انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

سرد ميتاسريالي

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
مشاركة:

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر

تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ:

 إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل القديم، أدمن ختم بطاقات الحضور والغياب عند كل غسق، دون أن يجرؤ يوماً على التطلّع خارج نافذة البرج، أو مغادرة حجرته المتربة.

كانت الطيور المحبوسة تلوك مفردة "التلاقح" وتلوك معها أبجديات الخصب الموهوم، وكأنها تميمة خلاص مقدسة تساقطت من سماء غافلة. غير أنّ هذا القفص لم يتقن عبر تواريخه المتعاقبة سوى تصدير الصوت المجرّد؛ الكلمة بوصفها وعاءً عاقراً يفقس أوهاماً، وتأجيلات مؤجلة، وحكايات مشلولة لا تبلغ تخوم الاكتمال أبداً. ومع كل ليلٍ جديد، كان القفص يفتتح محفله البائس معلناً في وجه الفراغ:

 "من هنا تبتدئ الحكاية السردية... ومن هنا بالتحديد يمتنع الخَلْق"

كانت بنية الأقفاص تستنسخ، بصورة فاضحة، الهندسة الخبيثة لـ"غرف الصدى" البابلية الغابرة؛ تلك المقاصير المظلمة التي حفرها الكهنة بمكرٍ تحت قواعد الزقورات العالية وأحشاء معبد "الإيساكيلا". هناك، كان الكاهن الأكبر يهمس بتعويذته المبتذلة في جوف الرخام، فترتدّ النبرة من جدران الكلس والزفت مضخّمة، مرعبة، وجنائزية، لتوهم الجموع الساجدة في بطاح الطين بأن الآلهة تجيب عن ترانيمهم، بينما الحقيقة الفاضحة لم تكن سوى صدى محبوس يدور في مداره الأعمى ولا يغادره.

هكذا تماماً كان قفص الدجاج:

 مقصورة صدى مشدودة بأسلاك القصدير، يبتلع فيها الحديد أنفاس قاطنيه، ويجتر لغة موهمة بالإخصاب والتكاثر، لكنها لا تعدو كونها حلقة مفرغة تعيد تمثيل طقوس النذور والقرابين، دون أن تهب عشتار طفلاً واحداً، ودون أن تمنح الحياة فرصة للانفلات من ربقة الرقيم المقفل.

 اللوح الثاني: بَرْزَخُ الغَابَةِ وَانْبِثَاقُ الآلِهَةِ السَّايْبِرْنِتِيكِيَّة

على الضفة المقابلة لتخوم هذا السرد المشبوه، وخارج الأسوار المعطوبة وخارج المنطق الهندسي المقفل للأقفاص، كانت الغابة تنبض بنماءٍ فوضويّ وتحولات بالغة الجسارة؛ ذلك لأنها كانت أكثر صدقاً في ملامسة الألم، وأشدّ رحمة باحتمالات الكينونة المفتوحة. هناك في البرية العارية، لم تكن المخلوقات ترتق مصائرها بالسلك الشائك أو بمسامير الصفيح الصدئة، بل كانت تخلق هوياتها بالتحول المحض وعبر مجابهة المجهول:

 جلدٌ ينسلخ فيمنح النزف بعداً أنطولوجياً، وصرخةٌ ترتطم بالأشجار فتنبت لها أجنحة لتصير معنى كونياً، وعينٌ سومرية ساهرة تقرأ ألواح الأقدار وكأنها هي التي خطّت مسارات النجوم منذ فجر الخليقة.

ومن غياهب العتمة الحية، تقدم نمرٌ أسطوريّ لم يعد كائناً بيولوجياً محكوماً بدوافع الغريزة؛ تذكّر على نحو مباغت أنه بطلٌ طليق في عالم موازٍ، فانفجرت من بين أضلاعه البراغي، ونبتت من مفاصله تروس فولاذية تلمع بحدّة كأنها أفكار ديالكتيكية لا تعرف المهادنة. تحوّل النمر إلى كينونة روبوتية هادرة، لا يزأر بحباله الصوتية القديمة، بل يبث همهمة كهرومغناطيسية تتلوى كمرسوم ملكي منقوش بإزميل من نار على حجر الديوريت الأسود:

"أنا هنا لأبرهن للملأ أن التحول الجذري لا يستجدي ترخيصاً من كاتب الرقيم"

وعلى إثر خطاه الفولاذية، انبثق الأسد من صلب العدم ومن ركام الصمت الكوني. رفع هامته نحو الأفق المتجمد كمن يتهجى ألواحاً من السحر مطمورة تحت صقيع القطب الغائر. خلع لبدته الملكية القديمة، ونثر خصلاتها الذهبية في مهب الريح كمن يتبرأ من تاجٍ بالٍ، وارتدى مقام سيد آلهة الجليد؛ سيدٌ لا يبتغي احتكار الثلج ولا فرض العزلة، بل جاء ليفضح ابتذال الثبات ورعب الأقفاص. تحول الشتاء في بريق عينيه إلى طقس لإعادة الخلق، وغدت العاصفة في رئتيه صوتاً ميتاسريالياً يعلن أن الانجماد هو الطريقة الصاعقة لإعادة صياغة الوجود من نقطة الصفر.

حين عاينت الغابة هذا التمرد الكوني، رفعت سقوف خيالها، وتشققت معايير الرتابة البائدة؛ سقط المألوف في درك البطلان، وباتت الوقائع تستدعي معجزات لا تكتفي باستعراض خوارقها، بل تثبت شرعيتها بالفعل التوليدي في قلب الرماد.

 اللوح الثالث: مَحْكَمَةُ الأَعْرَافِ وَانْفِضَاحُ الوَعْيِ الكِلْسِيّ

أما في داخل الأقفاص القصديرية... فكان الدجاج يمارس كبرياءه البلهاء، مدّعياً امتلاك ناصية الحقيقة دون أن يملك القدرة على دحرجة حبة قمح واحدة نحو مدارات الخصب. كان لفظ "التلاقح" هناك عملة مزيفة تُتداول لتهدئة الذعر الميتافيزيقي المتغلغل في العظام:

 "سيحدث الخصب غداً... لا بد أن يتفجر النماء قريباً..."، ثم ينقضي الغد ولا يعقبه سوى سكون أشد عُقماً وإذلالاً.

فجأة، اهتزّ الهيكل الشبكي، وتلعثمت لغة القضبان :

"أنا لست جغرافيا ولا مكاناً... أنا تقنية سردية رديئة! أكرر إيقاعي هرباً من الانهيار؛ إن صمتُّ، سقطت الأقنعة واكتشف الجميع أن هذا الضجيج لم يكن بشارة ولادة، بل غطاءً لعقم مقيم".

تسرّب نذير الصيرورة القادمة من أدغال الغابة إلى مسامع القفص، فانشق ركام الهدوء المزيّف عن صراع لاهوتي، وتحول القفص فجأة إلى قاعة محاكمة أنطولوجية تصادم فيها الدجاج ذو العرف الأحمر بالدجاج ذي العرف الأسود.

اعتلى الديك ذو العرف الأحمر مسطبة الصفيح المتآكلة بكبرياء مصطنعة، ونفض ريشه بحركة طقسية تشبه حركة كاهن أعمى ينثر البخور أمام صنم "مردوخ" المتهاوي، وهتف في الجموع بحنجرة غليظة:

"ويحكم أيها الرعاع! أتتنكرون لبركة السرد المحفوظ؟ إن هذا المحبس ليس أسلاكاً من قصدير، بل هو التجسيد الحي للهندسة البابلية المقدسة التي تصون أرواحنا من شتات الغابة وضياعها! إن تأخر مواسم الخصب ليس دليلاً على عقمنا، بل هو اختبار أزليّ لمدى خنوع الرعية. نحن الذين نشق حلكة الفجر بصياحنا لترتفع أعمدة النهار، وكاهن المعبد الأعلى دوّن في رقيم الطين الأول:

 "من يصن صوته يصن عرشه إلى الأبد! إن التلاقح فكرة عليا تتطهر في النوايا قبل أن تتجسد في هشاشة قشور البيض؛ فبأي حق تجرؤ مناقيركم السوداء على إعلان القيامة قبل أن يقرر مؤلف النص إسدال الستار؟"

ارتد صدى صوته بين القضبان، متراكماً كالجير الرطب في غرف الصدى العتيقة، فعاد مضاعفاً ومشوهاً، ليعيد زرع الرعب في القلوب الواجفة.

عند ذاك، خطا الديك ذو العرف الأسود إلى الأمام؛ كان جسده نحيلاً كقصبة مفرغة تركها الجفاف في أهوار الجنوب، بيد أن حدقتيه كانتا تقدحان بشرار جليدي اقتبسه من ريح القطب الثائرة. وقف بلا صخب وبلا افتعال، ونطق بصوت حاد يقطع الأوهام كالمبضع الجراحي:

أيها الكاهن الملطخ بدمائه الكاذبة! إن عرفك الأحمر ليس تاجاً مقدساً، بل هو شارة النزيف لقطيع توهم أن القفص وطن، وأن العجز قضاء وقدريّ لا مفر منه! عن أي سماء ترطن وأنت لا ترى من الوجود إلا ما تجود به ثقوب هذا الشبك الصدئ؟ لقد مسختم هذا المأوى إلى مقصورة صدى تشبه مخادع الكهان في بابل:

 "تقذفون فيها كذبة التلاقح، فترتد إليكم من الأسلاك الباردة، فتنحنون أمام رجع أصواتكم وتهتفون بذعر: آمنا بوحي الصدى"

ثم وجّه منقاره الأسود صوب رتق مهترئ في زاوية القفص، وأردف بنبرة ميتاسريالية حاسمة:

إن تفاخركم بالصياح ليس علامة على الإخصاب، بل هو ورقة توت تسترون بها فداحة الفراغ. أنتم تملؤون الفجر جعجعة لأنكم تخافون اللحظة التي يسكت فيها النفير؛ لو سكتّم، لأنصتت الجدران إلى حشرجة موتها! لستم حراساً لمردوخ ولا رعاةً للنور، بل دمى محبوسة في عرض مسرحي رديء، ومؤلفكم يقف خلف الكواليس ساخراً من هراء طقوسكم، بينما النمر الفولاذي في رحم البرية أعاد كتابة وجوده دون أن ينتظر صكوك الغفران من معابدكم الخاوية!.

 اللوح الرابع: انْفِصَامُ الرَّقِيمِ وَالوَّثْبَةُ الكَوْنِيَّة

انساب في فضاء القفص تيارٌ جليدي عاصف هبّ من ثلوج الجنوب الملحمي؛ لم يكن مجرد هواء بارد يلامس الجلود، بل كان صحوة معرفية تشبه حد السيف، ووعياً عارياً يقرّ بأن التجدد الحقيقي يستوجب بالضرورة تحطيم القالب القديم، ولا يمكن أن يُبنى بالشعارات اللغوية المستهلكة. هنا انكسر مسار السردية؛ لا لترقيع القفص وإطالة أجله، بل لإعلان استحالته الوجودية. لقد تجلى التحول في البرية بوصفه جوهراً متوثباً وحركة مستمرة، في حين ظل التلاقح داخل القفص اسماً مجرداً في جملة نحوية ميتة عجزت عن أن تصير فعلاً.

في تلك اللحظة الحاسمة، تقدّمت دجاجةٌ ذات مجمع كبير قررت أن تضع حداً نهائياً لمهادنة الزيف:

يا قفص الصدى الكذوب! يا جملة بائسة تحاكي النور وتعجز عن ولادته! إن بقاءكم ليس خلوداً بل هو تعليق متكلس على هوامش الوجود. أنتم ترتعدون من مواجهة التناقض أكثر مما تخافون العدم نفسه! إن كنتم تزعمون امتلاك بذور الخصب، فاخرسوا دعواكم وأطلقوا سراحنا من هذه البلاغة المهترئة؛ هذا القفص قيدٌ يتدثر بجلباب القدر، ونحن نختار السقوط والتحطم، لأنه السبيل الوحيد لكنس آلهتكم المصنوعة من وهم.

تجاوبت طيور القفص مع هذا النفير التحرري؛ لم تعد تطلب أعشاشاً للأمان الزائف، بل قررت القفز من وهم "الانتشاء اللفظي".

في تلك الهنيهة الميتاسريالية الخاطفة، انخلعت مسامير الصفيح وتطايرت الأسلاك كشظايا ألواح طينية هشة تهشمت تحت مطارق الحقيقة. انشقت غرف الصدى القديمة لتبتلع خواءها وصمتها التاريخي؛ ولم يتدحرج بيض كلسي بالمعنى التقليدي للولادة، بل تفجرت من رميم الرقيم شظايا وومضات ناصعة نفذت في عمق الفراغ، وأطلقت كينونتها الطليقة نحو سديم النجوم، في فضاءات كونية شاسعة لا تحتاج إلى أن تقول:

 "سيحدث الخصب غداً"؛ لأنها هي ذاتها الفعل حين يصنع نفسه في صميم الوجود المطلق.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د