تمثل مسردية «أحلام الغول الكبير» للكاتب الجزائري عز الدين جلاوجي علامة فارقة في مساءلة البنية الثقافية والسياسية للوعي العربي، إذ تنطلق من منطقة التماس الحرجة بين تقنيات الفرجة الدرامية واسترسال الحكي الروائي، لتشيد عالماً تراجيكوميدياً يتغذى على شواهد التراث الجمعي ومحمولاته الرمزية. إن المتن الإبداعي لا ينكفئ على محاكاة الواقع الراهن بأسلوب تسجيلي عابر، بل يعمد إلى حفر عمودي في الذاكرة الحضارية، مستدعياً حكايات الخوارق والأساطير وسير الفاتحين ونصوص الفقه السياسي والشعر القديم، ليعيد صهرها داخل بوتقة كتابية جديدة تسميها التجربة بالـ«مسردية». يتحول الطغيان هنا من واقعة ظرفية إلى متوالية تاريخية تمتد جذورها في قاع المتخيل الجمعي، ليغدو الاستبداد كائناً هجيناً يستمد مشروعيته من أقنعة شتى صاغها التاريخ الشفوي والمدون على حد سواء.
تتوسل هذه القراءة «المقاربة التناصية والميتامسردية» بوصفها عدسة تشريحية لتفكيك طبقات المتن؛ وهي مقاربة تستند نظرياً إلى طروحات ميخائيل باختين حول الحوارية وتعدد الأصوات وكرنفالية التهجين، ومفهوم التناص بوصفه تقاطعاً للنصوص وتحويلاً لمدلولاتها، متآزرة مع النقد الميتانصي الذي يرصد وعي الكتابة بذاتها وحدود جنسها الأدبي. يعتمد الجهاز المفهومي للدراسة على أدوات تحليلية دقيقة، أبرزها: التهجين التناصي، ومسخ المرجعيات التاريخية، وكسر الإيهام الدرامي، والركح الذهني، والتحوير الساخر للأيقونات، بغية الكشف عن الكيفية التي أدار بها النص صراعه الفكري عبر استدعاء مخيال «ألف ليلة وليلة» وشخوص التراث العربي، لإعادة إنتاجها داخل خطاب نقدي يحاكم بنية الاستبداد ويخلخل أوهام الوعي الزائف.
مفهوم المسردية وأفق التجنيس
ينطلق عز الدين جلاوجي في ملحقه التنظيري المصاحب للمتن من وعي حاد بأزمة التلقي التي كبّلت النص المسرحي التقليدي، حيث يرى أن انحصار النص في شروط الخشبة وضيق الركح أفقده قطاعاً واسعاً من القراء، في الوقت الذي تمددت فيه الرواية لتستقطب ذائقة العصر؛ وهو ما ولّد لديه الحاجة إلى صياغة بديل إبداعي يقوم على كسر الحدود المصمتة بين الأجناس: «فكانت المسردية، مصطلحاً منحوتاً من المسرح والسرد، شكلاً جديداً يستلهم روح السرد دون أن يجرح كبرياء المسرح» (ص 135). هذا الانصهار لا يقف عند حدود الاستعارة اللفظية، بل يمتد إلى تفكيك المعمار الطباعي والبصري للكتابة الدرامية؛ فالكاتب يعوض تقطيع المشاهد الصارم، والإرشادات الإخراجية المعزولة بين أقواس، بضمير سارد ينساب في نسيج الحدث، متيحاً للمتلقي ركحاً قرائياً متخيلاً يزاوج بين حركة الممثل وتأمل القارئ.
تتأسس المسردية في «أحلام الغول الكبير» على خرق التراتبية الأجناسية؛ إذ لا يكتفي النص بحمل خصائص المسرح من صراع وحوار وتوتر، بل يشرّبها بتقنيات الوصف النفسي والاسترجاع والتعليق الاستطرادي. تتجلى هذه الخصوصية في استبدال لفظ "المشهد" أو "الفصل" بلفظ "الدفتر"، محيلاً القارئ إلى وثيقة تدوينية تستدعي تقاليد الكتابة التراثية واليوميات والرسائل. إن السرد هنا ليس حشواً ولا بديلاً عن الفعل الدرامي، بل هو الحاضنة الديناميكية التي تحرّك الشخصيات وتكشف عن عوالمها الجوانية: «فال فصل بين نص الحوار والنص الموازي الذي يشمل التفصيل في شخصيات المسرحية، ثم يحدد المكان والزمان بداية كل فصل أو مشهد... لقد تم تعويض كل ذلك بحكي ووصف مطول أحياناً طولاً لا يغطي على الحوار الذي يبقى سيداً» (ص 135). يتبدى هذا التضفير معمارياً من خلال الدخول المباشر في حركة الممثل دون تمهيد ديكوري جاف؛ فاللغة تضطلع بمهمة السينوغرافيا الذهنية التي تؤسس لحركية الصراع، مانحةً النص طاقة بصرية تكتفي بالقراءة دون أن تتخلى عن إمكانية التجسيد العضوي.
يتعمق هذا الأفق النظري حين يربط جلاوجي مشروعه بأصالة التراث العربي السردي، مستدعياً فن "المقامة" عند بديع الزمان والحريري، و"شعر التفعيلة" لدى رواد التحديث (ص 138). فالمسردية بهذا المعنى ليست اقتباساً لنمط غربي هجين، بل هي استرداد للروح الحكائية الفطرية التي مثلها "الـقَوَّال" في الأسواق الشعبية القديمة، حيث كان يجمع بين الإنشاد والتمثيل والإيماءة الجسدية والسرد القصصي (ص 141). يتيح هذا التأصيل المزدوج للمتن أن يتحرر من "غطرسة المخرجين" الذين همشوا النص واعتبروه الحلقة الأضعف، ليعيد الاعتبار للكلمة/ الفعل، جاعلاً من القارئ مشاركاً في إنتاج الفرجة عبر خياله الخاص، ومحرراً النص من سجن "العلبة الإيطالية" نحو فضاء القراءة الرحب.
استدعاء ألف ليلة وليلة وتشظي الأسطورة
يتحول متن «ألف ليلة وليلة» في المسردية من مجرد مرجعية حكائية تراثية تداعب مخيلة الحنين إلى أداة لمساءلة الوعي وتفكيك هروبية المجتمع؛ ففي "الدفتر الثاني"، يلج الفتى والفتاة إلى سوق المدينة المتربة باحثين عن خلاص رمزي مدون: «ألف ليلة وليلة.. كتاب الأحلام والخيال والعبقرية.. قرأناه ألف مرة ومرة.. وسمعنا عنه مليون مرة ومرة.. وها نحن نريده..» (ص 35). يبرز هذا الاستدعاء مفارقة تراجيدية؛ فالوافدان الجديدان يبحثان عن متخيل سحري داخل فضاء واقعي مشوه ومحكوم بالموت الصامت، فيرد عليهما السرد بصمت الكتبي الأبكم وتدلي حبال المشنقة وسط السوق (ص 29). يندمج هنا التناص الأدبي بالفعل الدرامي؛ حيث تتعطل وظيفة الكتاب التراثي بوصفه مصدراً للبهجة، ليغدو سلعة باهتة لا تقوى على مواجهة القحط الإنساني والسياسي. فبدلاً من أن تحرر الحكاية قارئها من أسر الواقع، تتقاطع مع مشهدية الخراب لتفضح عجز النص التراثي المدجن عن حماية المدينة من تغول الطغيان.
يتصاعد هذا التشظي الأسطوري حين يستحضر الفتى أيقونات العجائبية المشرقية دفعة واحدة في سياق رومانسي يائس: «لتبحر في الأعماق مع السندباد... لتغامر مع علي بابا... لتحلق على بساط علاء الدين.. تنشق حكمة بلقيس، وأحلام سيف، ومغامرات ابن بطوطة، تعانق أعجوبة إرم، ونسائم الحدائق المعلقة» (ص 36). إن التكديس التناصي لهذه العلامات التراثية لا يؤدي وظيفة تزيينية، بل يشكل ركيزة الصراع الدرامي بين وهم "الماضي الذهبي" وفظاعة "الحاضر العاري"؛ فالمكان الذي تنزل فيه هذه الشخصيات فقد شرايين الحياة: «لم تعد في الأرض ورود ولا ياسمين... مذ قطعت عنها الأوردة والشرايين» (ص 36). يعيد جلاوجي إنتاج أسطورة شهرزاد وسحر الليالي عبر مسخها وتجريدها من بعدها الإيروتيكي الخلاصي؛ فشهرزاد لم تعد تلك المرأة الذكية التي تروض شهوة شهريار الدامية بالحكاية، بل استُبدلت بـ"قمر" و"سرمد"؛ وهما اسمان يتحولان إلى رمزين للأحلام المخطوفة والقرابين البشرية التي يلتهمها الحاكم لتجديد شبابه وسلطانه (ص 81).
تصل هذه التعرية مداها التراجيدي حين يسرد الكتبي حكاية الفاتنة التي امتص القمر صورتها، في تحوير مأساوي لخرافات التحول ومسخ الكائنات: «أول فاتنة كانت ابنة ملك جبار... وداهمت البلد سنة قحط وجوع، حتى لم يجد الناس ما يأكلون، غير أن الملك ظل يعيش الرفاهية مع أهله والمقربين منه، وصادف أن كان للفاتنة طفل رضيع، تبرز فجأة وأمه على مائدة الطعام، وحين لم تجد ما تنظف به لابنها، استعملت رغيف خبز، غضب منها الإله وأزهق روحها وابنها، لم يحتف بها القمر، ولم يمتص صورتها على صفحته، بل مسخها مع طفلها ظلاً على محياه» (ص 67-68). ينقلب هنا التناص مع الحكايات الشعبية إلى إدانة طبقية واضحة؛ فرغيف الخبز المستباح في قصور المترفين يقابله جوع الرعية، والمسخ الإلهي لا يطال الجسد فحسب، بل يمتد ليمسخ الذاكرة كلها ويجعل السماء شاهداً على انحطاط النخب الحاكمة.

مسخ الذاكرة التاريخية وأقنعة الطغيان
يمارس الحاكم في المسردية عملية ابتلاع كلي للتاريخ، حيث تتداخل خطابات السلطة الفردية مع سجلات الجبابرة والفاتحين والملوك المؤلهين، في محاولة لتشييد شرعية سرمدية تفوق كل ما سبقها في الذاكرة الجمعية. يتبدى هذا البناء الملحمي الممسوخ في المشهد الطقوسي الذي يتكرر كترنيمة عبودية في "الدفتر الأول" و"الدفتر السابع"، حين يقف الزعيم مستعرضاً تفوقه الوهمي على أسلافه التاريخيين:
«- من هو العظيم الأعظم؟
مولانا العظيم.. مولانا الأعظم...
ولا فرعون؟
ولا فرعون...
ولا نمرود؟
ولا نمرود...
ولا ذو القرنين؟
ولا ذو القرنين...
ولا سليمان؟
ولا سليمان...
ولا حمو رابي؟
ولا حمو رابي...
ولا الاسكندر المقدوني؟
ولا الاسكندر المقدوني...
ولا هارون الرشيد؟
ولا هارون الرشيد...» (ص 14).
يؤسس هذا التناص القائم على مسح الفوارق النوعية بين النبي الحكيم (سليمان)، والملك المشرع (حمورابي)، والغازي الأسطوري (الإسكندر)، والخليفة الإمبراطوري (الرشيد)، والطغاة الملعونين في المتخيل العقائدي (فرعون ونمرود)، رؤية فكرية تكشف عقلية المستبد؛ إذ لا تعنيه مرجعيات العدالة أو النبوة، بل تعنيه حصراً صورة "الهيمنة المطلقة". إن الحوار المسرحي هنا يكتسب إيقاعاً إنشادياً مسلوب الإرادة ترتكس فيه البطانة إلى دمى تردد صدى الهذيان الحاكم. يُظهر السرد عبر الوصف المرافق أن هذا التمجيد يتم تحت سطوة "العصا المطرزة بالذهب والجواهر" (ص 12)؛ وهي أداة تجمع بين التهديد المادي والابتزاز الرمزي، ليتحول التاريخ إلى قائمة متساوية من الأقنعة التي يرتديها الطاغية لتبرير جنونه العظمي.
يتعمق هذا التحوير الساخر للتاريخ الإمبراطوري حين ينتحل الزعيم القناع العباسي بشطحة لغوية تمسخ شموخ المأثور الحضاري؛ إذ يستعير جلاوجي القول التاريخي الشهير المنسوب للخليفة هارون الرشيد وهو يخاطب السحابة، ليزرعه في فم دكتاتور نرجسي يترنح في إيوانه المغلق: «وسنقف هكذا على عرش الدنيا ونصيح في مسمع الكون نناجي غيمة عابرة.. أيتها الغيمة اذهبي حيث شئت.. واهطلي حيث شئت.. فحيثما تفعلين يعود خراجك إلينا.. وسنقف هكذا... وحولي تتهادى الحبيبات، شهرزاد، دنيازاد، قمر، سرمد، ما أعظمني وأسعدني!» (ص 100-101). إن النص هنا يدمج مروية الخراج الإمبراطوري بمخيال الجواري وحريم ألف ليلة وليلة في مشهد كاريكاتوري؛ فالزعيم الذي تتساقط الحجارة على عرشه من شرفات قصره المهدد، يعيش هلوسة الامتداد الكوني. يوظف السرد المسردي هذه الإحالة التناصية لتعرية الفجوة بين لغة الخطاب الموروثة ذات النزوع الامتلاكي، والهشاشة الوجودية لسلطة تحكم بلاداً جائعة تنهشها الأزمات وتملأ ساحاتها المشانق.
شعرية التناص الديني والمؤسسة الفقهية
تخضع اللغة الدينية في «أحلام الغول الكبير» لعملية تفكيك جراحية تكشف تواطؤ المؤسسة الفقهية مع سدنة الحكم المطلق، حيث تنزاح النصوص المقدسة والآثار المروية عن سياقاتها التنزيهية لتتحول إلى أدوات قمع مدجنة. يظهر ذلك بوضوح في تجريد الحاكم لنصوص القرآن والحديث القدسي وتوظيفها لأناه المتورمة؛ إذ يهتف الزعيم في وجه قادته المذعورين: «إنا شديدو العقاب... أبلغوا الجميع أنهم بين إصبعين من أصابعي.. أطحنهم إن شئت ولا أبالي.. أبلغوا الجميع أن بطشي أمامهم.. وغضبي وراءهم.. وليس لهم وعظمتي إلا أنا.. عني يصدرون.. وإلي يعودون» (ص 24). يتناص هذا المونولوج المتسلط مع الآيات القرآنية الدالة على القدرة الإلهية المطلقة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وقوله: ﴿إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾، فضلاً عن تحوير الحديث النبوي الشريف: «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن»؛ غير أن هذا التناص لا يأتي لبيان تقوى الحاكم، بل لتشريح رغبته المرضية في الحلول والألوهية، حيث يتقمص صفات الجبار ليضفي على عنفه شرعية القداسة والرهبة اللاهوتية.
يتكامل هذا التوظيف الاستبدادي للنص الديني مع التدخل الانتهازي لـ"الكاهن"، الذي يمثل الذراع الأيديولوجي والترس اللاهوتي لحماية العرش؛ إذ يعمد إلى ليّ عنق المفاهيم لتبرير سحق الرعية واستباحة كرامتها وإلغاء حقها في المساءلة: «لأن السلطان ظل الله في الأرض، كما ورد في مقدمة كتابنا المقدس، ولأنه يد الله التي بها يبطش، ولأنه رحمته وسخطه... فإن طاعة السلطان فرض على كل مؤمن ومؤمنة، ولو جلد ظهرك، وسلخ جلدك، وسلح عليك، فأنت ومالك وبدنك وروحك وعرضك وشرفك لجلالته» (ص 83، 95). يعيد الكاهن تدوير مقولات الفقه السلطاني والنهي عن الخروج على الحاكم مستدعياً الحديث الضعيف: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها» (ص 26)، في سياق يفرغ الدين من مقاصد العدل والحرية ويحيله إلى ترسانة لاهوتية لتبرير سفك الدماء؛ وهو ما يتجسد في إصداره فتوى فورية توجب قتل قائد الشرطة لمجرد احتجاجه: «وأصدرت فتوى بوجوب قتل الزنديق المارق عن دين الله تعالى قائد الشرطة، عجل الله به إلى جهنم وبئس المصير» (ص 26).
يتكثف الطرح الفكري للمسردية في فضح الهشاشة الأخلاقية لهذا التحالف التاريخي بين "العصا" (العسكر)، و"المرآة/ القلم" (الشاعر المدّاح الذي ينط كالكلب ليلتقط صرة النقود بأسنانه، ص 82)، و"العمامة" (الكاهن). فهذه الترسانة تسقط تماماً حين تنقلب ثورة الجماهير وتصل الحجارة إلى إيوان القصر؛ حيث يبادر الكاهن بكل خفة إلى قلب خطابه الديني ومحاولة ركوب الموجة عبر توظيف حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «أيها الناس، الساكت عن الحق شيطان أخرس، ومن رأى منكم منكراً فليغيره بهراوته، اقطعوا رأس الظالم» (ص 116). غير أن المفارقة الصادمة تكتمل حين يسارع الزعيم ذاته إلى سحق الكاهن بالأقدام وركله نحو النافذة متبنياً فجأة الشعار الماركسي: «خلصني من هذا المزبلة الحثالة، خلصنا من الدين فالدين أفيون الشعوب» (ص 116)، كاشفاً أن العقيدة عند الطغاة ليست سوى قناع نفعي يُرمى في سلة المهملات بمجرد أن تنتهي صلاحيته في حماية الكرسي.
الوعي الميتامسردي وانفجار المتخيل
ينماز النص ببناء "ميتامسردي" يمارس فيه السرد وعياً مستمراً بذاته وبآليات إنتاجه التخييلي والمسرحي، متجاوزاً الإيهام التقليدي عبر جعل نقد الخطاب وزيف الكتابة جزءاً لا يتجزأ من حبكة الفعل الدرامي. يتجلى هذا الوعي في مشهد المداولة السرية بين القادة داخل "الدفتر الثالث"؛ حيث تتواجه وثائق الواقع الملموس مع آليات التلفيق والتزييف السياسي: يمزق كاتب الأسرار تقريراً استخباراتياً حقيقياً كتبه القادة لوصف الانهيار المجتمعي: «لا شيء... كل شيء خراب... رعب... هلع... ذابلة أزهار حدائقها... مذبوحة ألسنة شحاريرها» (ص 51)، ليطالب بصياغة خطاب بديل يُرضي النرجسية العمياء للزعيم. ينفتح النص هنا على مساءلة دور الكتابة؛ فالتقرير الحقيقي يُمتهن ويُداس بالأقدام، بينما تُصنع لغة سلطوية تموه الواقع بتشبيهات مدرسية مستهلكة تجعل كبير الوزراء يردد ببلادة تامة: «والله تشبيهك بليغ يا سيدي، هو نفس كلام معلّمي في المدرسة» (ص 57). تكشف هذه التقنية الميتانصية عن الكيفية التي تُبنى بها الخطابات الرسمية في ظل الشمولية؛ حيث تصبح اللغة أداة لعزل الحاكم عن نبض الشارع وخلق واقع لغوي موازٍ يكذب العيون والآذان.
يبلغ الانفجار التناصي والميتامسردي ذروته التراجيدية في مشهد الحصار واقتحام القصر بالدفترين الثامن والتاسع، حين تتداخل نصوص التراث الشعري مع الهتافات المدوية للثورات العربية المعاصرة؛ فيتحول المقتبس الأدبي إلى سلاح عبثي يُلقى في وجه الحشود لتهدئتها. يقف الشاعر على الشرفة، وبدلاً من أن ينشد قصيدته المدائحية التي أذل فيها نفسه، يلجأ في ذعره إلى تحوير ممسوخ ومشوّه لبيت أبي القاسم الشابي الشهير في مخاطبة الجماهير:
«إذا الشعب أراد عزاً وتمكينا
فلا بد للطاغي أن يرضى وأن يلينا» (ص 115).
يمثل هذا البيت المعدل انكساراً لشعرية التحرر؛ إذ يستبدل حتمية "استجابة القدر" والحياة بالاستجداء المذل للين الطاغية ورضاه، فيدرك الزعيم مكر الحيلة ويسقطه أرضاً ليُلقى به طعاماً للكلاب.
يتكامل هذا التحوير مع التناص المعاصر الصارخ مع خطاب الرئيس التونسي المخلوع في ذروة الربيع العربي: «يا شعبي العظيم، لقد فهمتكم الآن، لقد فهمتكم، فهمتكم، فهمتكم» (ص 114). غير أن الاستجابة الشعبية لا تتردد في كسر الإيهام؛ فالهتاف الجماهيري الثائر: «الشعب يريد إسقاط النظام» يقابله داخل الكواليس رقص قائد العسكر وحافظ الأسرار وتهكمهما: «النظام يريد إسقاط الشعب» (ص 124).
تكتمل الدائرة الميتامسردية حين تقتحم الجموع قاعة العرش حاملة لافتات تتناسل وتتشظى أيديولوجياً: «حزب الشباب الثائر»، «حزب حركة المجاهدين»، «حزب الحداثة»، «حزب السلف»، «حزب الخلف» (ص 127)؛ فبدلاً من أن تحرر الثورة المتخيل السياسي وتنتج فضاءً حراً، ترتد إلى تمزيق الجسد المادي للسلطة واقتسام خشبه كغنيمة طائفية وحزبية: «يمسكون بالعرش يتجاذبونه، حتى يتمزق قطعاً قطعاً» (ص 128). وهنا تبرز قمة الخبث السياسي حيث يمارس صانعو الاستبداد القديم (قائد العسكر وحافظ الأسرار) قفزتهم الانتهازية الخاطفة بإعلان تأسيس "حزب ثورة الأحرار" وتسمية القصر "قصر الشعب" (ص 126-127). ينغلق النص ميتامسردياً على لوحة سينوغرافية كابوسية تبتلع الجميع؛ حيث تتوارى الأصوات الإنسانية ويسود ظلام دامس تنبثق منه «أضواء مختلفة الألوان لكنها في نشاز شديد... سرعان ما تتحول إلى عيون حيوانات مفترسة يطارد بعضها بعضاً» (ص 129)، في خلاصة فكرية صادمة تؤكد أن الذاكرة إذا بقيت ممسوخة، وإذا ظلت بنية العبودية متجذرة في النفوس، فإن سقوط الطاغية لا يعني بالضرورة ولادة الحرية، بل تحول "الغول الكبير" إلى قطيع من الغيلان المفترسة.
خاتمة
تنهض مسردية «أحلام الغول الكبير» لعز الدين جلاوجي كمنجز أدبي طليعي استطاع بحنكة فنية تفكيك الحدود الفاصلة بين الحكي الدرامي والتدفق الروائي، مقدماً نموذجاً تطبيقياً وازناً لمفهوم "المسردية" بوصفها ركحاً ذهنياً يسترد قارئ المسرح التائه في عصر هيمنة الرواية؛ حيث انصهرت الإرشادات الركحية في نسيج لغوي حي، وتحولت حوارات الشخوص إلى نبض فكري وسياسي يضمر تشريحاً أنثروبولوجياً للاستبداد العربي. تتجلى قوة النص وإشراقه الجمالي في قدرته الفائقة على توظيف التناص والتهجين الأسطوري دون السقوط في فخ التوثيق التراثي الميت؛ فالكاتب أخضع نصوص "ألف ليلة وليلة"، والمقولات العباسية الكبرى، وتجليات الفقه السلطاني لمحاكمة هجائية لاذعة، كاشفاً أن لغة الطغيان تتوارث هياكلها البلاغية والرمزية ذاتها عبر القرون، وأن أقنعة القداسة لا تحجب العري الأخلاقي للسلطة حين تنهار أمام حقيقة الخراب الإنساني.
ينبثق هذا التميز من طبيعة المسردية ذاتها التي تراهن على مسرح الفكرة والتغريب الملحمي الساخر؛ وهو سياق يفسر ميل بعض الشخوص في الفضاء الجمعي المفتوح، كثنائية الفتى والفتاة، إلى التجريد والخطابية، حيث رُسمت بملامح نموذجية بوصفها فواعل رمزية تمثل صدمة الوعي الحالم وبراءة الذاكرة في مواجهة الخراب، أكثر من كونها كائنات تسعى لاكتمال سيكولوجي واقعي. كما أن تكرار الترديد الطقوسي لأسماء الملوك والقادة التاريخيين في أكثر من موضع، يجد مسوغه الدراماتورجي كآلية لمحاكاة التنويم العقائدي وترسيخ عبثية الاستبداد الذي يدور في حلقة مفرغة، وإن كان هذا التكرار يولد في التجربة القرائية احتكاكاً بين الرتابة المقصودة ومطلب التكثيف الدرامي. يظل هذا التوتر دليلاً حياً على حيوية التجنيس وجسارة المغامرة؛ إذ نجح جلاوجي في فتح أفق كتابي عربي جديد يعيد تشكيل الذاكرة بأدوات الفرجة الذهنية، ويقدم نصاً حوارياً مفتوحاً على مساءلات نقدية وفكرية بالغة الخصوبة والعمق.







التعليقات