انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

من جغرافية المنفى إلى دهاليز الذّاكرة عودة السّنونو لهشام محجوب عرايبي

وفاء بونيف
وفاء بونيف

ناقدة واديبة جزائرية

3 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
من جغرافية المنفى إلى دهاليز الذّاكرة عودة السّنونو لهشام محجوب عرايبي
مشاركة:

عودة السّنونو رواية يُحيلنا عنوانها بشكل صريح إلى الرّجوع حيث يجد أي كائن الدفئ والأمان، ولكن لعودة بطلنا هنا تبعات أخرى أهمها الذّاكرة. فهل يكون فعل الرّجوع المربوط بالذّاكرة ٱمنا؟ أم أنّ لتبعات الذّاكرة قول ٱخر؟

 عودة السّنونو رواية للكاتب الجزائري هشام محجوب عرايبي،  الصادرة عن دار أدليس، يسرد فيها الكاتب الكثير من الوقائع الوطنية، مع التّفنن في نقل الإيديولوجيات المختلفة التي كانت السبب الرئيسي في جلّ الصّراعات التي عاشها وما زال يعيشها الجزائريون إلى غاية اليوم.

 ياسين شاب جزائري عاش حياة بسيطة كأغلب الجزائريين في حقبة الثّمانينات، وكانت له ثلّة من الأصدقاء الّذين شاركوه شقاوة الطّفولة ومرح الشّباب، لكن كان للوضع الأمني في البلاد رأي ٱخر، فجاءت العشرية السّوداء لتقلب حياة الجزائريين رأسا على عقب، وكان لياسين نصيب من الفقد والألم والحرمان، فحمله جسده المثقل بالظلم وروحه الحاملة لأوجاع الفقد على قارب الموت ؛ طمعا أن يحقّق له خروجا ٱمنا من ظلمات القهر إلى نعيم العدالة و الحرية.

من جغرافية المنفى إلى دهاليز الذّاكرة

عودة السّنونو لهشام محجوب عرايبي

 بين عالمين مختلفين يكتب ياسين تجربته الشّخصية مع الحب و الصداقة والتّعلم والعمل، يُحيطنا بتفاصيل تنقله من عالم مشحون بالكراهية ونبذ الٱخر والخوف منه، لكنّه عالم فيه عائلات كريمة تحتضن الضّعيف وتُكرم البعيد، وأصدقاء يُقرءونك السّلام في كل حين وجيران يقيمون معك أفراحك ويحملون عنك أحزانك، إلى عالم مادي بحت؛ حيث احترام الوقت وتقنين كل شئ، لكنه عالم بلا روح ولا محبة خالصة ولا حتّى سلام داخلي، رغم توّفر الأمن الخارجي.

لقد جعل الكاتب الذّاكرة هي العمود الأول للعمل بوصفها بناء للسّرد؛ حيث تمّكن من تسييره وفق متاهاتها الّتي لا تنتهي، مع جعل التّأمل عمودها الثّاني بوصفه وسيلة لفهم الشّخصية؛ حيث صنع من البطل ياسين إنسانا محافظا على دينه متمسكا بمبادئه، يتأمل كل ما حوله بحيادية مطلقة، دون التّأثر به أو الخوض فيه،( باستثناء ذلك اللّقاء مع الإسرائيلي الّذي جعله يثور ضده)، ورغم كلّ المغريات الّتي حوله لكنّه بقي ثابتا. ورغم أنّه يحمل ندما عميقا وندوبا عميقة لم تستطع المسافات محوها، لكنّه ظلّ شخصية متماسكة، حرة ومتفردة في رأيها. هنا عمِد الكاتب على أسطرة الشّخصية وجعلنا نتتبع تنقلاتها. ليس باعتباره تنقلا جغرافيا فقط، بل هو انتقال نفسي من حالة السّرد الواعي إلى حالة المواجهة مع ما اندس في لاوعيه وظهوره على شكل تقاطعات مع أحداث في حاضره.وهنا نجد أنفسنا أمام تداعٍ للأفكار؛ حيث يكون التّنقل ليس وفق التّسلسل الزّمني فقط، بل وفقا لما تقتضيه الذّاكرة أحيانا أخرى، لكنه لم ينقض البناء الرّوائي بل على العكس تمّ تقويته وفق  ذلك التداخل الأنيق بين السّرد والتأمل؛ لأنّ الأفكار لا تتوقف عبثا بل تكون لإيصال فكرة دينية أو فلسفية أو اجتماعية معينة؛ أي أنّ الكاتب اعتمد على أسلوب المفاجئة في السّرد، وهو أسلوب لا ينجح فيه الكثيرون؛ لصعوبة الرّبط بين الأحداث، واستحضار الذّاكرة. لكنّ كاتبنا هنا فكّك السّرد، وتداعت معها كل الأفكار، لكنها لم تُخلّ بالمعنى ولم تهتز روابط العمل، بل على العكس كان الخيط الفاصل بين هذا وذاك أقوى وأكثر متعة وأعمق مبنى.

ولأنه عمل روائي غير تقليدي، فهو يحمل مقومات نجاحه في اختلافه السّردي واللغوي، وحتّى خاتمه لم تكن مباشرة ولا تحمل إجابة صريحة، بل تفتح أمامنا مجموعة لانهائية من التّساؤلات؛ حول حقيقة ما كتبه ياسين ومدى قوة الكتابة في تخليص صاحبها من تبعات الذّاكرة، وهل ما قرأناه كان فعلا الحياة الحقيقية لياسين؟  وإذا كانت هي فعلا حياته  الحقيقة فهل يمتلك حق إعادة نقلها أم أن كل حقيقة يجب أن تدفن وإلاّ ستجعلك يوما ما أمام موضع المتهم؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمد حسين آل ياسين؛ 

في الليلة التي رفعت فيها العربية دعوى على أحد أبنائها
قراءات

محمد حسين آل ياسين؛ في الليلة التي رفعت فيها العربية دعوى على أحد أبنائها

إسماعيل نوري الربيعي حدث ذلك بعد منتصف الليل بقليل، حين كانت بغداد قد أغلقت أبوابها على تعبها، وانسحب آخر الضوء من شبابيك الكاظمية، واستلقى دجلة بين الضفتين مثل حارس عجوز أقسم ألا ينام ثم غلبه النعاس، ففي تلك الساعة التي تصبح فيها الأشياء أقل طاعة لقوانين البشر، سمع طرق خفيف على باب غرفة محمد حسين…

· 12 د
حول الشعر العراقي المعاصر.. شاعرتان وشاعران
إنعام كمونة (1)
قراءات

حول الشعر العراقي المعاصر.. شاعرتان وشاعران إنعام كمونة (1)

بعد اطلاعنا على الحركة الشعرية العربية العراقية التي ينصرف فيها الشعراء إلى قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر وقع اختيارنا على أربعة من مجايلينا شاعرين وشاعرتين الشاعران هما طارق الحلفي وهو عراقي بصري يعيش في األمانيا،والشاعر عادل الحنظل الذي يعيش في السويد ،أما الشاعرتان فهما إنعام كمونة وتكتب قصيدة…

· 4 د
زيتونة تقاوم الريح:

قراءة في الديوان الشعري (زيتونة مجعدة) للشاعرة آية الوشيش
قراءات

زيتونة تقاوم الريح: قراءة في الديوان الشعري (زيتونة مجعدة) للشاعرة آية الوشيش

ثمة أشجار لا تُقاس بجمالها، بل بقدرتها على البقاء. والزيتونة واحدة من تلك الأشجار التي لا تستسلم للزمن؛ كلما اشتدت عليها الريح، ازداد جذعها التواءً، وكلما عبرت عليها السنوات، ازدادت تجاعيدها عمقًا، كأنها تحفظ في جسدها سيرة المكان الذي أنبتها. لذلك، لم تكن «زيتونة مجعدة» مجرد عنوان لديوان "آية…

· 6 د