طالب كريم
عن سلسلة " دراسات في العمارة " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً للباحث والكاتب الدكتور علي ثويني كتابه الجديد الموسوم "' العمارة والمعمار العراقي -- دراسة في العمارة "" والعمارة العراقية.. من جغرافيا المكان إلى ذاكرة المعمار. لو أردنا اختزال حكاية العراق في كلمة واحدة، لكانت العمارة، ليس من قبيل المبالغة ماقاله المرحوم المعمار الكبير محمد مكية حين وصف " الجُغرافية بأنها العِمارة رَقم صفر ". فالعراق ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو مكانٌ أغوى ساكنه منذ الآف السنين بأن من يمارس فعلاً حضارياً إستثنائياً. والحضارة، كما يؤكد المؤلف، ليست إلا سياقاً تطورياً للثقافة، والثقافة هي إدراك الإنسان لمحيطه وإنسياقه لمعطياته وإملاءاته، في حالة تجاذب دائم بين مدٍّ وجزر. في هذه التجاذبات بالذات، تشكلت عبقرية العراقي. فالبيئة العراقية لم تكن بيئةًرحيمةً مسالمة، بل كانت بيئةً مُناكفةً، تتحدى الإنسان بالفيضان والطوفان، وكان العراقي عليها فعلاً واحداً متكرراً عبر الزمن : أن يقوم ويبني، حتى لو هدم الطوفان مابنى. ومن هنا نفهم لماذا لم تنطفئ الظاهرة الحضارية في العراق، لقد تسنى له أن يبني سبع حضارات متعاقبة، أُزيل الغبار عن بعضها وبقي بعضها مطموراً ، لكنها جميعاً ظلت شاهدة على إصرار لامثيل له، بينما نجد حضارات أخرى كالحضارة اليونانية نهضت ثم خبت ک " عود ثقاب " يشتعل مرة واحدة ثم ينطفئ، فإن حضارة العراق ظلت تتقد، تنكسر وتقوم، تهدم وتعيد البناء، كأن العمارة فيها قدرٌ وجودي . من هذه الفلسفة العميقة ينطلق كتاب " العمارة والمعمار العراقي " ، ليقدم أكثر من مجرد دراسة هندسية، بل قراءة في *الذاتية المعمارية العراقية عبر الحجر والطين والقبة والعقد. وقد أحسن المؤلف صنعاً حين استهل كتابه بعد مقدمته الفكرية تلك، بمدخل تأصيلي مهم للأستاذ الدكتور هاشم عبود الموسوي البصري بعنوان " ماهي العمارة ومن هم المعماريون "، ليضع القارئ أمام السؤال الجوهري قبل الدخول في التفاصيل. يأخذنا الفصل الأول : المعنون " مقدمات في الذاتية المعمارية ثم ينتقل إلى معابد بابل، حيث تتحول العمارة إلى فراغ معماري، و العمارة الآشورية وصولاً إلى مرحلة مفصلية هي سقوط بابل وحقبة الاحتلالات والعمارة الساسانية والآرامية، ويختم ب " العمارة والتراث المعماري ". ويقدم الفصل خلاصته في مقدمات التأسيس وتوصيات في المنهج. أما الفصل الثاني من الكتاب، فهو رأيي قلب الكتاب النابض و ذاكرته الحية حيث يضم مُعجم مِعماريي الحداثة الأبجدي، وتناول بالدراسة والتوثيق -- 82 -- معماراً عراقياً.هذا المعجم ليس مجرد سردٍ لأسماء وسير ذاتية، بل هو محاولة لإنصاف جيل كامل من المعماريين ، ويجعل من الكتاب مرجعاً لاغنى عنه لكل باحث وطالب عمارة. إن كتاب " العمارة والمعمار العراقي " في نهاية المطاف، هو دعوة لإستعادة تلك الذاتية، ففي زمنٍ أصبحت فيه مدننا مستنسخة بلا هوية، مستوردة بلا روح، يأتي هذا العمل ليقول لنا بصوتٍ هادئ وعميق : إن للعراقي عمارة تشبهه، صلدة، عنيدة، قادرة على تحدي الطوفان في كل مرة، وإن الجغرافيا ستبقى دائماً هي العمارة رقم صفر.
يقع الكتاب ب - 408 - صفحة من القطع الكبير وكان تصميم الغلاف للفنان : هادي أبو الماس .







التعليقات