تبدو العلاقة بين المكان والراوي تسير بصورة تصاعديّة، استقصاء مكان بعد الاخر من ذلك المغارة (فأخذ الفأس وبدأ يحفر في الجدار القويّ) ص ١٢، او البطاح ( حمل زوادته وقُربة الماء وتقدّم صوب البطاح) ص ١٥ / إضافة إلى موقف عيدة ابنة خالته ووالديها من منطقة ( صيد الحما م) ورأي والدها إنّ من يدخل المكان لا يستطيع النوم ( لا يتمكّن من النوم ويبقى خائفا ولا يخرج من بيته) ص١٩.
او وصف القليب( كان هناك قليب يمتَد أمامه حوض مثل كفّ مفتوحة) ص٣٠/ والنفق( دخلا النفق وفتح الكيس كان ذو الشعر الطويل يلتهم الطعام) ص٤٩/ وحتّى وصف مكان حياوي البدوي ( هذا مكان حياوي البدوي) ص ١٠٥/ الذي كان عاملا مهمّا في الوصول إلى شخصية المرأة (غدنة الخيّرة في بطن الماء ) واخيرا مقولة خالة بطل الرواية َ ذو الرائحة ، وحمزة فيما بعد (وقالت خالتي إنّ في صيد الحمام أرواح ناس خيّرينَ تحرسها الجن) ص٨٣
ولو تتبعنا مقولات عن المكان نجد الناقد المصري صلاح فضل يقول ""المكان في السرد ليس مجرّد وصف عادي ، بل هو أداة لخلق المعنى وبناء الروابط بين البشر "" وقد وُفِق الروائي في عرض مساحة كبيرة للمكان ، او نجد الروائي المصري يوسف القعيد يذكر عن أهمَية المكان في متعة النص"" غياب المكان المحدد في الروايةيقلل من متعة الراوي، لأنّ النص يحتاج إلى بشر يتحركون في زمان ومكان معلومينِ ليكون حقيقيّا"" امّا ما يدعو إليه الكاتب أحمد زياد محبك من اثر للخيال فقد لانجده في رواية صيد الحمام لأنّها فيها توثيق لمصادر ومعلومات وتفاصيل عن الرواية القائمة لغويّا ، ووصفا
هو للحقيقة اقرب منه للخيال يقول الكاتب أحمد زياد "" إنّ المكان في الرواية قائم في خيال المتلقي، أي المكان الذي صنعته اللغة انصياعا لأغراض التخييل الروائي وحاجاته"" ( جماليات المكان في الرواية،مجلة الفيصل عدد ٢٥١)
إن مراحل تتبّع المكان في صيد الحمام قد الغت مراحل الخيال من خلال عنوانات رافقت الرواية من"" ريح الفجر ص٧ولغاية الأنفاس ص ١٥٧/آخر الرواية""
تعدد الشخصيات:
ياتي تعدد الشخصيات عند الروائي الشبيب تبعا للمكان الضيّق ،والذي تدور حوله الرواية ومن هنا فأي كلمة من ايّ واحد بما يقارب عشرة أشخاص قد يصبح متداولا بعد دقائق ، إن رغبة المؤلف عن عدم الكشف عن اسمائهم بداية الصفحات الاولى هو لتشويق القارىء عن الصفات التي يحملونها ( ذو الرائحة الكريهة ،وصاحبه ذو الشعر الطويل ، وغدنة الخيرّة ) اظهر فيها الراوي الصراع بينهم رغم تفاهمهم بكلمات قليلة في فضاء الأهوار او لإنشغالهم برعي الحيوان ، وتقارب الأصوات بين الراعي ، والماشية ، او الحلال كما يسمونه ، ويختزل الراوي كل هذه الشخصيات أي شخصيةالمرأة ودورها في حياة الريف ، والأهوار بصفات الشافية والمباركة وهي تمارس طقوسا دينية، محدودة "" كانت عيناها تشعّان ، وهي تتمتم بالتعاويذ"" ص٢٩ ونص آخر "" هي المرأة التي تزورها النساءليلة الجمعة وجمعة تداوي المرضى ومنهم شهاب "" ص ١٢٩ ٠ ونظرا لظروف المعيشة فإنّ أغلب آراء الشخصيات تكون متوافقة فيما بينها٠
الوصف في الرواية:
يذكر الكاتب احمد زياد محبك الوصف على نوعين وهما : ١- الاستقصاء و كان بلزاك من انصاره ، ولم يترك تفصيلا من تفاصيل المشهد إلأّ ذكره-٢- الانتقاء هو التقاط جزئيات من المكان وعلى المخيلةلدى المتلقّي أن تقوم ببناء المكانالروائي من خلال الجزئيات التي تقدمّها له اللغة ( مجلة الفيصل عدد/٢٥١)، ومن ذلك ياتي وصف رواية الناشئة صيد الحمام بوصف الاستقصاء الذي لم يترك تفصيلا من تفاصيل المشهد إلأّ ذكره ٠،وعكف الروائي على استرجاع الأماكن واحدا بعد الآخر كما بدأها بالرواية،وصف يصل إلى الشخصيات في ص ٣٦ وصف الصديق صاحب الشعر الطويل ويبقى بهذا الرمز حتى يُعرّف باسمه ( أنا شهاب صاحب الشعر الطويل ذو الرائحة الكريهة / ص١٠١
والاستقصاء هنا لا يشمل الأشخاص المتحركين في الرواية ً، بل يتعداه إلى المحسوسات بكلَ ما يتعلّق بالبيئة الريفيّة ،والتي تختلف عن المدينة ونستطيع إجمال أنواع الوصف في الرواية٠
-أ- ما يتعلق بالإنسان
مثل وصف الأنف ( كان عمّه قد اقترب منه ولم ير منه سوى أنفه الضخم ،وشفته تنشران الزَبد/ ص ٢٦) ووصف (صاحب الشعر الطويل ذو الرائحة الكريهة/ ص ١٠١) ووصف ( ذو الوجه الغامض اخ عبعوب / ص٩٢)
وهذه الأوصاف تجعل الفتى والفتاة على قدرة في استيعاب تلك الأوصاف نظرا لما يقع في ايديهم من أوصاف أكثر اشمئزازا وخاصة بعد دخول الذكاء الأصطناعيّ٠

-ب-وصف النباتات والأعشاب:
يجد قارىء الرواية أسماءّ مرتبطة بنبات أو عشب، وقد لا يعرف الناشىء ،والناشئة معناها فيسأل من حوله عن المقصود منها ومن ذلك : ( نبات الحمض، والحسك،والصريم البّنّي ،و العاقول/ ص٢٥) وزرع الشمبلان/ ص٣٣، والحندقوق /ص٤١)( والشفّاح ، ورشاد البٌر ، والخبّيز /ص٥٨ و( العرفج ، والهندباءص/٦٥)
-ج-الاثار :
( تدحرجت حجارة سوداء اسطوانيّة لاحظ عليها نقوشا بارزة وخطوط محفورة حاول كسرها فوجدها صُلْبة/ص٤٩)
والإيشان هو وصف (لصخور قائمة وبناء يلتهب بالحمرة من اشعة الشمس/ ص١٢٢)
-د-الاعمال : عمل الخرّيط والذي نجده في الأسواق بكميّة قليلة واسعار غالية ،وفي الرواية (يعمل من زهر البردي/ ص١٤١) وعمل الفالة في صيد السمك/ ص١٤٩) وعمل الماصول من القصبة و( يسمىّ مطبّق الماصولين/ ص١٤٦)
-هـ- الفاظ قديمة من التراث:
(مصفاة من الفافون / ص٢٠)( بحبل من السوتلي/ص١٨)( امرأة تحمل زنبيلا/ ص ٢٣)
والرواية فيها وصف لعبة الإستغماية٠ ( كانوا يلعبون لعبة الإستغماية وكان عويّد هو الذي يطاردهم) ص٤٤ ووصف الطراّدة السريعة ( المشحوف أكبر منها) ص ١٤٣ ،ووصف للتداوي بالثوم ( وكانت عيناي فيهما لون أصفر، وجاءت امرأة وعملت معجونا من الثوم وضعته على رسغ يدي وكاحل رجلي وربطوني على السرير/ص ٤٤ و ٤٥)
ومن ذلك يمكن القول إن الرواية قد أكملت وصف كلّ شيء متعلق بمشاهدجمعت أفرادا يتجوّلون في مكان محدود الأهوار بين النهر والقصب ،وقد يكون الراوي قد عمد إلى توثيق تأريخ المنطقة من بداية الكتاب من خلال شكر وتقدير لمن عاون الروائي ( لمعونتهم في تزويدي ببعض المعلومات والتفاصيل في الفصول الأخيرة عن الهور في هذه الرواية/ص٦)
ويمكن لنا أن نقول إنّ تصنيف رواية الناشئة (صيد الحمام) هي رواية تسجيلية شملت المكان ،والزمان، التراث، والحياة الإجتماعية في الأهوار الألعاب ، التداوي، ومستقبل الحياة جيلا بعد جيل ٠
وتبقى الصورة الفنية للرواية ،وهي لمرحلةبين الطفولة ، والكبار فكيف ستكون النواحي الفنية لها ، ومن هنا كانت لنا وقفة مع النافدة دكتورة حلا حمزة كاظم في أدب الناشئة من خلال كتابها النقدي روايات الفتيان عند الكاتب محمّد شمسي لنقف على ما يعيننا على دراسةنقدية لرواية صيد الحمام للقاص علي جاسم شبيب في الحدث ، وبناء السرد من كتاب روايات الفتيان حيث تقسّم المؤلفة البناء إلى نوعين: -١ - المتتابع -٢- نسق التضمين/ ص١٢٣ وفي رواية صيد الحمام أجد المؤلف اتخذ البناء المتتابع في روايته لمكان محدود الأهوار يتلاعب به الصيف، والمطر في الشتاء حيث متابعة المؤلف توثيق الحدث بدرجات متوازنة إلى قمّة الحدث شخصية المرأة غدنة الخيّرة والتي يصفها( هي المرأة تزورها النساء ليلة الجمعة وجمعة تداوي المرضى ومنهم شهاب/ ص١٢٩) ، وفي محاولة لتكريم شهاب( وبعد شفائه حصل على هدية من غدنة هو ثوب مع نعال من جلد الجاموس/ ص١٤٠) وهنا لا يحصل التعجّب لانّ عمل النعال من جلد الجاموس هي مخصوصة بهذا المكان الأهوار، ودور غدنة في تيسير متطلبات كلّ منْ يحتاج إلى التداوي ،ولها قيّمات يساعدنها ومنهن( رضية، زهرة ، سمرة/ ص١١٥)
وبعد هذه الوقفةالقصيرة لرواية صيد الحمام ما دورها في أدب الناشئة، وهل شخصّت ثيمتهاثغرة يحتاج القارىء لسدها حتى تكتمل من جميع النواحي الموضوعية ، والفنية٠
امّا ما يتعلق بدور الرواية في ادب الناشئة من خلال النقاط التالية:
-١- قدمت حكاية عن تراث الأهوار، وما فيها من مناظر ومغارات نحتتها أيدي الأجيال التي عاشت هناك، وقد يقرأ الطالب في مادة الجغرافية عن الأهوار موقعها،و أثرها، لكنّه في الرواية تأخذه الرغبة في معرفة كل ما يتعلق بالشخصيات ، وأفكارهم٠
-٢- أسلوب الرواية في الحوارورغبة المؤلف عدم الكشف عن أسماء شخصية بطل الرواية( حمزة) وصديقه ذي الشعر الطويل والرائحة الكريهة( شهاب)
-٣- إعتمدت الرواية على الواقع بكلّ حذافيره ولم تدخل منطقة الخيال، أو الحلم إلأّ اللمم كما في عنوان بداية الطيران/ ص٢٦( فزّ على جسد ملتف بعباءة سوداء٠
- ٤-تكثر في تلك الأماكن أعمال السحر، ودفع الحسد وقد اختار الروائي منطقة صيد الحمام باعتبارها مكانا مسحورا( وأيقن أنّه قرب المكان المسحور/ ص٥) او لفظة الجنّي نظرا لظلمة المكان كما وصفه للصديق صاحب الشعر الطويل( شعَرَ بتقزز وفكرّ بأنّه جني صغير/ص٣٦) وفي وصف سِر المكان( لم يسمع غيمة الطيور في غابة الأثل ولا رفّة العصافير/ ص٣٧)
وهذا الكتاب يضيف للمكتبة تجربة للروائي ،وهو يكتب في ادب الفتيان ،والذي يحتاج إلى من يبدع فيه ،نظرا لقلّة وندرة من يكتب فيه، وهنا يضع الاديب علي جاسم شبيب بصمة لادب الفتيان الذي يريد أن يقف بين أدب الطفولة ، وأدب الكبار٠ وقد نقرأ لمؤلفات عن هذا النوع الادبيَ٠







التعليقات