انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

واقعية الاشتغال الرمزي في رواية "حين يغار المشمش" لرافد حميد فرج القاضي

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

13 دقائق للقراءة
18 مشاهدة
واقعية الاشتغال الرمزي 

في رواية "حين يغار المشمش" لرافد حميد فرج القاضي
مشاركة:

واقعية الاشتغال الرمزي 

في رواية "حين يغار المشمش" لرافد حميد فرج القاضي

تدور أحداث رواية "حين يغار المشمش" لرافد حميد فرج القاضي حول حكايةٍ إنسانيةٍ عاطفيةٍ تنبض بالصمت، الانتظار، والنضج الروحي، وتتلّخص معالمها في عددٍ من المحاور المهمة تدور في فلك البيئة حيث "قرية فَرَج"، وتحديدًا من دار شاب يُدعى "آدم". تتوسط دارهم شجرة مشمش غريبة ومميزة زُرعت يوم وُلد آدم وهي عمرها من عمره، زرعها والده الحاج محمد لكي تذكرهم دائماً بأنهم أحياء. تمتاز هذه الشجرة بأنها تعكس مشاعر آدم وأحاسيسه، وتزهر وتتحوّل بشكلٍ عجيبٍ ومستعجلٍ قبل أوانها وقبل أن تنبت أوراقها.  لذلك فإن شرارة الحكاية واللقاء العاطفي، تبدأ منها الأحداث في التغير عندما يلمح آدم فتاة تُدعى "رفل" لأوّل مرّةٍ عند النهر الصغير في أطراف القرية. وعلى الرغم من أنه كان مجرّد مرورٍ عابرٍ ونظرةٍ سريعة، إلّا أن هذا اللقاء أحدث ارتباكًا عميقًا في صدر آدم، وحين عاد إلى بيته، وجد شجرة المشمش قد بدأت تزهر أبكر من موعدها المعتاد، ليتولد لديه شعور غريب بأن "المشمش سيغار". 

إن هذه النقطة هي علاقة الحب الصامت والغياب، حيث تتطور القصة لتعبّر عن حالةٍ من الحب العذري الصامت، إذ يتقاسم آدم ورفل مشاعر عميقةٍ تسكنها الغيرة، الحذر، والاحترام الخفي للمساحات. غير أن هذا الحب لا يكتمل بصورته التقليدية، إذ ترحل رفل وتغيب عن القرية، وتترك آدم يعيش تجربة "الغياب والانتظار والشوق". هذا الغياب ينعكس مباشرة على شجرة المشمش التي تبدأ بالتعب وفقدان القدرة على الصمود وتساقط زهورها، وكأنها تبكي رحيل الحبيبة  وتشاطر آدم حزنه.  والرواية لا تتوقّف عند عتبة الحزن والأسى، بل تتحوّل إلى رحلة فهمٍ ونضجٍ عاطفيّ ونفسيّ لآدم. يتعلمّ من خلال تجربة الفقد والانتظار والصمت المعنى الحقيقي للحب، الذي لا يهدف إلى السيطرة أو التملك، بل الذي يمنح الروح حريّتها وسلامها الداخلي. إن الرواية باختصار، كما يلخصها إهداؤها وومضتها،هي حكاية "القلوب التي تعلمت الصمت وعرفت أن الحب أعمق من أن يُروى بل يُعاش" ، وهي قصة حب لم يكتمل في الواقع، لكنه بقي حيًا ومؤثّرًا، غيّر ملامح البطل من الداخل وجعله يخطو نحو حياته بروح حرة ومفتوحة. 

 

العنوان- الدلالة والمدلول 

 

ارتباط العنوان بالدلالة اللفظ المكتوب، والمدلول المعنى والعمق الشعوري، وعلاقته بالحكاية، حيث يعد ركيزةً أساسيةً بنيت عليها الرواية كاملة، إذ لم يكن العنوان مجرّد غلافٍ خارجيّ، بل كان مرآةً عاكسةً لجوهر التجربة الإنسانية والعاطفية للبطل "آدم".

ولهذا فلإن ثمة ارتباط وتشابك في المعنى يمكن تفكيكها وفق النقاط التالية:

أوّلًا: الدلالة/ اللفظ والشكل الخارجي، فشجرة المشمش ككائن حي، هي الدلالة اللفظية، فهذه الشجرة ليست مجرّد نبات، بل هي دلالةٌ ماديةٌ على حياة آدم، وقد زُرعت في يوم ولادته لتكون رفيقته، وعمرها من عمره. والعنوان هنا يوضح فعل الغيرة، من خلال إسناد هذا الفعل الذي وهو شعور إنساني، إلى شجرة المشمش حيث يمنح العنوان صبغةً حركيةً وتفاعلية. بمعنى أن الشجرة هنا تخرج من إطار جمود الطبيعة لتصبح كائناً يشعر، يراقب، ويتأثر.

ثانيًا: المدلول/ العمق الشعوري والنفسي، مرآة الروح. فالمدلول يتجاوز التفسير الحرفي للمشمش إلى دلالاتٍ نفسيةٍ وعاطفيةٍ عميقة ترتبط بقلب البطل، وتتجلّى في عجلة المشاعر والارتباك، إذ المشمش في الطبيعة يزهر في وقتٍ محدّد، لكن عندما أشرقت "رفل" في حياة آدم، وأحدثت ذلك الارتباك العاطفي الأوّل، أزهرت الشجرة بشكلٍ مستعجل وقبل أوانها وقبل أن تنبت أوراقها. ليكون المدلول هنا أن الشجرة تعكس اضطراب غريزة الحب والدهشة الأولى في أعماق آدم. مثلما تتجلى من خلال الغيرة الصامتة، فالغيرة هي مدلول على التنافس الخفي بين الطبيعة (الشجرة) والإنسان (رفل) على قلب آدم. حين يرى آدم رفل، يشعر بأن شجرته "تغار" من هذا الجمال الذي سرق نظراته، وهي غيرة ترمز أيضاً إلى غيرة آدم الصامتة وخوفه من ضياع هذا الحب. فيما يكون التماهي مع الفقد، قد بلغ أوجه عندما غابت رفل، فتحوّل مدلول الشجرة من "الازدهار الغيور" إلى "الذبول الشاكي"، فبدأت تتعب وتسقط زهورها وكأنها تبكي وتبحث عن الراحلة، مما يعكس مدلول الانكسار النفسي الذي يعيشه آدم.

ثالثًا: الارتباط بالحكاية عبر سيرورة الأحداث والنضج. فيرتبط العنوان بالحكاية وتطورها، باعتبارها المحرّك والملّخص العاطفي لكل فصول الرواية، وهي مؤشر خط السير الدرامي، حيث  يتتبع القارئ الأحداث من خلال حالة المشمش. فمن عنوان الفصل الأوّل "أوّل زهرة" إلى فصول مثل "الغيرة الأولى"، "شجرة الغيمة"، وصولاً إلى "الأوراق المتساقطة" و "لا ربيع يعود"، نجد أن العنوان يمتد ليكون هو القالب والمسار الفني الذي تتطوّر عبره الحكاية. ليكون الانتقال من الطفولية إلى النضج الروحي، فالحكاية تبدأ بعاطفة غضّة ومربكة (يزهر المشمش غيرةً ودهشة)، وتنتهي بالحكمة والنضج العاطفي. فالإهداء والومضة يشيران إلى أن هذا "الحب الصامت لم يكتمل في الواقع، لكنه بقي حيًا في الروح". وبذلك، فإن المدلول النهائي للعنوان هو "إزهار الروح بصمت"، حيث يتعلّم آدم من خلال غيرة مشمشه وغياب حبيبته كيف يحرّر روحه ويصل إلى السلام الداخلي والقبول، ليصبح الحب حكاية تعاش وتغير الإنسان من الداخل، لا مجرد رغبة في التملك. بمعنى أن العنوان هو "الشفرة" التي تختزل الحكاية، فالدلالة هي الشجرة المادية في بيت آدم، والمدلول هو مشاعره وتقلبات قلبه، والحكائية هي رحلة الانتقال من غيرة الحب اليافع إلى حكمة الصمت والنضج الروحي.

 

الضربة الحكائية والاشتغال الحكائي

 

الرواية اعتمدت على  تطور الحكاية وتفاعلها الواقعي. فالروائي ترك راويه يتابع تسلسل اللأحداث وتنقلها وعلاقتها بن طرفي النزاع.. الشجرة/ الحبيبة.. لذا كانت ضربة الرواية أوالذروة الفنية أو النقطة الصادمة والمؤثرة في تحويل شجرة المشمش من مجرّد رمز نباتي يترجم مشاعر البطل إلى "مصير تراجيدي مشترك" يربط بين الإنسان والطبيعة في أبهى صور الأنسنة. وتتجلى هذه الضربة وعلاقتها بالشجرة في ثلاثة أبعاد رئيسية ومترابطة:

أوّلًا: الكشف الصادم، فالشجرة كمرآة بيولوجية ونفسية، والضربة الكبرى في حبكة الرواية ليست في الأحداث الخارجية، بل في الاكتشاف التدريجي لمدى التلاحم الرهيب بين آدم وشجرته؛ فالشجرة ليست مكاناً يقف أمامه، بل هي امتداد لجسده وروحه، حين ارتبك قلبه للمرة الأولى برؤية "رفل"، لم تنتظر الشجرة الفصول لتزهر، بل قفزت فوق قوانين الطبيعة وأزهرت في غير أوانها وقبل أن تنبت أوراقها. هذه المفاجأة الفنية هي "الضربة الأولى" التي تجعل القارئ يدرك أننا لسنا أمام حكاية حب تقليدية، بل أمام حالة تماهٍ صوفية بين ذات الإنسان وعناصر الأرض.

ثانيًا: ذروة الفقد والتآكل، الضربة المأساوية، حيث تصل الرواية إلى ذروتها المؤثّرة عند وقوع الغياب ورحيل رفل، فالصمت الذي خيّم على حياة آدم وأضاعه كما ورد في ومضة الرواية" (أحببنا بصمت فأضاعنا الصمت)، تحوّل في الشجرة إلى مرض وتآكل مادي ملموس، ، فكانت ضربة السرد هنا في جعل الشجرة تصرخ نيابة عن آدم، بينما كان آدم يكتم لوعته ويمارس "الصمت العذري"، وكانت الشجرة تموت علنًا أمام القرية. هذا الانكسار المشترك للشجرة والإنسان يمثل الضربة العاطفية التي تحرك الوجدان.

ثالثًا: ضربة النهاية، المرتبطة بالنضج الروحي و"إزهار الروح بصمت" وهي ضربة فلسفية لتترك العمل يتجلّى في كيفية معالجة النهاية عبر الشجرة:

بمعنى أن ضربة الرواية تكمن في "عقد القِران الروحي" بين البطل والشجرة، فحين غارت الشجرة صنعت البداية والمفاجأة، وحين بكت بالذبول جسدت مأساة الغياب، وحين استوعب آدم الدرس تحولت الغيرة والذبول إلى نضج روحي دائم غيّر ملامحه من الداخل إلى الأبد.

 

 

الاشتغال السردي بين الفكرة والحكاية

 

اشتغل الروائي على معالجة فكرته وحكايته وفق آلية فنية تقوم على أنسنة الطبيعة وتكثيف الشحنة الشعورية، مستعينًا برمزية الشجرة، ليعوض بها عن قلة الأحداث الخارجية المادية. ويمكن تلخيص اشتغاله الروائي ومنهجه في معالجة الفكرة والحكاية في النقاط التالية:

أوّلًا: الاشتغال على الرمزية التناظرية من خلال التوازي بين الإنسان والطبيعة، إذ لم يقدم الكاتب شجرة المشمش بوصفها ديكورًا مكانيًّا أو خلفية للأحداث، بل جعلها بطلًا موازيًا لآدم. أي خط سير الحكاية يسير في خطّين متوازيين يتأثر كل منهما بالآخر:

1- عندما تحركت عواطف آدم للمرة الأولى، أزهرت الشجرة قبل أوانها، ارتباك الطبيعة يوازي ارتباك الذات.

2- عندما غابت رفل، تآكلت الشجرة وتساقطت أوراقها، ذبول الطبيعة يوازي انكسار الذات.

وهذا الاشتغال حوّل الفكرة المجردة الحب والفقد إلى صورة مرئية ومحسوسة أمام القارئ عبر تحولات الشجرة.

ثانيًا: معالجة الثيمة عبر جمفاتيح الصمت بدلاً من الحركة، إذ تنبني ثيمة الرواية الأساسية على "الحب الصامت" الذي غُيّبت فيه الكلمات وأضاعه الغياب.

ثالثًا: البناء التصاعدي القائم على الفصول الدلالية، فقد سار الكاتب في معالجة حكايته على اشتغالٍ بنيويّ دقيقٍ يظهر في عناوين الفصول وتواليها ، إذ أن كل فصلٍ يمثّل محطةً شعوريةً ومرحلةً زمنيةً ونفسيةً يمرّ بها البطل وشجرته، مما يمنح الحكاية تصاعًد دراميًا نفسيًا يبدأ من الدهشة والارتباك، مرورًا بمرارة الفقد والانتظار، وصولاً إلى الحكمة والتسليم.

رابعًا: تحويل "الفقد" من مأساة إلى بوابة للنضج بمعالجة فلسفية. ففي الكثير من الروايات العاطفية، ينتهي الحب غير المكتمل بمأساة أو انكسار مطلق. لكن اشتغال الكاتب هنا سار نحو التطهير والنضج الروحي. حيث يدرك البطل أن الحب الحقيقي ليس تملكًا للحبيب، بل هو طاقة تحرّر الروح وتجعلها تتسع للعالم.

5خامسًا: لاشتغال الأسلوبي/ من خلال اللغة والمجاز. لأن الحكاية حكاية مشاعر داخلية، لذا اعتمد الروائي على لغةٍ ذات نفسٍ شاعريّ مكثّف، تكثر فيها الاستعارات والمجازات، فالكلمات لا تُؤخذ بمعانيها القاموسية المباشرة، بل بظلالها النفسية. هذا الأسلوب ساعد في جعل القارئ يعيش الحالة الوجدانية للبطل ويتلمّس غيرة المشمش وصراخ الصمت كحقائق واقعية داخل النص.

بمعنى أن الروائي اشتغل على الثيمة مستخدماً الواقعية الرمزية، حيث عالج فكرة الفقد والانتظار بالاتكاء على الشجرة كمرآة نفسية، وحوّل الحكاية من قصة حب عادية إلى رحلة صوفية عذرية تنتهي بانتصار الروح ونضجها رغم غياب الآخر.

 

الاشتغال الزمكاني وتفاعل الشخصيات

 

يقوم البناء الروائي على تلاحم وثيق بين عناصر البنية السردية، المكان، الزمان، والشخصيات، حيث لم يتعامل الكاتب مع هذه العناصر كقوالب جامدةٍ أو مجرّد خلفياتٍ للأحداث، بل حوّلها إلى أدوات فاعلة ومحركة للثيمة النفسية والعاطفية للرواية.

ويمكن تفصيل فاعلية هذه العناصر وتأثيرها في الرواية على النحو التالي:

أولاً: فاعلية المكان/ جغرافية الروح والاتساع، فالمكان في هذه الرواية يحمل أبعادًا رمزيةً ونفسيةً تفوق بعده الجغرافي، ويتجلّى ذلك في ثلاث مستويات:

1- "قرية فَرَج" والدار المركزية، حيث تبدأ الرواية بالإشارة إلى أن دار "آدم" تتوسّط القرية كأنها خُلقت لِتُرى من كل الجهات. هذا التمركز الجغرافي للمكان يعكس تمركزه الوجداني، فالبيت والقرية يمثلان البيئة الحاضنة للوعي الفطري والنقاء العذري للبطل. إنه مكان مغلق ومنعزل يتيح للمشاعر أن تنمو بعيدًا عن صخب المدن وضوضائها.

2- النهر الصغير، أطراف القرية، حيث يمثل النهر مكان "اللقاء الأول العابر" بـ "رفل". للنهر هنا فاعلية رمزية؛ فهو يرمز إلى التدفق، والعبور، وتجدد الحياة. عند عتبة هذا المكان المفتوح تحركت سواكن آدم، وتغيرت علاقته بالمكان الثابت (الدار).

3- دار آدم وشجرة المشمش، المكان البؤري، فشجرة المشمش المزروعة وسط الدار تحولت من عنصر مكاني إلى مؤشّر شعوري. وأصبحت الدار تُعرف بحالة الشجرة (إزهارها، غيرتها، ذبولها، وتساقط أوراقها). فاعلية المكان هنا تكمن في كونه مرآة عاكسة ومباشرة لما يدور في داخل نفسية آدم؛ فالجدران والأغصان تشاطره الصمت والانتظار والغياب.

ثانياً: فاعلية الزمان، (الزمن النفسي والدورة الطبيعية،

الزمن في الرواية لا يسير وفق ساعة حائط أو تقويم جاف، بل هو زمن نفسي وعاطفي يتداخل مع الفصول الأربعة وحياة شجرة المشمش، عبر ثلاث مستويات:

1- الاستعجال الخارق للزمن، الارتباك الزمني، حيث تظهر فاعلية الزمان بوضوحٍ عندما تلتقي عينا آدم برفل، إذ تزهر الشجرة قبل أوانها وقبل أن تنبت أوراقها. وهذا الخرق للدورة الزمنية الطبيعية يعكس الزمن الداخلي لآدم، فالحب لا ينتظر الفصول، والارتباك العاطفي جعل ربيعه الداخلي يقفز متجاوزاً منطق الوقت.

2- زمن الانتظار والغياب، حيث بعد رحيل رفل، يتحول الزمان إلى ثقل جاثم. تعبر فصول مثل "غياب بحضور" و"الأوراق المتساقطة" و"لا ربيع يعود" عن ركود الزمن وموت التجدد. يتطابق زمن الفقد النفسي مع خريف الشجرة وشعور آدم بالانتظار اللامتناهي، حيث يصبح الزمن دائرة مفرغة تُعاش في ظل الذكرى.

3- التحول الزمني نحو النضج، حيث يتطوّر الزمان السردي ليصل في الختام إلى زمن "الحكمة والتصالح". الزمن هنا يداوي الجراح، لا عبر النسيان، بل عبر تحويل تجربة الفقد إلى نضج روحي دائم يتجاوز حدود الزمن الحاضر ليعيش في أبدية الروح.

ثالثاً: فاعلية الشخصيات، بين الثبات، التحول، والأنسنة، إذ تحركت الشخصيات في الرواية ضمن نطاق مكثف ومرتبط بالعمق الشعوري أكثر من ارتباطه بكثرة الحركة والأحداثوعلى وفق عدد من المستويات:

1- آدم، الشخصية المحورية والتحول الروحي، وهو البطل الحامل للثيمة. تبدأ شخصيته بملامح الفطرة، الهدوء، والارتباك العاطفي البكر. فاعلية آدم تكمن في قدرته على عيش "الحب الصامت" وتجرع مرارة الانتظار. لا ينكسر آدم أمام الفقد، بل يتطور داخلياً (عبر المونولوجات الفكرية والنفسية) ليتحول من عاشق متألم ومستسلم للغياب إلى إنسان ناضج يدرك أن الحب طاقة تحرر الروح، وبذلك يمثل الشخصية النامية والمتطورة في النص.

2- رفل، الشخصية الغائبة الحاضرة / المحفز، حيث تظهر رفل كإشراقةٍ عابرةٍ عند النهر، لكن غيابها المادي اللاحق يمثل المحرّك الأساسي لكلّ أحداث الرواية النفسية. فاعليتها لا تكمن في ما تفعله، بل في "الأثر" الذي تركته في الروح، فهي المحفز الذي فجر مشاعر آدم، وجعل مشمشه يغار، وجعله يعيد اكتشاف ذاته وصمته. إنها تجسيد لفكرة "الحب غير المكتمل الذي يبقى حياً".

3- الحاج محمد، الأب والرمز الإرشادي، حيث يمثل صوت الحكمة والجذور في الرواية. هو الذي زرع شجرة المشمش يوم ولد آدم لتذكرهم بأنهم أحياء. فاعليته تكمن في كونه صلة الوصل بين آدم والطبيعة، وهو الذي يمنح الأبعاد الرمزية للشجرة عمقاً واقعياً داخل العائلة.

4- شجرة المشمش، الشخصية المؤنسنة، إذ في هذه الرواية، يجب التعامل مع الشجرة كشخصيةٍ رئيسيةٍ فاعلةٍ وموازيةٍ لآدم. فالكاتب أنسنها، منحها صفات بشرية كالغيرة، الحزن، التعب، والبكاء عبر تساقط الزهور. وفاعليتها تتجلّى في كونها الشريك الصامت لآدم، وهي تترجم مشاعره التي يعجز عن قولها بالكلمات، وتشاركه تقلبات قلبه صعودًا وهبوطًا.

بمعنى ان هذه العناصر تتلاحم لتصنع شبكة دلالية واحدة، فالمكان/ الدار والشجرة، يحتضن تجربة الحب والصمت، والزمان يتلاعب بالفصول ليعكس تقلبات النفس بين الازدهار والذبول، والشخصيات، آدم والمشمش ورفل والأب تتفاعل في هذا الفضاء لتنقل الحكاية من مجرد قصة عاطفية عابرة إلى تجربة فلسفية في الحب، الفقد، وتطهير الروح.

 

الحدث الخارجي واختزال الرؤية

 

أن العمل يحمل تميًزً واضحًا في جانبه الوجداني والجمالي، إلّا أنه كأيّ عملٍ أدبيّ محاطًا ببعض المآخذ أو ما يمكن تسميته بـ "الإخفاقات الفنية" أو الثغرات في البناء الروائي، ومنها، :

أوّلًا: ضعف الحبكة وغياب الحدث الخارجي، أو ما يسمى بالركود الدرامي، حيث تعتمد الرواية بشكلٍ شبه كاملٍ على الحدث النفسي، من خلال تفعيل المشاعر، التأمل، المونولوج الداخلي. وهذا التركيز المفرط على الجانب الوجداني جعل الرواية تعاني من شحّ كبير في الأحداث المادية والصراعات الحركية التي تشد القارئ التقليدي. فالقصة تكاد تختزل في، رؤية فتاة، غيابها، تأثر الشجرة، ونضج البطل. مما يسسجعلها في بعض الاحيان تصاب بالركود والملل، بسبب غياب المفاجآت أو التحوّلات الدرامية التصاعدية الملموسة.

ثانيًا: غياب الأبعاد الواقعية والمنطقية لـ "رفل"، فهذه الشخصية ظلّت شخصية هلامية، أشبه بطيفٍ أو رمزٍ أكثر منها كائنًا بشريًا واقعيا. إذ لم يمنحها الكاتب صوتًا مستقلًّا، ولا أبعادًا اجتماعيةً أو نفسية واضحة، ولم نعرف دوافع غيابها المفاجئ بشكلٍ مقنع.

ثالثًا: الوقوع في فخّ الرتابة والتكرار اللفظي، بسبب تمحور الرواية حول ثيمات محدّدة (الصمت، الغياب، الانتظار، غيرة المشمش، تساقط الأوراق)، لذا وقع السرد في بعض الفصول في فخ تكرار الأفكار والمشاعر والمجازات الشاعرية بصور وأشكال متشابهة في أكثر من موضع، مما جعل بعض الفصول تبدو وكأنها إعادة إنتاج للفصول التي سبقتها دون تقديم إضافة حقيقية لخط سير الحكاية.

رابعًأ: طغيان اللغة الشاعرية على الحساب السردي، فبرغم أن لغة الرواية جميلة وجذّابة، إلّا أن هناك فرقًا بين لغة "الرواية" ولغة "الشعر". لكن طغت الشاعرية والأسلوب المجازي المكثّف على حساب التقرير السردي وبناء المشاهد الإنسانية الواقعية. وهذا الطغيان حوّل العمل في بعض أجزائه من روايةٍ ذات بناءٍ متكاملٍ إلى ما يشبه القصيدة النثرية الطويلة أو الخواطر الوجدانية الممتدة.

خامسًا: المبالغة في رمزيّة "الشجرة"، فبرغم من أن أنسنة شجرة المشمش كانت فكرة مبتكرّة وجميلة، إلّا أن الإفراط في جعل الشجرة تستجيب لكل خلجة ونأمة في قلب "آدم" (تزهر فورًا لرويتها، وتذبل فورًا لغيابها) قد يتجاوز حدود الواقعية الرمزية، ليقترب من الفانتازيا غير المبرّرة سياقيا، مما قد يفصل القارئ عن معايشة القصة كحكاية إنسانية واقعية تمس القلوب.

إن رواية "حين يغار المشمش" تجربة سردية وجدانية تنتمي إلى أدب الواقعية الرمزية، حيث تتّخذ من عاطفة الحب البكر ومن أريج الطبيعة ملاذاً لتشريح النفس البشرية في حالات ارتباكها، وفقدها، ونضجها. ويمكن عد الرواية من أنها رواية وجدان لا رواية حدث، حيث تخلّت طواعية عن عناصر التشويق والحركة الكلاسيكية لتقدّم في المقابل وجبةً روحيةً دسمة ومكثّفة بالرموز. إنها عمل متميز يداعب النخبة الوجدانية من القراء، وتنجح في إثبات أن أعمق الحكايات هي تلك التي تُعاش في صمت الروح، حتى وإن لم يكتب لها الواقع كمالاً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣٠ تموز ٢٠٢٦ في ١٠:٢٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قوّة المعنى

في المجموعة الشعرية ( غروبُ الأناشيد ) للشاعرة إيمان عبد الستار بدير
قراءات

قوّة المعنى في المجموعة الشعرية ( غروبُ الأناشيد ) للشاعرة إيمان عبد الستار بدير

استطاع الشاعر أن يمتلك قدرًا من الحرية في الكتابة الشعرية الحديثة، فظهرت قصيدة النثر استجابة للتغيرات الثقافية والاجتماعية، ورغم الإشكاليات الكثيرة التي أثارها بعض النقاد ولا زالت إلا أن سنّة التطوّر لا زالت تفرض نفسها على واقع الشعرية المعاصرة، وقد شكّك بعض النقاد بالهوية الاصطلاحية لقصيدة النثر،…

· 4 د
في صدور جريدة تلغراف
قراءات

في صدور جريدة تلغراف

كلمة بمناسبة صدور جريدة تلغراف نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم ليست ولادةُ صحيفةٍ أدبيةٍ جديدة حدثًا عابرًا في زمنٍ تتراجع فيه مساحة الثقافة أمام صخب الحياة وتسارعها، بل هي فعلُ إيمانٍ ومقاومةٍ هادئة، وانتصارٌ لفكرةٍ راسخة تقول إن الكلمة الأصيلة قادرةٌ دائمًا على أن تجد طريقها مهما ضاقت المساحات…

· 4 د
المنحى الفكري في رواية الملعون المقدس للروائي اللبناني الدكتور محمد اقبال حرب
قراءات

المنحى الفكري في رواية الملعون المقدس للروائي اللبناني الدكتور محمد اقبال حرب

المنحى الفكري والمبنى الجمالي في رواية الملعون المقدس للروائي محمد اقبال حرب بقلم الاديب :- حميد الحريزي – العراق المنحى الفكري للرواية:- رواية الملعون المقدس للروائي اللبناني الدكتور محمد اقبال حرب الصادرة عن دار النهضة العربية –بيروت لبنان ط1 2021. لسنا بصدد الحديث حول البناء السردي الرصين…

· 10 د