من أسباب قوة بعض الأعمال الروائية قدرتها على الجمع بين أكثر من نوع أدبي، وهو ما يُعرف بـ"الرواية الهجينة"، حيث تمتزج فيها عناصر التاريخ والواقع والتحليل النفسي والفلسفة ضمن إطار روائي موحّد وشخصيات متعددة. وهذا ما أبدع فيه الراحل بهاء طاهر في روايته الكبيرة "واحة الغروب".
لا يكتب بهاء طاهر رواية لمجرد الحكي، ولا يرسم أحداثًا أو شخصيات تقليدية، بل يقدّم عملًا تتداخل فيه الأبعاد التاريخية والنفسية والفلسفية والاجتماعية، ليضعنا أمام نص روائي مركّب، عميق الدلالة، وجميل الأسلوب، وهو ما يبحث عنه القارئ الرصين، خاصة حين تكون الصحراء جزءًا من هذا العالم الروائي بما تحمله من رمزية واتساع ووحدة.
تبدأ الرواية من "المحروسة"، لتنتهي عند واحة سيوة، تلك اللؤلؤة التي تحتضنها الصحارى من كل جانب. يعيدنا الكاتب إلى نهايات القرن التاسع عشر، مع بدايات الاحتلال البريطاني لمصر، حين يُرسل ضابط الشرطة المصري محمود عبد الظاهر إلى الواحة، بعد أن أُثيرت الشكوك حول تعاطفه مع الأفكار الثورية، رغم حياته السابقة اللاهية بين الحانات وبنات الليل.

يرافق محمود في رحلته الطويلة زوجته كاثرين الإيرلندية، الشغوفة بالآثار، والتي تبحث باستمرار عن مقبرة الإسكندر الأكبر، فيجد نفسه أمام عالم جديد شديد الثراء والخصوصية، عالم منغلق على ذاته ويرفض الغرباء، فكيف إذا كان هذا الغريب ممثلًا عن السلطة ومكلّفًا بجمع الضرائب من الأهالي؟
تصوّر الرواية واحة سيوة في تلك المرحلة بكل تفاصيلها: العائلات المتنفذة، والصراعات الداخلية، والعادات والتقاليد الصارمة التي تحكم المجتمع، حتى يكاد الخروج عنها يُعدّ من المحرّمات. وفي خضم ذلك، يعيش محمود صراعًا نفسيًا عميقًا بين عالمين متناقضين: القاهرة الصاخبة بترفها وأسواقها، وواحة سيوة المنعزلة وسط امتداد صحراوي لا نهاية له، حيث يجد نفسه غريبًا مرفوضًا، لا يُقبل حضوره ولا يُحتمل وجوده.
لعل من أبرز ما يميّز الرواية حضور الاعترافات الداخلية لبعض الشخصيات، مثل الضابط محمود وكاثرين والشيخ يحيى، الذي يقرر الانسحاب من حياة الأهالي بعد أن سئم من عاداتهم وتقاليدهم التي قادت في النهاية إلى مقتل حفيدته "مليكة".
يلاحظ القارئ توظيف الكاتب للتاريخ بشكل رمزي، عبر استدعاء شخصية الإسكندر الأكبر بوصفه حضورًا متخيّلًا يعكس علاقة الإنسان بالأسطورة والتاريخ، أكثر من كونه حدثًا مباشرًا.
"واحة الغروب"، ليست مجرد رواية، بل بناء سردي ثري يمزج بين الماضي والحاضر، ويعيد قراءة العلاقة بين الشرق والغرب على المستويين الإنساني والحضاري من خلال شخصيات مأزومة.
جاءت "واحة الغروب"، بلغة هادئة تمتاز بالبساطة والعمق، بعيدة عن الإسهاب والتكرار المرهق، فيما تمنح الجمل الطبيعية والقصيرة القارئ تجربة متوازنة بين المتعة والتأمل.
هنا لا يكتب بهاء طاهر حكاية فحسب، بل يفتح مساحة للتأمل في الإنسان وهو يصطدم بالمكان والتاريخ والآخر.
صدرت الرواية عن دار الشروق المصرية، وتقع في 345 صفحة من القطع المتوسط.







التعليقات