في الليلة التي قررت فيها بغداد أن تستدعي موتاها ليشهدوا على محاكمة الأحياء، حدثت معجزة لم تسجلها كتب التاريخ، ولم تتنبأ بها أساطير بابل، ولم تجرؤ شهرزاد على روايتها في لياليها الألف؛ فقد نهض دجلة من فراشه الأزلي، وخلع عباءته المائية، ومضى حافيًا في أزقة مدينة الثورة يبحث عن حنجرة سرقت الرعد من السماء وأعادته إلى أفواه المظلومين. كانت بغداد يومئذ امرأة عجوزًا تحمل على ظهرها ألف حرب، وفي عينيها مقابر لم تجف تربتها، وفي صدرها أطفالًا كبروا قبل أن يتعلموا معنى الطفولة. وبينما كانت الوزارات تغلق أبوابها، والأختام تنام فوق جثث العرائض، خرج من شاشة صغيرة رجل اسمه وجيه عباس، لا يحمل سيفًا ولا يمتطي جوادًا، وإنما يحمل سلاحًا عجيبًا صنعته القرون من غضب الفقراء ودموع الأمهات ومرارة الانتظار. وحين ارتفع صوته، ارتجفت خزائن الملفات، واستيقظت الأوراق التي مات أصحابها قبل أن تصل إلى المسؤولين، وخرجت من المقابر أرواح تسأل: هل جاء أخيرًا من يستطيع أن يسمع شكوانا؟ عندها أدركت بغداد أن حنجرة هذا الرجل لم تعد ملكًا لصاحبها وحده، بل صارت في المخيلة الشعبية جسرًا تعبر فوقه أحزان الذين لم يجدوا طريقًا إلى العدالة.
مملكة الدهن الحر وسقوط سلاطين الكلام
ولأن العراق بلاد تستطيع تحويل المأساة إلى نكتة، والنكتة إلى ثورة، والثورة إلى مرثية، فقد دخل وجيه عباس مملكة السخرية من بابها الأعظم، حيث الكلمات لا تمشي على أقدامها، بل تحمل سكاكينها تحت أثوابها. هناك ظهر كتابه عولمة بالدهن الحر كأنه مخلوق أسطوري خرج من قدر نحاسي يغلي فوق نار التاريخ؛ نصفه مفارقة شعبية، ونصفه الآخر محاكمة ساخرة لعالم يتحدث عن ازدهار البشرية بينما يعجز الفقير عن تأمين خبزه. وفي سوق المعاني المستعملة، كانت العدالة معروضة للبيع، والنزاهة ترتدي ثيابًا مستعارة، والوطنية تتنقل بين المنابر كأرملة يبحث الجميع عن ميراثها. دخل وجيه السوق، فضحكت الكلمات من جرأته، ثم خرجت وراءه في موكب عجيب، تتقدمها الحقيقة وهي تحمل مرآة مكسورة، وتتبعها الحرية وقد فقدت جناحًا في إحدى الحروب. كان يعرف أن الضحك العراقي ليس دائمًا علامة فرح، وإنما قد يكون صرخة جريحة ترتدي قناع المهرج كي تستطيع المرور بين الحراس. ولهذا تحولت سخريته إلى مطرقة تضرب تماثيل البلاغة المتعالية، وتعيد الكلمات إلى أصحابها الحقيقيين. لكن الحقيقة اقتربت منه وهمست: احذر أن يتحول الرعد إلى سلطان جديد، فالكلمة التي تنتصر للمظلوم لا تستحق مجدها إن ظلمت خصمًا، والشجاعة التي لا يحرسها الإنصاف قد تصبح وجهًا آخر للقوة التي تقاومها.
برلمان العرائض وقيامة المظلومين
وفي مدينة الثورة، عند مجلس عزاء والد الشهيد مصطفى العذاري، يتجلى مشهد رواه الإعلامي فائق العقابي عن التفاف الناس حول وجيه عباس، يحملون شكاواهم ويرجون أن تجد طريقها إلى برنامجه. هنا تتوقف الواقعة عند حدودها الإنسانية، وتبدأ الأسطورة رحلتها الجامحة؛ فقد تخيلت بغداد أن العرائض خرجت من جيوب أصحابها، ونبتت لها أجنحة، ثم تحولت إلى جيش أبيض يزحف نحو أبواب الدولة. جاء شيخ من الكوت يحمل سنواته المكسورة، ورجل من العمارة يجر خلفه نهرًا من الانتظار، وامرأة تحمل صورة ابنها، وشاب يحمل شهادة دراسية تحولت من طول البطالة إلى شاهد قبر. وحين جلس وجيه بينهم، صار كرسيه في الخيال عرشًا لا تحرسه الجيوش، بل تحرسه دموع الناس. فجأة انشقت الأرض، وخرج منها عملاق بلا رأس اسمه التأجيل، يرتدي عباءة من الأختام، ويحمل في يده مفاتيح ألف دائرة حكومية. صاح العملاق: من يجرؤ على اقتحام مملكتي؟ فارتفعت العرائض مثل طيور القيامة، وأجابت بصوت واحد: نحن الذين سرقت أعمارهم المواعيد! عندئذ تحول المجلس إلى برلمان للمظلومين، واتسعت جدرانه حتى احتضنت العراق كله، وصار وجيه عباس في المخيلة الشعبية وزيرًا بلا وزارة، ومحاميًا بلا محكمة، وحارسًا لأبواب لم تفتح. غير أن المأساة الأعظم كانت تختبئ خلف هذا المجد؛ فكل عريضة تصل إليه شهادة على إنسان يحتاج إلى وسيط كي يسمعه وطنه، وكل يد تمتد نحوه تفضح مؤسسة كان ينبغي أن تمتد يدها قبل الجميع.
القيامة التاسعة: حين أعاد الرعد صوته إلى الإنسان
وحين دقت الساعة التاسعة، لم تكن عقاربها تشير إلى موعد تلفزيوني، بل إلى ساعة الحساب في ملحمة عراقية تتخاصم فيها الذاكرة والنسيان. انفتحت السماء فوق ساحة التحرير، ونزلت منها ملايين الحناجر المعلقة بسلاسل الصمت، ثم نهض نصب الحرية من حجاراته، وأمر دجلة أن يشهد على محاكمة القرن. وقف وجيه عباس في مواجهة الصدى، ذلك الوحش الذي يكرر أصوات الجماهير حتى يوهمها أنه الحقيقة، فخرجت من النهر امرأة عمياء تحمل ميزانًا مكسورًا، وقالت: لا بطولة لمن يرفع صوته فوق الناس، وإنما البطولة لمن يجعل صوتهم أعلى من الخوف. عندها انكسرت المرايا التي صنعتها الشهرة، وسقطت منها صور الإعلامي والكاتب والمرشح السياسي، وبقيت صورة واحدة لرجل عجوز يحمل عريضة ويرتجف أمام باب مغلق. تقدم وجيه في الحكاية نحو الشيخ، فلم يمنحه وعدًا سحريًا، بل أعاد إليه الورقة، وقال له إن كرامة الإنسان أعظم من شهرة المدافعين عنه. وفي تلك اللحظة أدركت بغداد سر الملحمة: ليس البطل من يجعل المظلومين محتاجين إليه إلى الأبد، بل من يوقظ فيهم الحق حتى يصبح أقوى من الخوف. وحين عاد دجلة إلى مجراه، كانت العرائض ترفرف فوق جسوره مثل أسراب الحمام، وكانت الساعة التاسعة قد خلعت عقاربها وألقتها في النهر، لأنها أدركت أن الزمن الحقيقي لا تقيسه الساعات، وإنما تقيسه الحقوق المستردة. أما وجيه عباس، فقد بقي في المشهد رجلًا من لحم ودم، تحيط به محبة مؤيديه وأسئلة المختلفين معه، وتلاحقه مسؤولية الكلمة التي اختارها سلاحًا. وعندما أطفأت بغداد مصابيحها، سمعت ورقة مجهولة تهمس من أعماق التاريخ: يا عراق، ليس أعظم أبنائك من يستطيع أن يصرخ باسم المظلومين، بل من يساعدهم على بناء وطن لا يحتاج فيه الإنسان إلى استعارة حنجرة الرعد كي يسمع أحد صوته.








التعليقات