في المشهد الثقافي العربي، ثمة قامات يغير الأكاديميون ملامحهم حين يرتدون جُبّة الأستاذية، لكن الأستاذ الدكتور نجمان ياسين ظلّ استثناءً نادرا ؛ إذ لم تفلح صرامة المؤرخ ولا هيبة القاص في أن تحجب ذلك "الشاعر الشاب الوسيم" الذي انطلق يوماً من أزقة الموصل ومحلاتها العتيقة، مسكوناً بشغف القراءة والكتابة.
ويمتاز الدكتور نجمان بحضور استثنائي في المحافل الفكرية؛ فهو يكسر رتابة "بيروقراطية الإتيكيت" المملة والمقيدة، لينطلق على سجيته الطيبة والنبيلة، تلك السجية التي لا تعني الضعف، بل تعكس إرادة صلبة وأصالة موصلية متجذرة. تراه مواجِهاً صارماً في الحق، وفي الوقت ذاته، مبتهجاً تبسمُه يفتح القلوب، وهي معادلة لا يقدر عليها إلا من تصالح مع ذاته ومع تاريخه.
ومما يزيد المرء إعجاباً وإكباراً لشخصية الدكتور نجمان ياسين، هو حجم الوفاء والتقدير المطلق الذي يكنّه لأساتذته ومعلميه، ويتجلى هذا بوضوحٍ ساطع في علاقته بأستاذه المؤرخ الكبير الأستاذ الدكتور هاشم الملاح.فمن خلال اللقاءات التي جمعتهما، يرى الرائي ملمحاً تربوياً وأخلاقياً يأسر القلوب؛ إذ بالرغم من كل هذا الثراء الفكري، الأدبي، والأكاديمي الذي وصل إليه الدكتور نجمان، إلا أنه حين يجلس أمام أستاذه الدكتور هاشم الملاح، تراه يجلس بكامل هيبته وتواضعه كأنه تلميذ نابه يجلس في الصف أمام معلمه. إنها علاقة روحانية عميقة تنضح بالوفاء، الاحترام المتبادل، وتجسد أبهى صور العلاقة بين المدرس المخلص والتلميذ المنتبه، وهي شهادة حيّة على نبل أخلاق الكبار.
المحلّة الحاضرة في الوجدان
رغم النجومية والعالمية، لم تغادر "المحلة والمنطقة" التي نشأ وتربى فيها خلجات نفسه. إن الموصل عنده ليست مجرد جغرافيا أو مسقط رأس، بل هي "مصل" يجري في عروق كتاباته القصصية والتاريخية. هذا التعلق الوجداني هو الذي جعل إبداعه صادقاً، فبات قريباً من كل خلجة من خلجات النفس الموصلية، يعيش همومها ويوثق آمالها.
واليوم، يقف الدكتور نجمان ياسين كـ علامة فارقة في الأدب العربي، فـ:
أكاديمياً: أصبح مرجعاً متمرساً يُشار إليه بالبنان في التاريخ والقصة القصيرة وشعر النثر.
عالمياً وعربياً: ترجمت أعماله إلى لغات عالمية، وغدت إبداعاته مادة خصبة ومحورية لأطاريح الدكتوراه ورسائل الماجستير في الجامعات العراقية والعربية.
ويبقى الدكتور نجمان ياسين ذلك المفكر الاستثنائي الذي سافر بحرفه إلى العالمية، وترجمت كتبه الدول، لكنه حين يعود إلى نفسه، يعود ذلك الموصلي البسيط، النقي، والوفي لمدينته ولأساتذته. إنه باختصار: كبيرٌ في أدبه، وعظيمٌ في تواضعه ووفائه.







التعليقات