والذي يعاني أصلا من سلسلة أزمات متساتلة على أكثر من صعيد.. فلا يصمد أمام هذا الوضع المختل من الفناين إلا من كان يتنفس الفن ويعيش له وليس به.. ولا أريد أن يسفهم من قولي هذا أنها نهاية زمن الفن أو موته كما يقولون؛ بل يعلمنا التاريخ أن الفن قد يضعف أو يضمر قليلا، لكنه لا يموت ولا ينتهي، مهما كانت الظروف المحيظة به؛ لأن حاجة الإنسان للفن سواء للتعبير به أو لتلقيه حاجة دائمة وأبدية.

* في تجربتك التشكيلية، ما الذي تبحث عنه قبل أن تبحث عن الجمال؟ وهل يمكن أن يكون العمل الفني العظيم هو ذلك الذي يترك سؤالا أكثر مما يقدم إجابة؟
- في نظري المتواضع إن الفن قبل أن يكون مضمونا أو رسالة، أو حتى تجربة جمالية فريدة، أو وسيلة راقية للتعبير البصري، وإن كان لا يخلو من كل ذلك؛ هو قبل كل شيئ لدي على الأقل، بحث عن انسجام ذاتي، وسعي دائم وراء سلام داخلي، وبحث عن توافق شبه مفقود مع العالم الخارجي، وتلبية متواصلة لنداء روحي.. كحالة خاصة أعيشها؛ قد تكون شبيهة إلى حد ما، بتلك التي كثيرا ما عبر عنها الفنان الهولندي فان جوخ، في عدد من رسائله لأخيه تيو؛ معتبرا أن الفن علاجه ودواءه الخاص، وقوة دافعة ومحفزة له على البقاء ومقاومة اليأس! كي أصل من خلال الممارسة الفنية إلى ذاك النوع من التوازن النفسي المنشود. لأنني أعتقد أن المد القوي لبحر الفن الحق، عندما تداهم خيول الإبداع المنطلقة منه جوارح الفنان، لا يملك إلا الإذعان، والاستجابة لجبروت ذاك النداء الداخلي؛ فيعمد الفنان إلى تأبط أدواته المناسبة، سواء أكانت ألوانا، أو إزميلا، أو غيره؛ مدفوعا بطاقة غريبة، ليعالج مادته بصدق وحماس، حسب أصول الفن، غير آخذ في الحسبان إرضاء الآخر؛ واضعا نصب عينيه فقط النجاح في تفريغ تلك الطاقة بالشكل المناسب وعبر القناة المناسبة؛ من خلال تصريف مشاعره وأفكاره، وبسط رؤاه التي يفترض فيها أن تأتي على نحو جيد, عبر تلك المادة التي تتحول إلى فن؛ ليخرجها في قالب جمالي معين، تألفه الروح، وترتاح إليه العين، وترتضيه الذائقة الجمالية، قبل أن تدرك مضمونه ومغزاه العقول..! هذا في الوقت الذي لا يفترض فيه أن يكف هذا العمل الفني ـ بعد الانتهاء من إنجازه ـ عن طرح أسئلة متناسلة ومستمرة على المتلقي كلما شخص أمامه. وهي أسئلة قد تكون جلية بجمال، أو متوارية بلذة، في ثنايا تلك القيم الجمالية، التي من المفترض أن يحفل بها أي عمل فني يحترم أصول المجال الفني الذي ينتمي إليه، بالقدر الذي يحترم به ذائقة وثقافة المتلقي. فمن امتيازات العمل الفني الرفيع، أنه يعطي كل من يقف أمامه، بقدر الثقافة البصرية، والقيمة العملية والتراكم المعرفي، الذي يجده عند كل متلقي على حدة.. ولذلك لا تنفذ التساؤلات التي يظل يطرحها كل عمل فني عظيم على مر العصور.
* للخط العربي حضور خاص في تجربتك. كيف تنظر إلى الخط: أهو كتابة تُرى، أم صورة تُقرأ، أم أنه كائن جمالي قائم بذاته يتجاوز وظيفته اللغوية؟
- حب الخط العربي المغربي بالخصوص، متمكن من وجداني منذ الطفولة، كشأن كثير من التشكيليين العب، وتضرب جذوره عميقا في روحي وفي تجربني الفنية؛ حيث تعود بداية انشغالي وافتتانبي به إلى بدايتي الأولى؛ إلى مرحلة (المسيد) التي تحدثت عنها في سياق الجواب عن سؤالكم الأول. ومنذ تلك الفترة لم يبرح الحرف العربي عملي التشكيلي؛ سواء أكان هو جوهر العمل الفني، أو العنصر المتفرد والمهيمن عليه ككل، أو كان حاضرا في سياق معالجة ثيمة فنية معينة، ذات توجهات عربية تراثية أصيلة؛ وفي كلتا الحالتيت لايحضر الحرف العربي عندي كقيمة حكائية أو بحمولة روائية؛ بل كمفردة جمالية مجردة، حاضرة لذاتها ولدلالتها أو إيحاءاتها الفنية؛ حيث لا يكون عملي الفني مقنعا ـ أو كما أتصور ـ دون حضور هذا المكون الجمالي الأصيل، كرمز من رموز ومكونات الفنون العربية الإسلامية. فما من عنصر في الفن العربي الإسلامي أكسب هذا الفن العربي الحديث والمعاصر خصوصيته، وميز وقوى حضوره، وزكى أصالته على ساحة الفن العالمي، مثل تلك الطفرة التي حققها له فن الخط العربي، الذي وجد في حروفه الفنان العربي قديما وحديثا ضالته، وبصم بها على خصوصية فنه وأصالته. ولذلك عندما كان التشكيليون العرب الأوائل، في خضم البحث عن الذات، ومنذ مطلع القرن المنصرم، بعد لقائهم بالفن التشكيلي بالمفوهوم الغربي وباللوحة ذات الحامل؛ لم يجدوا أمامهم سوى دوحة الخط العربي الفيحاء، ليحتموا تحت أغصانها من هجير الاغتراب والاستلاب، والانفكاك من معضلة التبعية والتقليد الفج لمذاهب فن الآخر، والصياع بين صيحات الفن الغربي، والدوران في فلك الآخر واجتلارار أنماط فنه.. فكانت أشكال الحروف وصورها وإيقاعاتها المتنوعة والباهرة الجمال، وأنماط الكتابات وحركاتها الجمالية المحضة، بعيد عن كل مضمون حكائي أو روائي مجالا خصبا لتحقيق الذات، والبحث من داخل حروف الخط العربي عن ذاك التوازن المفقود بين الأصالة التراثية العربية، والمعاصرة الفنية ذات الينابيع الغربية. وقد نجحت كثير من التجارب التشكيلية العربية في العثور على تلك التركيبة السحرية، التي حقق من خلالها العديد من التشكيليين ذواتهم، ومكنت أعمالهم التشكيلية من حل تلك المعادلة المستعصية، للمواءمة بين الأصالة والمعاصرة. بل وكان التشكيليون العرب في مرحلة من المراحل، على وشك التأسيس لمدرسة تشكيلية عربية، أساسها الحرف العربي، كما كان يدعوا إلى ذلك شاكر حين آل سعيد ورفاقه.. فتمكنوا من خلال ما يكتنزه هذا الحرف من جمال وصيغ تغبيرية أصيلة، من الدفع بعجلة التشكيل العربي إلى الأمام، عبر مدخل الحروفية.. والأمثلة واضحة، وهي من الكثرة في هذا الباب، بحث لا يمكن تعدادها أو حصرها في عجالة.
* أين تنتهي حدود الخط العربي ويبدأ التشكيل؟ وهل يمكن للخط أن يتحرر من سلطة الكلمة دون أن يفقد هويته؟
- بداية يجب التفريق بين الخط العربي والحروفية؛ باعتبار الخط العربي كفن مستقل أصيل وعريق، له مدارسه ومذاهبه، وأشكاله المقننة الدقيقة المتعارف عليها والمحددة قواعدها بدقة؛ كالثلثي، والكوفي، والنسخي، والرقعة، والديواني والفارسي وغيره.. والخاضعة لقواعد ونسب تحسب على أساس النقطة وحتى نصف النقطة، بالقلم الذي يكتب به نفس الخط؛ مع اختلاف عدد تلك النقط حتى بالنسبة للحرف الواحد باختلاف أنواع الخطوط.. وكذا الخط المغربي بأنواعه، والذي يتميز في أصل أوزانه بأنه يخضع للعرف وميزان النظر، وتقدير الخطاط؛ ولايقيد بحساب النقط خلاف الخطوط الشرقية؛ إذا استثنينا بعض المحاولات المتأخرة، الرامية إلى تقعيده هو الآخر، على أساس النقطة أيضا على غرار الخطوط الشرقية. وهي مبادرة لا تلقى كثيرا من الترحيب من قبل كبار الخطاطين العرب، العارفين بأسرار جمال الخط المغربي؛ باعتبار أن القاعدة ستحد من جمال ومجال الإبداع فيه، حيث يتميز بذلك عن غيره، وهذا موضوع آخر. أما الحروفية المنضوية تحت لواء الفن التشكيلي العربي الحديث والمعاصر، فإن صاحب كتاب (الحروفية العربية فن وهوية) شربل داغر يقسمها إلى قسمين؛ حروفية غربية تندرج تحت لواء البحث التجريدي في الفن الغربي على غرار حروفية بول كلي وغيره، والحروفية العربية والتي يميزها هي الأخرى عن الحروفية الخطية.. ونطلاقا من كل ذلك يمكننا أن نقول إن الخط العربي يجب أن يظل فنا مستقلا قائما بذاته، محافظا على قواعده وأعرافه وطقوسه، وتلك في نظرنا هي الأعراف والحدود الفاصلة بين الخط العربي والتشكيل. بينما نعتقد أن العمل الفني التشكيلي العربي الحروفي هو الذي اعتمد فقط على نقل حركات وأشكال وفلسفات وإيحاءات الحروف مجردا، واكتفى بجمال مظهره وشكله؛ ليوظف كل ذلك في أعمال تشكيلية حديثة ومعاصرة؛ سواء في فضاء اللوحة ذات الحامل، أو في جسد المنحوتة المستقلة بذاتها؛ توظيفا فنيا جماليا، بعيدا عن أي سياق رواتي، أو حمولة أدبية حكائية.. وقد ذهب التشكيليون العرب في ذلك مذاهب واتجاهات شتى.. فمنهم من حاور الحرف مجردا مكتفيا بأبعاده الجمالية وإيقاعاته وإيحاءاته الدلالية التي أشرنا إليها، كشاكر حسن آل سعيد مثلا، ومن سار على نهجه أوريبا منه، ومنهم من حاور الكلمة في شكلها وأضمر مضمونها في تنايا التشكيل الفني للوحة، لكن بعيدا عن فلسفة القواعد التي تحكم الخط العربي، كما نجد ذلك عند التشكيلي السوري محمود حماد وغيره على سبيل المثال لا الحصر. وكنت قد تناولت كل ذلك بتفصيل، في بحت تحت عنوان: "رحلة الخط العربي ـ بين التدوين والتزيين ـ من المسند إلى لوحة المسند"، والذي نشرته دائرة الثقافة بالشارقة سنة 2014.

* التراث العربي والإسلامي غني بالخط والزخرفة والرموز. كيف يمكن للفنان المعاصر أن يستفيد من هذا التراث دون أن يتحول إلى مجرد مستنسخ له؟
- صحيح أن التراث الفني العربي بجميع أشكاله وأصنافه وميادينه، عريق وغني؛ سواء تعلق الأمر بالمنمنمات، أو الزخرفة، أو الخط العربي، أو المعمار، أو أنماط النقوش المتنوعة والفسيفساء المتعددة، والكثير من الأشكال والرموز والعلامات الأخرى، المرسومة على المنسوجات، والحلي، والنحاسيات، والخشب وغيره.. كلها مجالات زاخر بشتى الألوان والأشكال الفنية الفريدة، التي تقبل أن تُفَرّغ وتُدرس أشكالها ورموزها وعلاماتها بإمعان، كي تصبح قابلة لأن تُوظف في أعمال فنية معاصرة..لكن جلها لم تكشف بعض عن أسرار جمالها، ولم يلتفت التشكيلي العربي إلى معظمها دراسة وتوظيفا في أعمال تشكيلية معاصرة بالشكل الكافي، وإن كان الكثير من الفنانين الاستشراقيين قد وقفوا عندها طويلا منذ القرن التاسع عشر؛ لكنهم لم يفهموا فلسفتها ولم يصلوا إلى جوهرها، فاكتفوا فقط بالوقوف عند ظاهرها ومظهرها. وهي العلامات والرموز والأشكال التي يمكن أن تحاور وتدرس اليوم بجدية وتأمل، لتغدي المنجز التشكيلي العربي المعاصر بتكوينات فنية فريدة ومقنعة، وتمده ببنى جمالية أصيلة وعتيدة؛ تقبل لأن تكون أساسا لعمل تشكيلي عربي جديد، يعتز بأصالته ويعيش معاصرته بكفاءة وإقناع.. لكن قليلة هي التجارب التشكيلية العربية التي وفقت في نهج هذا السبيل، وولجت بنجاح محراب محاورة التراث الفني العربي بنظر تاقب وفكر صائب، واستطاعت بصبر ومتابرة وأناة، فهم أسرار تكويناته وفلسفة أشكاله، ووقفت على أسراره ووفقت في توظيفه نماذجه بنجاح، في أعمال تشكيلية عربية حديثة ومعاصرة، أثبتت أصالتها وكفاءتها في نفس الوقت كوجه من وجوه الفن العربي الأصيل والمعاصر.. ما يجب التأكيد عليه في هذا الباب هو أن مسألة التعامل مع التراث ليست مسألة سهلة كما قد يبدو، بل تحتاج إلى تمكن الفنان من أدواته أولا، فضلا عن تمتعه بثقافة بصرية واسعة، ودراية بأسرار تركيبات ومنابع وبنى تلك الأشكال والأنساق التراثية، واكتشاف الفكر الكامن خلف كل منها، والسياق التاريخي الذي اكتنف توليدها وتطورها، وهذا يحتاج إلى دراسة وصبر ومتابرة.. فليست هناك وصفة سحرية جاهزة، إن طبقها هذا الفنان أو ذاك في عمله الفني، أنتج فنا تشكيليا عربيا أصيلا، بملمس وملمح تراثي أصيل ومقنع. فالأمر يحتاج إلى صبر وأناة واستمرارية من طرف الفنان، في تأمل ودراسة وتفكيك تلك البنى التراثية الجمالية، حتى تكشف له عن خصوصيتها وفلسفة جمالها، وأسرار وأبعاد تكويناتها وأسس بنائها، ومكامن الجمال فيها؛ حتى يسهل عليه توظيف عناصرها، واستلهام فلسفة أنماطها وإسكان ألقها في عمله الإبداعي المعاصر؛ بعيدا عن أي تقليد أو نقل جامد لمظاهرها الخارجية. وهو النهج الذي ابتدعه واتبعه كثير من المستشرقين الفنيين في أعمالهم الفنية الاستسراقية كما ذكرنا، مما حدا بالكثير من المبدعين العرب إلى محاولة تقليدهم أو النسج على منوالهم؛ وهو انتاج (فني) في معظمه لا يعدو أن يكون تمسحا بالتراث، وتقليدا فجا لأنماط وأساليب الأخرين؛ مما أغرق ساحتنا الفنية بفن مبتذل في مجمله، لا يعدو أن يكون تقليدا رديئا مع الأسف! مما كاد أن يفقد عملية استلهام التراث مغزاها عربا، وإفرغها من محتواها، وجعل جل أعمالنا التشكيلية السائرة على هذا الدرب، مجرد صدى أو تقليد جاف لفن مبتذل..وهو وضع ساهم في تكريسه منطق السوق الفنية العشوائية عندنا في غياب المتابعة النقدية الحازمة والمنتظمة، فضلا عن تدني الوعي الجمالي لدى غالبية المتلقين العرب بشكل أو بآخر، بسبب ضعف الثقافة البصرية التي لا تمكن غالبية جمهورنا من التمييز بين الغث والسمين.
7* هل تعتقد أن الحداثة التشكيلية العربية استطاعت أن تجد لغتها الخاصة، أم أنها ما تزال واقعة بين إغراء النموذج الغربي وثقل الموروث؟
- منذ وصول اللوحة التشكيلية ذات الحامل إلى بلادنا العربية، ثم بداية عودة الرعيل الأول من التشكيليين العرب الذين درسوا بالخارج إلى بلدانهم العربية، لطالما تاق وتطلع هؤلاء التشكيليون العرب الرواد، إلى تأسيس ما سمي بلون تشكيلي محلي، إذا لم نقل مدرسة تشكيلية عربية، قوامها مخزون التراث، وأساسها الحرف العربي، كما كانت تدعوا إلى ذلك جماعة البعد الواحد وغيرها في العراق مثلا، عوض التبعية للمدارس الغربية المتعالية والمتمركزة حول الذات، والدوران المستمر للتشكيلي العربي في فلكها. ورغم التقدم الملموس الذي كان قد حققه بعض التشكيليين العرب، المتحمسين لهذه الفكرة على هذا الصعيد منذ منتصف القرن المنصرم وحتى مطلع سبعينياته، إلا أن هذا الحماس لم يلبث أن خبا، بفعل عدة عوامل وإكراهات؛ منها تباين الرؤى وتفاوت المحطات التي كان قد وصل إليها قطار التشكيل بين الأقطار العربية، عدم وجود الإطار المتين الضام والجامع لشتات التشكيليين العرب، واختلاف التوجهات المحلية، والخلاف في وجهات النظر بين الفنانين، وعدم إجماعهم على منطلقات أو مسلمات أو محددات، لما ينبغي أن يكون عليه التشكيل العربي المنشود، وما تتطلبه المرحلة.. لتشق كل تجربة تشكيلية طريقها منفردة، وينكب كل فنان على تطوير أسلوبه الخص به، سواء في إطار فلسفة تأصيل التشكيل العربي أو بعيدا عنها، بل وحتى قريبا من مدارس ومذاهب وصيحات التشكيل الغربي.. ففوت التشكيل العربي على نفسه فرصة ذهبية، إذا لم تكن لتأسيس مدرسة تشكيلية عربية ـ وهذا ليس بالأمر السهل ـ فعلى الأقل لتوحيد الرؤى، وجمع الشتات، والحسم في المواقف والتوجهات، وبلورة التكتلات التشكيلية العربية المنسجمة والقوية؛ حيث نعتقد أن الظرفية التاريخية كانت مواتية لخلقها..
لأجل كل ذاك أرى أنه من السابق لأوانه إصدار مثل هذا الحكم. كما أعتقد أنه مع ما قد يبدو من تقارب وتواشج وانسجام بين بعض التجارب التشكيلية العربية، سواء من حيث ثيمة العمل الفني أو مضمونه، أو حتى من حيث تقارب أساليب ونهوج بعض الفنانين؛ ربما من المبالغ فيه الزعم اليوم، بأن الحداثة التشكيلية العربية قد أرست لغتها التشكيلية الخاصة بها، لأن زعما كهذا يفترض أن تكون هنا انسجامات في التحارب، ويحدث تقارب في الرؤى والمذاهب، ولو لفترة محدودة. وهو ما لم يتحقق بشكلي جلي، إذا ما استثنينا مجال الحروفية. لذلك لا نجد هناك ما يمكن أن نسميه لغة تشكيلية عربية بما تحمل الكلمة من معنى. بل إذا أردنا أن نكون منطقيين مع أنفسنا، يمكننا القول أن هناك لغات تشكيلية متعددة ومتباينة؛ إذ لكل تشكيلي عربي لغته الخاصة، وتوجهه المميز، والذي غالبا ما يكون أقرب إلى المدارس والتوجهات الغربية منه إلى الهاجس التشكيلي العربي الموحد.
* بصفتك ناقدا فنيا، كيف تنظر إلى العلاقة بين الفنان والناقد؟ هل النقد بالنسبة إليك مواجهة مع العمل أم محاولة لإنقاذ ما يقوله العمل من الصمت؟
- بداية أأكد مرة أخرى ما قلته في إطار ردي على سؤالكم رقم:1 بأني لا أزعم أنني ناقد فني بما تحمل الكلمة من معنى؛ بل فنان يعبر عن رؤاه وقناعاته الفنية، انطلاقا من تجربته التشكيلية، ومن خلال ما تراكم لديه من معارف متواضعة حول الفن وتاريخه وفلسفته. وهنا أستحضر مقولة أو إضاءة هامة في هذا الباب، كانت قد وردت في سياق مقال للدكتور فريد الزاهي، علقت بذهني منذ أن قرأتها؛ لأنها ببساطة تفرق بين النقد الفني بما تحمل الكلمة من معنى، بين صنف آخر من أشكال الكتابة عن الفن؛ حيث يقول بالحرف ـ إذا لم تخني الذاكرة: "إذا كان النقد متابعة لمعارض أو لأععمال فنان معين، فإن الكتابة عن الفن قد يمارسها بعض الفنانين من باب التحليل والتنظير وإلقاء الضوء على بعض المعطيات التي تفرزها تجاربهم الفنية". ولربما أمكنني الوقول بكل بساطة وتواضع، أن كتاباتي الفنية تنضوي تحت صنف هذا الشكل الأخير من أشكال الكتابة عن الفن !
أما عن النقد بصفة عامة، فلا أعتبره مواجهة بين الفنان والناقد كما جاء في تساؤلكم، ولا يمكن أن يكون كذلك؛ بل هو في جوهره ـ لدي على الأقل ـ وباختصار شديد: نص إبداعي آخر، يضطلع بمهمة المتابعة والتفسير، وتحسين العلاقة بين العمل الفني والمتلقيي، وإصدار أحكام القيمة.
* هل يمكن للناقد أن يكون محايدا أمام العمل الفني، أم أن ذائقته وثقافته وموقفه الجمالي تتدخل حتما في قراءته؟
- بداية أذَكِّر أنه ليس من المعقول ولا من المقبول أن يستسهل كل من كتب سطرين أو قرأ كتابين مهمة النقد؛ فيبوئ نفسه مقعد الناقد! إذ أن النقد قبل أن يكون متابعة فنية، هوعلم وفن آخر له أصوله وأدواته ومدارسه ورجالاته، الذين يفترض فيهم من الخبرة والموسوعية الثقافية والكفاءة الفلسفية ما لا يفترض في غيرهم. فالناقد الفني الحق لا يمكن أن يكون ناقدا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذا لم تكن ذائقته الفنية المصقولة بثقافتة البصرية الأكيدة، مدعومة بعلمه الغزير، حاضرة باستمرار؛ كمرحلة أولى في عملية تلقيه وقراءته للعمل الفني الماثل أمامه. لأن مجال اشتغاله يفرض عليه مسبقا المتابعة المستمرة للمعارض، فضلا عن مواجهة ومحاورة العديد من الأعمل الفنية منذ فجر الفن وإلى الآن، لا كتساب خبرة فنية معتبرة، تؤهله لمواجهة أي عمل فني مهما كان، وفهم لغته وأبعاده؛ مما يجعل ذائقته الفنية مصقولة جيدا، وعينه مدربة أيضا على استقبال ومحاورة العمل الفني، استنادا إلى تلك الثقافته البصرية التي يفترض أن تكون واسعة وعميقة لدى الناقد، أكثر مما هي عليه لدى المتلقي العادي؛ فضلا عن متانة ثقافته الجمالية الخاصة وشمولية ثقافته العامة، وتبحره في شتى المعارف المرتبطة من قريب أو من بعيد بالفن، والتي يفترض أن تكون درايته بها واسعة ودقيقة؛ كمعرفته العميقة بتاريخ الفن، وبمدارسه ومذاهبه وحركاته، ودرايته بسياقاتها التاريخية والاجتماعية والفكرية، وإحاطته برجالات الفن وبأعمالهم وأساليبهم، وبالأوساط الفنية والاجتماعية والثقافية التي عاشوا فيها، وبمدى تأثير سياقاتها وبيئاتها الثقافية والاجتماعية في شخصياتهم وأسالبهم وأعمالهم الفنية تلك.. وكذا إحاطته ـ أي الناقد ـ بسوسيولوجيا الفن، وبعلم الجمال وتطور نظرياته، والتي يفترض أن تكون مسلماتها وأسسها حاضرة في ثقافة الناقد الموسوعية؛ حتى يتمكن من تفكيك العمل الفني الماثل أمامه، وقراءته قراءة صحيحة، وتقريبه من المتلقي، وتحسين علاقة هذا الأخير بالمنجز الفني.. وصولا إلى مرحلة إصدار حكمه النقدي على هذا العمل الفني إن كان الموقف يتطلب ذلك.. هذه باختصار شديد مواصفات الناقد الحق لدي، وتلك الخطوط العريضة لمهمته كما أفهمها. وهي كما ترون مهمة ليست باليسيرة ولا بالسيطة، ولا في متناول كل من هب ودب.
* كثيرا ما نسمع اليوم عن أزمة النقد التشكيلي. في رأيك، هل المشكلة في غياب النقد الحقيقي، أم في غياب المتلقي القادر على قراءة النقد؟
- حقيقة إنكم بسؤالكم هذا تكونون قد وضعتم الأصبع على مكمن من مكامن أزمات التشكيل العربي المعاصر. والإشكالية التي يطرحها سؤالكم، هي في الواقع إشكالية مزدوجة وعويصة وذات حدين؛ حدها الأول: يتعلق بالناقد. وحدها الثاني يتعلق بالمتلقي. ولعل جوابي عن السؤال السابق يجيب ضمنيا على الجزء الأهم من سؤالكم الحالي. فإذا كانت الشروط التي يجب أن تتوفر في الناقد حتى يكون جديرا بهذه الصفة، هي تلك التي ذكرتُ أهمها في جوابي على السؤال السابق، فإنني أكاد أجزم، أنكم لو عرضتم على تلك الشروط كثيرا من الأسماء التي تُبَوِئُ نفسَها مقعد الناقد في عالمنا العربي اليوم، لوجدتم جل تلك الأسماء بعيدة كل البعد عن مواصفات الناقد، حسب مقياس تلك الشروط! ولكم كذلك أن تتأملوا كثيرا من النصوص التي تنشر في عالمنا العربي هنا وهناك، تحت بند (النقد الفني)! لاشك أنكم عند نهاية قراءة جلها، ستشعرون أنها ـ رغم كمية المداد والكلمات ـ لم تقل شيئا، ولا تمت بصلة إلى النقد الفني، ولا تحمل منه سوا العنوان (نقد فني). لا نتحدث طبعا عن بعض الاستثناءات القليلة، والأسماء المعروفة الأكيدة والنادرة، والتي تشكل زمرة معدودة، مهما اشتغلت واجتهدت، لا يمكنها بطبيعة الحال تغطية ومتابعة كل ما يطرح من إبداع وشبهه على الساحة الفنية العربية؛ وبالتالي لن تتمكن من سد هذا الفراغ والخصاص المهول، الذي يشكو منه عالم النقد الفني المختص والجاد في عالمنا العربي.

أما فيما يخص حد الإشكالية الآخر المتعلق بالمتلقي، فإن المشكلة تبدو أوضح، والأزمة أعمق؛ لأننا هنا لا نجد أنفسنا أمام معضلة تلقي النصوص النقدية فقط، بل تُطرح أمامنا أزمة مزمنة أوسع وأعمق، كان ولازال يعاني منها العالم العربي منذ عقود، وما فتئت تتعمق وتتسع يوما بعد يوم، وقد فاقمتها الهواتف المحمولة وبرامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويتعلق الأمر بأزمة القراءة بصفة عامة لدى الأنسان العربي! ولا داعي للتحدث بلغة الإحصاءات العربية الرسمية، وعرض الأرقام المهولة والمخيفة التي تكاد تكون منعمدمة، لعدد ما يقرأه الشخص العربي، والتي تحسب بعدد الكلمات والجمل والمقالات، لا بعدد الكتب في السنة، ومقارنة ذلك بما يقرأه نظيره الغربي في اليوم! وكنت قد أستعرضت أرقاما حقيقية رسمية عند تنا ولي لأزمة القراءة، في كتابي المشار إليه في سياق الجواب عن سؤالكم رقم: 1. ولا داعي للتكرار. لكنها أرقام تصيب قارئها بالدهشة وبالإحباط بل وبالدوار! إذ لا يقرأ المتلقي العربي شيئا بالمقارنة مع نظيره الغربي...! فهي إذن لدى المتلقي العربي أزمة قراءة بصفة عامة. ويجب أن تُبدل جهود كبيرة لمعالجتها على المدى البعيد، وعلى أكثر من الأصعدة والمستويات؛ بدأ من مؤسسة الأسرة، ومرحلة الحضانة، ثم المدرسة الابتدائية والثانوية، وحتى على صعيد الجامعة...لغرس عادة القراءة في نفوس النشئء العربي. أما القلة القليلة من المتلقين العرب، الذين لديهم هاجس القراءة فعلا، حتى عندما يحاولون الإقبال على قراءة تلك الكتابات (النصوص النقدية) على علاتها، ونظرا لضعفها وبعدها عن المجال التي تدعي الاشتغال في إطاره، فإنهم لا يلبتون أن يشيحوا يوجوههم عنها ولا يعاودون إلى الالتفات إليها؛ لأنهم ببساطة يدركون أنها لا تضيف لثقافتهم البصرية شيئا، ولا يجدون فيها من النقد الفني سوى الإسم! وهذا يعمق الأزمة، ويكرس النفور من ما يسمى بالنقد الفني أو حتى الكتاب النقدي أو الفني لدينا، والذي يحطم الرقم القياسي من حيث هجره والابتعاد عنه وعدم اقتنائه عربيا، إلا بنسب قد لا تستحق الذكر؛ حتى عندما يتعلق الأمر بمؤلفات نقدية كبيرة لأسماء نقدية وازنة مع الأسف!
* ما الذي يجعل لوحة ما تستحق أن تُقرأ طويلا، بينما تمر لوحات أخرى أمام العين دون أن تترك أثرا؟
- إن العمل الفني الجاد الأصيل الذي يشد انتباه الرائي إليه بجماله، ويحفر مكانته في ذاكرته، وتبقى صورته عالقة بخياله ووجدانه؛ وينير روح المتلقي بمضامينه وقيمه ورسالته.. ليس وليد الصدفة ولا نتيجة نقل حرفي للبيئة والمحيط، أو تقليد أعمال الآخرين، أو حتى التمسح بأساليب الكبار منهم ونهج نهوجهم.. بل الأعمال الفنية العظيمة التي ترفض أن تبرح الذاكرة، وتتوق العين المدربة الخبيرة للتوقف أمامها طويلا، تأتي نتيجة دراسة طويلة وجهد مضني، كان قد بدله الفنان على مدى مدد زمنية طويلة؛ مكنته أولا من صقل موهبته بالدراسة، لاكتساب ما يمكن أن نسميه (سر المهنة)، وكسب تجربة فنية معتبرة، وخبر أسرار الفن والتمكن من أصوله، ومراكمة معارف فنية دقيقة وكثيرة، نتجت عنا ثقافة بصرية متينة.. كل تلك التجارب والخبرات والمؤهلات، تجعل الفنان مؤهلا فعلا لإنتاج عمل فني، من الصنف الذي ذكرتم في سؤالكم. لأن فنانا من هذه الشاكلة، يبدع عمله الفني انطلا من تلك التراكمات؛ بحيث يعرف كيف ينشئ تكويناته، وكيف يوزع مساحاته وعناصره، وكيف ينتقي الألوان المناسبة لكل مقام، وكيف يوائم بين تلك العناصر ويوؤلف بينها ببراعة، في فضاء تشكيلي واحد، تتوزع عناصره بدقة وانسجام، وتنوع ووحدة أيضا... وفي سياق كل ذلك، قد يواري هذا المبدع في تنايا عمله التشكيلي المدروس هذا، مضامين ورسائل ورموز فنية، لا تلبث أن تكشف للمتلقي عن أسرارها، في إطار عملية التلقي.. وإن فنانا بتلك الكفاءة التي ذكرنا، لا يمكن إلا أن يبدع عملا فنيا بهذه المواصفات، والتي لا ريب أنها ستستوقف الملقي طويلا؛ بل قد تبهره وتأبى مغادرة مخيلته لاحقا. وهذا ما يحدث لنا بالضبط، عندما نجد أنفسنا أما أعمال فنية عظيمة لكبار المبدعين العالميين، سواء تلك الأعمال المعروفة التي مرت قرون على إنتاجها، ولازالت إلى اليوم تحظى بالإعجاب والتقدير، أو الأعمال الفنية الأخرى الحديثة والمعاصرة، لكبار الفنانين العالمين، ومنهم حتى بعض العرب، وهم قلة طبعا. أما الفن المبتذل الذي لا يعدو أن يكون تقليدا، أو ممارسة كحرفة للاسترزاق، والممارس من طرف كثير ممن يسمون أنفسهم فنانين والفن منهم براء؛ فمهما وقفتَ أمام أعمالهم (الفنية)، ما أن تزيل نظرك عنها حتى تجدها قد توارت من ذاكرتك واختفت من إدراكك. وهنا يكمن الفرق بين الإثنين.
* هل تؤمن بأن للفنان مسؤولية تجاه المجتمع، أم أن الفن ينبغي أن يبقى حرا من كل وظيفة أو التزام خارج ذاته؟
- هو سؤال قديم جديد، طالما رافق الفن في رحلته الطويلة، وكانت الإجابة عنه تختلف باختلاف الأعصر وسياق المذاهب، وتوجهات الثقافات السائدة في كل عصر؛ مثل ما عرف بمذهب الفن للفن، الذي برز في فرنسا في القرن التاسع عشر مثلا، والذي يعتبر أن قيمة الفن تكمن في ذاته وفي داخله وفي جماله فقط، أو بالمقابل نجد فن الواقعية الاشتراكية الذي برز في روسيا في ثلاثينيات القرن المنصرم، وحتى مذهب أو على الأصح نظرية الفن للمجتمع، والذي ظهر كرد فعل على مذهب الفن للفن، والذي تمتد جذوره إلى ما قبل ذلك بكثير، إلى عصر الإغريق؛ والذي يستخلص منه أنه يرمي إلى جعل الفن في خدمة المجتمع... وهي مذاهب ونظريات وإن كان قد انقضى زمانها واستنفذت فلسفتها، لكن منطقها لازال يطفو على سطح الإبداع من حين لآخر، ولو بشكل باهت. لكن الأعمال الفنية العظيمة، مهما بدت لنا سطحيا أو ظاهريا، أنها لا تقول شيئا أكثر من اعتدادها بجمالها، ولا ترمي إلى أبعد من احتفائها بالجمال التاوي في بنياتها وأشكالها، لكنها في الواقع تضج بالرسائل والمضامين المختلفة، بما فيها تلك المواقف والرسائل الاجتماعية وحتى السياسية، التي تنم عن حس الفنان بمسؤوليته تجاه مجتمعه، واستشعاره لثقل تلك الأمانة التي أناطها الفن به، كمسؤولية ملقاة على عاتقه. وفي كل العصور الفنية ومن خلال مختلف الحركات والمذاهب الفنية مهما تباين توجهها، كنا نجد الفنان دائما ـ من خلال أعماله الفنية ـ في صراع مع الظلم، وفي جرب دائمة ضد كثير من الاختلالات، والأدواء، والانحرافات التي تفتك بمجتمعه.. كل ذلك كمواقف قد تتجلى من خلال أعماله الإبداعية؛ ثارة صريحة جلية، وثارة مضمرة خفية، في أعماله الإبداعية؛ دون أن تفرط في مرتكزاتها الفنية الأساسية، التي تضمن بقاءها ضمن إطار الفن التشكيلي الأصيل المتعارف عليه، وهذا هو النموذج الفني الذي أومن به. والأمثلة أكثر من أن تعد أو تحصى عربيا وعالميا. لكن يجب التنبيه هنا أن اللوحة الفنية الأصيلة، لا تقبل بث الرسائل الاجتماعية أو السياسية بثا مباشرا مكشوفا، كما تنفر من التقريرية... فالفنان إن أفرط في تغيب الجانب الاجتماعي، والإفصاح المباشر عن المضامين السياسية والمواقف الإنسانية الصريحة، على حساب القيم الجمالية، أو التضحية بمبادئ ومسلمات الجانب الفني في عمله الإباعي؛ هنا يكون قد تجاوز بعمله هذا الإطار الفني الذي نتحدث في سياقه، وهو إطار العمل الفني التشكيلي الأصيل، وتحديدا إطار اللوحة الفنية؛ مما يجعل عمله الفني هذا يندرج تحت مسميات أخرى، كفن الملصق الدعائي مثلا.
* كيف تنظر إلى حضور الهوية المغربية في الفن التشكيلي المعاصر؟ وهل يمكن الحديث عن هوية بصرية مغربية واضحة، أم أن التجارب أصبحت أكثر فردانية وتحررا من التصنيفات؟
- كل التجارب التشكيلية العربية الكبيرة التي تمكن أصحابها من تكريس أسمائهم وفرض أساليبهم الخاصة محليا وعالميا، حتى باتت المتاحف وكبريات دور المزادات العالمية، وأصحاب المجموعات الخاصة، يتهافتون على أعمالهم التشكيلية؛ لم يحققوا هذا النجاح إلا من خلال تشبث أعمالهم بهويتها العربية، واعتزازها بانتمائها الصريح لثقافة وتراث البيئة المحلية التي ينتمون إليها. وهذا ينسحب على كل الأسماء التشكيلية الكبيرة الناجحة على امتداد الوطن العربي. مما يعني أن تشبث التشكيلي العربي بهويته، واستلهامه لتراث أمته، وتنقيبه في صيغه.. وتوظيف كل ذلك في أعمال تشكيلية أصيلة ومعاصرة، يبقى السبيل الأنجح لتحقيق الذات. ولنا في الفنان المغربي الراحل أحمد الشرقاوي أفضل مثال في هذا الباب؛ ذلك أن أعماله التشكيلية كلها، والتي اتخذت من التراث المحلي المغربي منهلا ومرجعا لها؛ لتبقى متغنية بأبجديات الرموز والعلامات المغربية العربية والأمازيغية الأصيلة، ناطقة بجمالها، متشبثة بهويتها؛ قد بوأت أعماله التشكيلية في الأخير مقعد العالمية، وجعلت منجزه التشكيلي المترنم دوما بالهوية المغربية، يقتحم قاعات أرقى المتاحف العالمية المتباهية به؛ لتحلق اليوم إبداعاته عاليا، ولتحقق أثمنتها في السوق الفنية العالمية أرقام فلكية؛ كما حدث مؤخرا للوحته "علامات في السماء" والتي بيعت في مزاد علني أقيم في فرنسا خلال شهر ماي المنصرم بمبلغ تجاوز 868 ألف أورو! أما عن الشطر الثاني من سؤالكم بشأن وجود هوية بصرية مغربية، وما دمنا تحدثنا قبل قليل عن الرائد أحمد الشرقاوي، والذي لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بفضل بلورة تلك الهوية البصرية المغربية الخاصة، وتشبث أعماله بمفرداتها، وإصراره على حضور عناصرها في سائر منجزه التشكيلي. فقد كان هذا المبدع، من ضمن ثلة من التشكيليين المغاربة الآخرين، الذين رسموا الخطوط العريضة، لتلك الهوية البصرية المغربية منذ منتصف ستينيات القرن المنصرم؛ ومنهم التشكيلي قريد بلكاهية، ومحمد المليحي، ومحمد شبعة، وسعد السفاج، والمكي مغارة.. وغيرهم من المبدعين الجادين؛ حتى أصبح بإمكان أي مهتم بعالم التشكيل العربي، التعرف بسهولة على الأعمال التشكيلية المغربية، وتمييزها من بين لوحات التشكيليين العرب الآخرين، حتى دون الحاجة لقراءة أسماء أصحابها. كما كان الأمر مثلا بالنسبة للأعمال التشكيلية العراقية، التي كانت ولازالت هي الأخرى متميزة بهويتها البصرية الخاصة، مهما احتلفت النهوج والأساليب. أما اليوم وبالنسبة للتجارب الجديدة، فالأمر بات مختلفا، ولم تعد مسألة الاعتداد بالهوية تشكل هاجسا، ولا تحظى لدى كثير من الفنانين الجدد، بنفس الأهمية التي كنا نجدها لدى الأجيال السابقة من التشكيليين المغاربة؛ بل أصبحت مواكبة الصيحات الفنية العالمية تحظى بالأولوية لديهم؛ وبات الهاجس الأكبر لدى الجيل الجيد هو البقاء في طليعة قاطرة التشكيل العالمي ـ أو توهيم النفس بذلك ـ وعلى اتصال بما يستجد من صيحاته وحركاته؛ ربما خشية التخلف عن ركب الفن العالمي مرة أخرى. وذاك لهث وراء قطار الفن العالمي السريع، له ثمنه الباهض؛ ليس أبسطه الاغتراب والضياع بين دروب فن الآخر، إذا لم يكن هذا السعي من الفنان مقرونا بالحفاظ على الهوية، وإثبات الذات، وفرض الخصوصية العربية. وإلا سنسقط في الاستلاب والتبعية مرة أخرى، ونكرر نفس المعانات التي عاناها الرعيل الأول من التشكيليين العرب، الذين ارتحلوا للدراسة في ديار الغرب؛ فكادو يضيعون هناك ـ حسب تعبير التشكيلي المغربي محمد المليحي ـ لولا أن تداركوا أنفسهم بالعودة إلى التراث، والتشبث بالهوية الوطنية، كما يروي ذلك أكثر من تشكيلي عربي من أولئك الرواد الذين وجدوا أنفسهم في خضم هذا الموقف الصعب؛ مثل مايرويه التشكيلي العراقي جميل حمودي، والتشكيلي المغربي فريد بلكاهية.. وغيرهم. فيجب أن نكون حذرين حتى لا نضيع من جيد بين أروقة الصيحات الفنية الغربية!
* مدينة الفنان وذاكرته وبيئته الأولى، إلى أي حد يمكن أن تتحول إلى عناصر خفية داخل اللوحة حتى وإن لم تظهر بشكل مباشر؟
- لاشك أن الكنز الكبير للفنان هو ذاكرته، والتي لا تغيب لمساتها وبصماتها عن منجزه الإبداعي بشكل أو بآخر. وعندما نتحدث عن ذاكرت الفنان نقصد بالطبع كل ما حوته من صور، وما خظته من مشاهد ومشاعر وأحاسيس، وتجارب وخبرات، اكتسبها من محيطه وبيئته التي مهرت تلك الذاكرة بأوشامها وتأثيراتها، التي تظل مصاحبة للفنان طيلة حياته؛ فتجد لها باستمرار منفذا إلى إبداعاته التي تتجلى من خلالها على شكل خبرات وتأثيرات.. غير أن شكل حضور مفعول الذاكرة وقوة تجلي مخزونها في العمل الإبداعي، يختلف من فنان لآخر؛ بحيث تكون رنات جرس الذاكرة في فضاءات الأعمال التشكيلية أحيانا قوية، جلية ظاهرة مجلجلة؛ كما نلمس ذلك، على سبيل المثال، في أعمال التشكيلي الروسي المعروف مارك شاغال ، والتي تكاد تكون كل أعماله التشكيلية، عبارة عن تفريغ وتوظيف لمخزون ذاكرة سابح في فضائها. وأحيانا يكون حضور تلك الذاكرة خافتا ناعما خفيا، متواريا بين ظلال الإبداع؛ كما هو الشأن مثلا في أعمال تشكيلي من عصر النهضة، الإيطالي الشهير رافائيل ، والتي كان الطبيب النمساوي الشهير سيغموند فرويد ، في تحليل نفسي لعمله الفني، قد كشف ببراعة في دراسة شهيرة، عن رواسب الذاكرة الكامنة في إبداع هذا الفنان الكبير... فالذاكرة إذن ـ ولو دون قصد من المبدع ـ تبقى المرجع الأول والأخير للفنان؛ حتى في أكثر لحطات إبداعه واقعية وتجسيدا لمنظر ما، يتسلل قبس من مشتملات ذاكرته إلى عمله الإبداعي. والمبدع الحق هو الذي يكون على وعي تام بمفعول الذاكرة هذا، فيبسط سيطرته على مخزون ذاكرته، ويعرف متى يستثمر ويوظف مدخراتها في عمله التشكيلي ومتى يكفها عن ذلك.

* ماذا أضافت لك الكتابة والخط في تجربتك التشكيلية، وماذا أضاف لك التشكيل في علاقتك بالكلمة؟
- كما تستطيع أن تستشف من جوابي على سؤالكم الأول؛ منذ أول يوم أمسكت فيه بالقلم في الكتاب، وجدتني ألتقي بالرسم والخط في نفس الآن. فكانت العادة أن نكتب بقلم القصب بمادة الصمغ على اللوح الخشبي؛ وكنت أكتب وأرسم في نفس الوقت وبنفس المادة على نفس اللوح!
فكانت الكلمات المكتوبة والأشكال المرسومة متكاملة ومتلازمة لدي منذ البداية، وظلت كذلك في رسوماتي وحتى في لوحاتي التشكيلية الأولى؛ حتى آن أوان الفرز والفصل بين الإثنين، في محراب الدرس الفني. حيث الخط له مجاله والرسم له مجاله، إلى أن يلتقيا في حضن اللوحة الحروفية؛ فلم أستطع التخلي عن أي من الإثنين. إذ كان الرسم والخط بالنسبة لي كابنين توأمين، لينضاف إليها لاحقا ـ ربما بفعل الشغف بالمطالعة ـ ابن ثالث؛ ويتعلق الأمر بالكتابة الأدبية والفنية! وكان ذلك منذ زمن الدراسة بالمعهد الوطني للفنون الجميلة؛ حيث اكتشفت روعة المزج بين الثلاثة في العمل الإبداعي الواحد؛ فصار كل من الخط والشعر والرسم، أبعاد جمالية ثلاثة، تنسجم وتتكامل داخل فضاء تشكيلي واحد، يشكل وحدة ضامة متكاملة ومنسجمة، داخل عملي التشكيلي؛ وهو الأسلوب أو النهج الذي صرت عليه وطبع تجرتي المتواضعة لعقود من الزمن. وليكون من ثمرات هذا النهج، العديد من اللوحات التشكيلية التي تمازج بين الخط والشعر والرسم في فضاء تشكبلي واحد؛ باإضافة إلى ديوان شعري صادر بمصر سنة 2017 تحت عنوان: (غصة الصمت)، في أزيد من تسعين قصيدة مكتوبة بخط يدي، وممهورة برسوماتي. وليتوج هذا المسار الثلاثي الأقطاب إن صح التعبير، بصدور كتابي الفني في السنة المنصرمة، والذي يحمال عنوان: (أبواب الشعراء. أنطولوجيا "الباب" في الشعر المغربي ـ مقاربة تشكيلية)، وقد خصصته لثيمة الباب، الذي اخترته كمحور وحيد لهذا المشروع الفني، الذي ثارة كنت أسميته (أبواب الشعراء)، وثارة أخرى (تشكيل وشعر). وقد اخترت الاشتغال على الباب تحديدا بسبب أبعاده الجمالية والدلاية والإيحائية.. وما يرمز إليه من كثير من المعاني، تحدثت عنها بتفصيل في فصول الكتاب؛ حيث تضمن من بين ما تضمنه، لوحات مشروع الاشتغال على رسم الأبواب، بأسلوب خاص؛ والتي وظيفت فيها أكثر من 480 مقاطعا شعريا، مذكور فيها كلمة (الباب)، لأزيد من 240 شاعر مغربي. حيث مزحت الرسم بكتابة تلك المقاطع الشعرية بخط مغربي...وهكذا ومن خلال هذا المشروع يتضح لكم أن تجربتي التشكيلية المتواضعة، وطيلة أربعين سنة من الاشتغال الفني، قامت على فتح حوار بين الكلمة الشاعرة، والخط المغربي المبسوط، والرسم، في نفس الصعيد أو الفضاء التشكيلي الواحد؛ فشكلت دائما هذه المعادلة الثلاثية لدي، ينابع متساتلة للأبداع. حيث يكمل بعضها بعضا في تفس العمل الفني.
* عندما تتعامل مع نص أدبي أو شعري بصريا، هل تنطلق من المعنى الذي يقوله النص أم من الإيقاع الذي تشعر به داخله؟
- رغم الوشائج التي تربط بين التشكيل والشعر، لكن كفنان تشكيلي، يمكن أن أقول باختصار أن أول ما يلفت انتباهي ويشدني إلى نص سردي، ويغريني بقراءته وتذوقه كنص إبداعي، هو تلك الصورة الشعرية، والانزياحات الدلالية المرافقة للغة النص الشعري؛ والتي بقدر ما تطربني بقدر ما أُقَدِّر أنها تحقن مخيلتي بتخييل فني آخر على الصعيد التشكيلي، أو ما يمكن أن أسميه بميتانص Metatext، إن صح التعبير؛ كصور فنية أخرى قابلة لأن نكون أساسا، أو على الأقل، عاملا مساعدا لتصور وبناء عمل تشكيلي جديد؛ قد يكون منطلقا لبناء لوحة تشكيلية مميزة. ولعل هذا ما حدث معي حينما كنت أشتغل على المئات من النصوص الشعرية المغربية التي وظفتها في مشروع لوحات "الباب". وقد أوضحت ذلك بتفصيل في كتابي السالف الذكر، المتعلق بهذه التجربة؛ وأقصد بالطبع كتاب (أبواب الشعراء).
* هل ترى أن اللوحة يمكن أن تكون قصيدة صامتة، وأن القصيدة يمكن أن تكون لوحة مكتوبة؟
- بداية لا أحد يستطيع أن ينكر ذاك التقارب والتواشج، وتلك العلاقة المتينة التي طالما ربطت وتربط بين التشكيل والشعر، رغم أن الأول فن مكاني والثاني فن زماني كما يقولون. فالإبداع عموما يصدر عن مشكاة واحدة، فقط تختلف الوسائط ووسائل التعبير. والمواهب هي التي تحدد المواقع بين الفنانيني؛ حيث تقود موهبة الرسم مثلا، هذا الشخص إلى تأبط فرشته وألوانه للتعبير بواسطتها؛ بينما تقود موهبة الأدب الشاعر إلى عشق الكلمة والترنم بنغمها وتعقب صورها.. وهكذا بالنسبة لسائر الفنون.
* في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الآلة قادرة على إنتاج صور مبهرة خلال ثوان، ما الذي بقي للفنان ولا تستطيع الآلة أن تنتزعه منه؟
- خلافا لما هو عليه الأمر في العالم الغربي، الذي يتوفر على مؤسسات فنية داعمة وراعية قوية، فضلا عن ثقافة بصرية متينة تمكن المتلقي هناك، من التمييز بين الغث والسمين؛ لكن عندنا الأمر مختلف تماما؛ إذ صراحة يمكنني أن أزعم أن أي متتبع أو مهتم بمجال التشكيل العربي، يستطيع أن يلاحظ اليوم، أن معاناة التشكيلي العربي قد أصبحت مضاعفة، في عصر الذكاء الاصطناعي؛ خصوصا في على صعيد ترويج وتسويق العمل الفني، وعملية تلقيه في محتمعاتنا العربية؛ والتي جل أفرادها لازالوا يعانون من ضعف في الثقافة البصرية، إذا لم أقل يشكون من الأمية البصرية! وكنتيجة لذلك باتت الصورة الرقمية المنتجة والمعالجة بالذكاء الاصطناعي، الشديدة الإتقان والرخيصة الثمن، مفضلة ألف مرة لدى شريحة واسعة من المتلقين العرب عن اللوحة التشكيلية الأصلية! وهذا ما كنت أقصده عندما نشرت قبل أشهر قليلة، تدوينة مختصرة نصها حرفيا: "أدركت متأخرا أن الذكاء الاصطناعي قد أجهز فعلا على اللوحة الفنية التشخيصية رغم المكابرة!". واضح إذن أن الأمر لا يتعلق هنا بإجراء أي نوع من المفاضلة أو المقارنة التي لا يمكن أن تستقيم، بين الصورة الميتة التي يتنجها الذكاء الاصطناعي، والعمل الفني التشكيلي الحي، الذي يبدعه الفنان التشكيلي؛ فذاك أمر مستبعد تماما. ولكن الأمر يتعلق فقط بالعنصر البشري، ذاك المتلقي العربي لهذا العمل الفني، والذي بات يشكو من تنميط واستلاب وتسطيح فكري، فضلا عن ضعف الثقافة البصرية المزمنة، التي كان يعانيها منذ زمن بعيد؛ إلى درجة جعلت البعض يرجح اليوم كفة الصورة المنتجة بالذكاء الاصجناعي، على اللوحة التشكيلية الأصيلة، التي أبدعها ويبدعها فنان تشكيلي؛ يرسمها بنسغ مشاعره، ويسكب في فضائها بعضا من أحاسيسه وروحه، ويغديها بتجربته الحياتية الإنسانية؛ لتظل نابضة بالحياة، تروي قصة حياة، كرموز وعلامات وآثار بشرية أكيدة، وتحمل بين أشكالها وألوانها تجربة إنسانية فريدة.. وهي القيم والمشاعر والأحاسيس التي مهما بلغ تطور الذكاء الإصطناعي، لا يمكن أن يزيفها أو يصطنعها أو يداني فيها عملا فنا من إنتاج فنان.

* هل تخشى على الفن من أن يتحول إلى مجرد صناعة للصورة الجميلة، خصوصا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومنطق الإعجاب السريع؟
- ليست هناك خشية على الفن بما تحمل الكلمة من معننى، لأنها ليست الرجة الأولى التي يتعرض عروض خيمة الفن لها؛ فالفن قد أثبت قدرته اللامتناهية على تجاوز مثل تلك الأزمات، وإن كان المأزق الذي وضعته فيه الصورة المولدة بالذكاء الاصكناعي اليوم غير مسبوقة.. فقد توالت مثل هذه الرجات منذ اختراع آلة التصوير الفوتوغرافي؛ حيث اعتبرها بعضهم آنذاك نهاية الفن التشخيصي وموته، ومع ذلك تجاوز كل تلك المحن.. لكننا لا ننكر أن هناك قلقا ليس فقط من غزو فضاءاتنا واجتياح حياتنا من طرف الصورة المتفوقة، المعالجة والمولدة بالسرعة الفائقة، بواسطة الذكاء الاصطناعي؛ بل من ما يرافق جبروتها من محاولة تنميط وتسطيح مخطط له مقصود، لفكر ووجدان المتلقي؛ لجعله ليس فقط مجرد مستهلك لهذه الصورة، منقادا لتوجيهاتها، بل لتجهيله المتعمد، بواسطة الكثير من الأدوات والوسائل؛ ومنها ما ذكرتم من وسائل التواصل الاجتماعي؛ وجعل هذا المتلقي العربي بالخصوص، مجرد مدمن على تلك الصورة المصطنعة الميتة، ونابد بالمقابل لما سواها من روائع الفن الحق جاهلا بها ولك ما يرتبك بها من معرفة فنية وثقافة بصرية، بل ومفضلا لتلك الصورة المصطنعة على روائع الفن التشكيلي المحلي والعلمي. وهنا تكمن الخطورة في نظري! أما الفنان فلا أعتقد أن ذلك قد يشكل خطرا على إبداعه، بل على العكس من ذلك، قد تساعده مثل تلك الطفرات التيكنولجية والرقمية على تطوير أسالبه، وتيسير سبل اشتغاله؛ كدأبه مع أي تطور تيكنولوجي، تمكن الفنان من جعله في خدمة فنه على مر العصور.
* ما رأيك في المعارض التي تركز على الشكل والفرجة أكثر مما تركز على التجربة والأسئلة التي يحملها العمل؟
- إن الحديث عن المعارض التشكيلية عندنا بالنسبة للفنان، هو حديث ذو شجون؛ لأنه حديث عن طريق شاق متعب ومحبط، يجد الفنان نفسه مجبرا على سلوكه، إن هو أراد تنظيم معرض لأعماله التشكيلية، في قاعة وطنية لائقة، وعن سلسلة من المعانات مع الأجهزة المسؤولة عن القاعات، والتي لا تتيحها للجميع بعدالة ومساواة.. وقد عانيت شخصيا من هذه المعضلة مع قاعات الرباط ولا داعي للعودة للحديث عن ذلك؛ مما يجعل الكثير من التشكيليين أمام خيارين أحلاهما مر؛ يمسك عن العرض ـ ولربما كان هذا عاملا من العوامل التي حدث من فورة المعارض التشكيلية التي كانت تعرفها بلادنا فيما مضى ـ أو يلجأ إلى المراكز الثقافية الأجنبية أوالقاعات الخاصة؛ فتكون النتيجة إقامة معرض لأعماله التشكيلية الممتازة، في فضاءات قد تكون غير ملائمة...! وكثيرا ما يكون هذا التضييق سببا ودافعا لبعض الفنانين لعرض أو استعراض عملهم الإبداعي، كشكل من أشكال الفرجة؛ ولو على هامش مهرجان أو حدث ثقافي أو فني آخر؛ بذريعة أن الفنان يقدم فنا أدائيا، أو ما يسمى (Performance art)، وكذا فن الشارع وغيره.. بينما هذا الفنان المسكين في الوقع ـ عندنا على الأقل ـ يجد تصريفا وحلا لمعضلة العرض عبر هذا المنفذ، وهذا يسيئ إلى الفن والفنان معا!
* كيف تقرأ المشهد التشكيلي المغربي اليوم؟ وما الذي يبعث فيك الأمل، وما الذي يثير لديك القلق؟
- بالنظر إلى أن التشكيلي المغربي قد راكم تجربة تشكيلية معتبرة، وبما أن المنجز التشكيلي المغربي يتكئ على رصيد إبداعي ممتاز، عماده ذاكرة بصرية، غنية بتراث فني راق وممتنوع، ضاربة جذوره في أعماق التاريخ والحضارات المتعاقبة على بلادنا منذ فجر التاريخ؛ والتي كانت أوابدها سندا ومرجعا للرعيل الأول من التشكبليين المغاربة الرواد، في رحلة بحثهم عن الذات ومحاورتهم للتراث؛ سوا من مدرسة تطوان التي كان يغلب عليا الطابع التشخيصي، أو مدرسة الدار البيضاء التي كانت تتسم بنهجها التجريدي، وحتى نهوج الفطريين والعصاميين منهم؛ والذين أغنوا جميعهم المشهد التشكيلي المغربي قديما وحديثا، بإبداعهم الأصيل، سواء الأكاديمي أو الحديث المتنوع؛ فإن المشهد التشكيلي المغربي اليوم، وهو بستند إلى تلك التراكمات، يبدو منسجما وصيرورة الحركة التشكيلية ببلادنا، متوافقا وتوجهات التشكيل العالمي. حيث تتبلور وتتنوع الجارب التشكيلية المغربية الجادة والطموحة، والتي تحقق بعضها حضورا مشرفا رغم الإكراهات، سواء على الساحة الوطنية والدولية؛ كتكريس لائق بمكانة التشكيل المغربي، الذي نرى اليوم إبداعات رواده تحقق أرقام فلكية في المزادات العالمية. وهذا لا يمكن إلا أن يجعلنا متفائلين بمستقبل التشكيل المغربي رغم الصعوبات والإكراهت.
وإن كان هناك من شيئ يتير لدي نوعا من القلق في هذا الباب، فهو يتجلى على صعيدين اثنين: أولا عدم وجود نقد فني حقيقي مختص، ومواكب لهذه التجارب الفنية الجديدة؛ وثانيا ضعف إذا لم أقل عدم وجود مؤسسات مختصة، حاضنة وداعمة للتجارب التشكيلية المغربية، التي هي في أمس الحاجة إلى مؤسسات حقيقية من هذا القبيل.
* هل المؤسسات الثقافية المغربية تمنح الفنان التشكيلي ما يستحقه من احتضان وتأطير وترويج، أم أن الفنان ما يزال مضطرا إلى شق طريقه بمفرده؟
- سنكذب على أنفسنا إن أجبنا بالإيجاب على هذا السؤال! بل يمكن القول بكل صدق، إن الأمر قد ازداد صعوبة وتعقيدا عما كان علية بالأمس؛ لما كانت الورازة الوصية بيد من هم أهل لها، من داخل النسيج الثقافي، كشخصيات من داخل الميدان ومن العيار الثقيل، من تلك النخبة المثقفة الوازنة، بما تحمل كلمة الثقافة من معنى؛ خلاف من أتى بعدهم ممن بوأتهم سدة وزارة الثقافة فقط التوافقات والحسابات الحزبية، والصدف الانتخابية … ولكم أن تلقوا نظرة على صفحات التشكيليين المغاربة على وسائل التواصل الاجتماعي، بأجيالهم المختلفة، لتدركوا مدى المعاناة، وكم نحن بعيدون عما ذكرتم في سؤالكم! فباستثناء زمرة محظوظة ومهيمنة، ستجد باقي الفنانين يشتكون من الإقصاء والتهميش والتضييق والمحسوبية والزبونية والبيروقراطية...
* من خلال تجربتك الطويلة، ما أكثر شيء تغير في نظرتك إلى الفن؟ وما الفكرة التي كنت تؤمن بها في بداياتك ثم اكتشفت لاحقا أنها لم تعد تقنعك؟
- لعل أهم ما تغير في نظرتي للفن، إعتقادي وإيماني السابق بقدرة الفن على صنع السلام العالمي، والسمو بالإنسانية والتآخي بينها، وتغيير المجتمعات العربية نحو الأفضل! لأكتشف لاحقا أن أقصى ما يمكن أن يقدمه الفن للفنان نفسه في العصر الحاضر، هو تحقيق نوع من الانسجام مع الذات والتأقلم مع المحيط! وأقصى ما يمكن أن تجود به روائعه على متلقيها، منحه قسطا من تهذيب النفس، ونزرا من السلام الداخلي، وبعض المتعة الجمالية الآنية، مادام هذا المتلقي مقبلا على العمل الفني! قد يبدو اليوم ذاك الاعتقاد فكرة ساذجة في عصر حروب الإبادة، وانهيار القيم، وهيمنة المادة، وتسليع الفن، وجبروت الذكاء الاصطناعي، الذي لايتوانى المتحكمون فيه، في استغلال حتى الفن ضد الإنسان نفسه..! لكنها أفكار قبل عقود، وفي فترة شبابي وفورة حماسي للفن، وإيماني بدوره الطلائعي في بناء المجتمع المعاصر؛ كانت تبدو لي تلك الأفكار (الطوباوية) في المتناول، بل وعلى مرمى حجر من التحقيق على أرض الواقع، إن أحسن الفنان استخدام أدواته الفنية وسخرها لخدمة الإنسانية عبر فاعلية الفن!
أما عن الفكرة التي كنت أومن بها حقا في بداياتي التشكيلية ولم تعد لها اليوم تلك الأهمية والآمال التي كنت أعلقها عليها، فلعلها فكرة تأسيس مدرسة تشكيلية عربية؛ بل وتحسرت عليها فعلا، لأنها لم تتحقق في سبعينيات القرن المنصرم وقبلها! لما كان التشكيليون العرب قاب قوسين أو أدنى من وضع حجرها الأساسي، وقد توفرت كل شروطها آنذاك؛ سواء أكان أساسها الحرف العربي كما كان يدعوا إلى ذلك التشكيلي العراقي شاكر حسن آل سعيد ورفاقه، أم اعتمادها على الترات العربي الإسلامي عموما، وحتى انطلاقا من التراث الشعبي المحلي لكل قطر عربي على حدة؛ اعتمادا على العلامات والرموز المحلية والأوشام... وغيرها. لكن ذلك الهاجس لم يعد موجودا لدي اليوم، لعدة أسباب؛ لعل أهمها أن منطق الفن المعاصر نفسه، قد تجاوز مثل هذه الانشغالات والتوجهات.
* هل ما زلت، بعد كل هذه التجربة، تبحث عن أسلوبك الخاص، أم أن الفنان الحقيقي لا يصل أصلا إلى محطة يقول فيها: "لقد وجدت أسلوبي"؟
- صراحة لا أعتقد أن من الأهمية بمكان بالنسبة للفنان أن يجمد مساره الإبداعي عند لحظة معينة ولو كانت مميزة أو بمثابة طفرة في مسيرته الإبداعية؛ ليتشبث بملامحها بدعوى أنها أسلوبه الخاص! شخصيا لا أبحث عن أسلوب معين أتميز به، ولا أعتقد أن ذلك مهما، بقدر ما يعنيني مواصلة الإبداع والبحث عن صيغ فنية جديدة وأصيلة، ليس بالضرورة أن أوقف ما تبقى من مساري الفني عليها. فتاريخ الفن يعلمنا أن الفنان الحق، قد تتعدد أساليب اشتغاله وتتنوع طرق إبداعه، حسب المراحل والقناعات الفنية، التي قد تجعله يعتنق نهجه هذا اليوم ويغيره غدا حسب المواقف، وحسب ما تمليه عليه قناعته وما يتطلبه مساره الإبداعي من انعطافات، قد تكون حادة ومغايرة تماما لما ألفناه عليه في فنه السابق، والأمثلة أكثر من أن تعدد... لكنك إن تأملت تجارب وأعمال كبار الفنانين، من عرب وعجم؛ ستجد أن هناك (بصمة خاصة) حاضره فيها، قد تعظم وقد تخفت، وقد لا تلمحها غير العين المدربة والمثقفة بصريا، وأنها ملازمة لهم رغما عنهم، مهما اختلفت وتباينت أساليب الفنان الواحد منهم، باختلاف مراحل تجربته الفنية؛ حيث ستكتشف أن هناك خيطا ناظما يكتنف كل أعماله؛ سواء أكان ينسج على منوال التشخص في مرحلة سابقة، أو انتقل إلى نهج التجريد في مرحلة لاحقة... وتلك هي البصمة الحقيقية للفنان الحق، الذي لا يقبل أن يقف عند مرحلة معينة من تجربته الفنية، ليتشبث بذاك النهج الذي طبع أعماله خلالها ليقول: (لقد وجدت أسلوبي! أو هذا أسلوبي الخاص!). عند ذلك يكون الفنان ـ في نظري ـ قد حاصر نفسه وسجن إبداعه داخل نمط معين، ليأخذ في اجترار الذات! صحيح مسألة انشغال الفنان بنهج اكتشفه أو الاشتغال بأسلوب ابتدعه، قد يستمر معه طويلا، وقد يلازمه شغفه به مدة قد تطول نسبيا؛ لكن الفنان الحق لا بد أن يقوده شغف الاكتشاف وتجديد الذات، إلى الانزياح عن أسلوب تلك المرحلة التي ظننا أنه لن يبرحها؛ ليحط به رحال بحثه الفني على أعراف نهج آخر قد يبتكره، ويتخذه وسيلة أخرى للإبداع، تضاف إلى منجزه التشكيلي السابق. غير أن ذاك الخيط الناظم الذي يخصه والذي تحدثنا عنه، سيظهر للعين الخبيرة مرة أخرى مكتنفا لكل أعماله، كبصمة له؛ وستظهر ملامحه رغما عنه في إبداعه وأسلوبه الجديد، مهما كان مغاير لما سبق أن اشتفل به. وتلك سيمة أعمال الفنانين الكبار.
* لو طلبنا منك أن تختصر فلسفتك الفنية في جملة واحدة، ماذا تقول؟
- الفن لدي موقف مصاغ في أشكال وألوان، لكنه قبل هذا وذاك جمال ووجدان!
* وأخيرا، ماهي رسالتكم للفنان الشاب الذي يمتلك الموهبة، لكنه يعيش في زمن كثرت فيه الصور وقلّ فيه الصبر على الفن؟
- بالقدر الذي باتت فيه وسائل تعلم وإنتاج الفن ميسرة ومتاحة بشكل كبير اليوم أمام الشباب، مقارنة بالماضي، بقدر ما أصبح الفنان الشاب اليوم في عجلة من أمره؛ عوض أن نراه يطور إمكاناته الفنية، ويستغل هذا الزحم التقني والمعلوماتي في بناء ذاته كفنان؛ نجده قليل الصبر، طامحا إلى اختصار المسافات، متخيلا أن بإمكانه القفز على المسلمات والنظريات الفنية؛ لحرق المراحل وتسلق برج الفن بسرعة حتى دون عدة، وتصدر الواجهات؛ دون أن يمنح لنفسه الوقت اللازم للمرور من البوابة الأكاديمية، للدخول الآمن من أبواب مدينة الفن، والارتقاء الطبيعي والمقنع لأدراج فضاءات الفن...! وفي هذا التسرع تكمن المعضلة؛ حيث يقف جل هؤلاء الشباب عند منتصف الطريق، لأنهم لم يتحلو بالصبر. لأن الوصول إلى القمة يتطلب التوفر على معدات التسلق والخبرة اللازمة لذلك؛ وهذا لا يتأتى إلا بالدراسة وتراكم الخبرات والتجارب.. فنصيحتي لأي مبدع شاب، أن يتسلح بالصبر والاعتكاف على صقل موهبته، وتطوير مهاراته، وتنمية ثقافته البصرية والعامة، وتقوية معارفه العلمية والفلسفية، وأن لا يستعجل قطف ثمار شجرة الفن قبل أوانها، رغم كثرة المغريات؛ وأن يكمل مشوار تكوينه الفني الأكاديمي أولا... وبعدها سيشق طريقه الفني بثقة وارتياح وتمكن وإقناع، وسيجد كل أبواب الفن والشهرة مفتوحة ـ رغما غنها ـ في وجهه؛ نظرا لتمكنه من أدواته وتزوده بعدته.







التعليقات