تتحرك المفارقة في جوانب عديدة من الحياة،وهي طريقة في الكتابة غايتها تأجيل المغزى واثارة المتلقي عبر صوغ بلاغي يستعمل الكاتب فيه ـ أي في هذا الصوغ ـ اللغة بشكل خادع،وهي تشير على الدوام الى انحراف ما ، على مستوى منطق الفكر،أو على المستوى اللغوي،وهذا الانحراف هو الذي يحدث المفاجأة لدى القارىء،ويجعله يدرك انه يتعامل مع لغة خاصة، لقد صدق غوته عندما وصف المفارقة بأنها"ذرة الملح التي وحدها تجعل الطعام مقبول المذاق" كما ان المفارقة في النص ليست ومضات تتشكل في التناقض العفوي من حالات تضادية يراد بها الأدهاش وحسب، بل هي وعي كتابي خاص يتحول الى ابتكار له "القدرة على تقديم تشكيلات(صورية/لغوية) تصل احيانا الى حد الصدمة الفكرية لدى المتلقي" وينطوي فكر المفارقة على"تفاعل جدلي دائم بين الحقيقة الذاتية،وبين الحرية والضرورة،بين مظهر الحياة وحقيقة الفن،بين وجود المؤلف في كل جزء من عمله عنصرا مبدعا منعشا وبين ارتفاعه فوق عمله بوصفه(المتقدم)الموضوعي"، ففي قصة ( الرهان) للقاص أحمد فكاك البدراني توصلنا المفارقة الى المسافة المائزة بين الدهشة والتشيؤ، فيبدو الرهان من أول وهلة كأنه نوع من التحدي العادي الذي قد يحدث في أي مكان:
وفي إحدى تلك الليالي، اعتدل لطيف في جلسته وقال بصوت خفيض:))
أتدرون، ان الخرائب التي تقع خلف التلال؟
ساد الصمت.
فأكمل:
لا أحد يمر بها ليلاً إلا ويخرج له الجني ويسمى (الغول) يسكن الأماكن المقفرة، ويملك قوة خارقة على تغيير شكله، يبدو مثل النار، او بهيئة إنسان يطلب النجدة، ومرات يظهر على شكل صغير الماعز حتى أطلال البيت الطيني القائم هناك، تركه أصحابه وهربوا خوفا منه..
قال رجل من الجالسين:
مررنا قربها ذات ليلة، وسمعنا أصوات دفوف وغناء كأن عرساً يقام داخل الخراب، وكان سعيد وكامل معنا، ولو كان سعيد حاضرا لشهد بذلك.
وأضاف كامل:
أسرعنا الخطى حتى كدنا نركض، وحين قصصنا ما حدث، قالت جدتي، هذا المكان مسكون!))
وحينما تتفاقم المخاوف والخرافات، تنهض الأسئلة من مرابض التحدي (يا ترى من له القدرة على اقتحام الخرابة ليلا واكتشاف اللغز الذي سبب ذعرا للأهالي؟)، أيكون جنيا أو شيطانا أو ساحرا يسيطر بطريقة ما على هذا المكان الموحش.. من يتحدى ويخترق ظلمة المخاوف ويكسر طوق الرعب الذي ضربته الخرابة على الكبار والصغار، فصارت كأنها عدوى أو وباء يخافه الأهالي الى حد الفزع والجنون:
((وهل تُكذّب كل من قال إنه رأى شيئاً هناك؟
ابتسم عبد الرزاق ابتسامة ساخرة وقال:
— أنا لا أكذّبهم، بل أكذّب خوفهم. فالخوف يجعل العين ترى ما لا وجود له، ويجعل الهمسة صراخاً، والظلّ وحشاً، والخراب مدينةً للجن..
وما إن أنهى كلامه حتى جاء صوت فاطمة من آخر المجلس، هادئاً وواثقاً على غير المتوقع:
إذا كان الأمر كما تقول… فكم تدفعون لي إن ذهبت إلى هناك وحدي هذه الليلة وعدت
كلها خرافات. لو كان الجن يملكون تلك القدرة لما تركوا الناس ينامون آمنين في بيوتهم.
تداخلت الأصوات مع بعضها..
كل واحد يدلي بما سمع أو رأى أو تخيل
وعاد صوت المرأة من آخر المجلس
كانت فاطمة، قالت بتركيزٍ وهدوء:
— وكم تدفعون لي إن ذهبت إلى هناك وحدي، الآن وعدت ولن أخذ معي سوى طفلي الرضيع؟))

ان شعرية المفارقة في هذه القصة هي تعبير عن جمالية الطرح المدهش التي يتشكل من خلالها نص جدلي اشكالي يحتوي على رؤية ذات طابع فلسفي ورؤيوي يتعلق بمنظور الانسان وفكره وموقفه من الحياة والاشياء،انها دعوة للحياة، بعيدا عن الأساطير والخرافات، وبعيدا عن الألم الذي لامعنى له ،والحزن الذي لاطعم له،والموت الذي لاشكل له، لقد سببت هذه الخرابة شرخا في نفوس الناس وصبغت القلوب بمسحة من الخوف والوحشة والشك بالحقائق التي لم يصل اليها أحد وتأتي امرأة مع طفلها الرضيع لتقتحم العقبة وتنعش الأرواح المضطربة ببصيص أمل يفتح نافذة في كوة الأسئلة التي أطبقت مخالبها وأنيابها على الكبار قبل الصغار، ان قبول التحدي قد يدفع هذه المرأة الى الجنون أو الموت فزعا، وهذا التحدي يحمل أكثر من معنى، فالأنثى الأم والطفل الذي لايعي حجم الخطورة ولايفهم حرفا واحدا من الحكاية كلها، ربما سيكونان ضحية حماقة أو جهل المرأة وهي تخترق المجهول، بل هو شيء أصعب من الموت أن ينتظر المرء الموت:
((اختبأت خلف جدار متهدم وهي تضم طفلها إلى صدرها، كان يدور بخلدها ان الجني، قصير القامة، جاحظ العينين، وبلحية كثة، وراح تفكيرها، ماذا تقول له إذا سألها عن انتهاك حرمة مكانهم، وهل يعقل انها لم تسمع من الناس ان قبيلة من الجن
تسكن هنا.
، ثم راحت تتمتم بآيات من القرآن الكريم، قل اعوذ برب الفلق، قل اعوذ برب الناس، الله لا إله إلا هو الحي القيوم.. لكن الحقيقة كانت أشد رعباً من كل الأساطير،فقد ظهر ثلاثة رجال..وكانوا يحملون نوع من الأغطية يقال له (شف) غامق اللون وقد لف به شيء، لا يقوى رجل واحد على حمله.. تخيلته جثة رجل من الجن ملفوفة بهذا الغطاء الداكن.. أنزلوها إلى الأرض ثم بدأ أحدهم بالحفر.. اختنق الهواء في صدر فاطمة، لم تعد تفكر بشيءٍ، لقد أصبحت أمام مجهول، هل هم من البشر ام ماذا ؟ هذه الهيئات بشر، ماذا يفعلون هنا في هذا الليل، وربما يخفون جريمة وفي تلك اللحظة تحرك طفلها وأصدر أنيناً خافتا شعرت أن روحها خرجت من جسدها أسرعت تلصقه بصدرها وتضع ثديها في فمه ليصمت لكن أحد الرجال انتبه رفع رأسه فجأة وقال:
.. ساد الصمت وأخذ يتلفت حوله ثم قال: انتظروا
!)) أظن أن أحداً ما هنا
حين يأتي الجواب صاعقا كالموت ( الخرابة ملجأ للبشر الذين تلبستهم الشرور فصاروا حلفاء للشيطان حتى تغلبوا عليه) تلك حقيقة الخراب البشري لا خرابات " الغول" أو" الجن" وسوى ذلك من الخرافات التي أرهقت أرواح الأهالي واربكت عقولهم، فصاروا يشجعون أنفسهم على ابتكار الأكاذيب ، فالخرابة الملعونة المسكونة بالأسئلة النارية هي بيت للإنسان الذي فقد انسانيته وصار يمارس جرائمه فيها بكل وحشية و في الوقت نفسه يشجع الجهال والحمقى وسواهم بأن منطقة( الخرابة) مسكونة فيجب الابتعاد عنها وإلا أصيب الانسان بالجنون أو الموت، فقد ظهرت الحقيقة وان كان ذلك بعد فوات الأوان:
ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد يتحدث عن الجني الذي يسكن الخربة))
لأنهم اكتشفوا أن أكثر ما يخيف الإنسان ليس ما يختبئ في الظلام…
بل ما يختبئ في قلوب البشر.
اما الخرائب فقد بقيت كما هي .. لكن الناس لم يعودوا يخافونها كما كانوا من قبل، فقد عرفوا ان الخراب الحقيقي، لا تسكنه الجن، وانما يصنعه الانسان حين يقتل ضميره ويعيش في خرائب نفسه المسكونة بالوساوس والشياطين!.))
المفارقة ليست هي التي أخرجتنا من محنة الأسئلة الى فضاءات الدهشة، بل هي التي كشفت تشيؤ البشر الذي خرج خاسرا من انسنته، وتحول الى وحش ينطلق من مجموعة خرافات زرعها في أمخاخ الأهالي حول الخرابة التي يسكنها الجن وتعيش فيها الشيطان ويعتاش " الغول" على جماجم الأطفال، فلو لا أن وقع شذاذ الأرض وأعداء السماء في قبضة العدالة، لقامت الغيلان والوحوش المزعومة بدخول بيوت الناس ليلا وافترستهم على العشاء وهو في ذمة الأحلام التي تتحول في أواخر الليالي تلقائيا الى كوابيس.







التعليقات