في الكهولة عذابات أخرى..
في زمن لا نحرث فيه الا كمن يحرث على الماء..اونحفر على صخرة
وكلما ازهرت سنبلة تلقفتها مناقير الغربان...
ايها الزمن الهارب،
انا والقلم والشاعر والقضية
نبسط كفينا الى الماء وما نحن ببالغيه...
الى متى ايها الوطن المُفدّى... أَنَصحوا وقد غارت سفوح الظلام واستوت قيعان المضايق والمتاهات لاعوج فيها ولا امتا ..
فلك الحزن، ياوهب الشعر والرافدين..
سلام على سفحك والربوع، سلاما يا وطن الامجاد والاحفاد
..
ضمن هذا الشجن تحشر قصائد الشاعر السبعيني (ماجد الحسيني).. في ديوان جديد ذوالعتبة المؤلمة.. (عكاز من قش)
عكاز شيخ مسن يذرف الوصب..، يذرف بمجازاته حروفا تبحث عن كينونتها داخل سرد مبرح، بكثافة فكرته وتهاليل مطويات بوحه...
قدرٌ ان يكون الشعر متكأ العاشقين، ومحراب اشجاننا، وكيف لا وهو سليل الالم وسجل الفجيعة، ورقيا العارفين، الى منجأ الوحدة والعزلة والاغتراب..
ديوان بلغة نارية الانفاس، تهرول امام العاصفة تبحث عن محراب تستظل به من قيظ المشاعر، وبرودة الوجوه والوجود...
قصيدة النثر قصيدة شخصية لا يجيدها الا مبحر في النصوص الى النصوص، لا يعرف كيف يثير مكامنها الا عاشق مل الترحال، واحتله القدر من بعد قوة ضعفا وشيبة..
ولكن..
اللغة لغة الشعر، والحديث مطولات ومسلات، قديمة، جذورها الذاكرة، سهام مطلقة ولكن دون مقتل..
الا مقتل الأمل فينا، ويباس المشاعر وتسربها في غضون الارض..
الارض الاولى والكون الاول، والهُوية الاولى، وهذا لعمري مسكن الشاعر ومحرابه العتيق.
اما القش فظاهره هباءٌ وباطنه ما تحمل الريح، في سراها من رحمة او عذاب..
يحكى في سفر المواجع، ان قشة قصمت ظهر بعير، فكانت حدا فاصلا في المجازات والتوريات، اذ القشة حامل دلالي تراثي، لها ابعادها الرمزية اذ تذكر على مستوى سياقي يعتمد المفارقة... اذ القشة التي قصمت ظهر البعير هي ذاتها عكازة شاعر..
وهي الحادث المعنوي بعد تراكم الاعباء على ظهور الناس، فكانت هي المحمول والدال.. على رسالة ارادها الشاعر.. يقول :
أرقد معي
فالنجيمات كلها
الوطن
تراقب ممرات العيون
والطين الذي
صار تمثالاً
ذاب من سخونة.
وحملته الريح
أنا أتساءل...
الدمع.
رذاذا...
أين ذاك الجسد
الذي أوقفه
وبعض
خليط الماء...
من اسئلة الشك
تيار الوعي :
(ويقصد به الانسياب المتواصل للأفكار داخل الذهن أو جريان الفكر باطنيا وذهنيا ويدخل في إطار هذا التيار الكثير من التغييرات والتقلبات والتدفق والتفاعل بين الماضي والحاضر)...
ان المجال الارحب لتيار الوعي - تيار سيل الوعي- اكثر ما يظهر في القصيدة النثرية ، تحت اجنحة السرد المتاح، على شكل سيل من الافكار المترابطة وغير المترابطة..
تلك الافكار المعقدة المكثفة.. الممتدة بين الاحساس بازمة العالم الاخلاقية والانسانية والاجتماعية.. وبين الازمة النفسية السائدة في عصر الحروب والاحتلالات المتعددة..
فيالبؤس العالم عندما يحكمه الرعاع والمهووسين، حتى لترى الناس تمشي على راسها، في انقلاب مطّرد، بين الحالة والحالة المضادة..
يقول :
يرتد البحر
والشمس تغازل
قباب المعابد
يمتد الظل
حتى هبوط الليل
وليلي درويش
ينقر دفاً
من ريش حمام
أنا عالم
ينبع
نواصيه تغتسل
بينابيع...
النار من ظل
تقتبس النار من ظل.
مِنْ أقنعة خرساء
والخيول
أسرجتها نامت...
حين تدلت غيوم البدو
و هدأت صحاري
الشاعر الحسيني شاعر بين قرنين احدهما اعرج عوقته الحروب واهلكته المواجع.. وقرن اعور تحكمه القوى الار.. هاب...ية علنا، ونكوص القديم، والمواطنة الى اسوأ مستوى لها منذ الخلق الاول..
دروب مظلمة يخوضها الشاعر الحسيني مبتهلا الى الاقدار ان تصفح عن بؤسنا البشري..
الحسيني يبحث عن كينونته الانسانية عبر قصيدة سطرية، تُقرأ بالبعد الافقي، ضمن وعي مخطط له ومحسوب بدقة.. يقول:
أنا
والجرذان
فوق صخرة ..
أنشد للصحراء
حتى يثمل رمل الكون
وتكتسي منصة القصيدة
حروف [ المطر ]
مكبلة ..
.. محلقة
بطائرة من ورق
وهكذا هي قصيدة النثر، وليدة كتابة حرة دون مخاضات عسيرة... بل محملة بسيل معرفي يكثف حالات البؤس والهزائم الممتالية...
آه
كم أحبك
حتى تشتعل مدارات العيون
قلت ..
تعالي
نشوي من جلدنا
خبزاً للساهرين
لم ينشغل شعراء النثر- الكثيرون منهم - ، بإنجاز مشروعهم الخاص، أعني قصيدتهم التي تندلع من تراب النثر متأججة، هائجة، وعميقة قدر انشغالهم بمعارك التجنيس·( كانت سوزان برنار تشكو من واقع هذا النمط الشعري في فرنسا قائلة: ليس هناك اليوم ما هو أصعب من أن يكون المرء شاعراً أصيلاً في قصيدة النثر·)
الخلاخيل
جذلة بالمديح
صارت همساً ونكهة الرذاذ فجر...
ومزقت حقد الغيمة
السوداء....
ازعم أن الحسيني من القلة القادرة على اعلان القصيدة، والاقناع بشرعيتها، خاصة انه ملقي جيد يمارس الرفض والهتافية العالية باسلوب يثير شعرية النص، ونحن لا نستطيع قراءتها كما هو..
وتعتمد تذبذبات الايقاع الكتابي على مساحات من علامات الترقيم التي تضيف معانٍ مساعدة تضفي على النص بعدا ثالثا..
وهذا اختلاف القصيدة الحديثة..







التعليقات