ليست ولادةُ صحيفةٍ أدبيةٍ جديدة حدثًا عابرًا في زمنٍ تتراجع فيه مساحة الثقافة أمام صخب الحياة وتسارعها، بل هي فعلُ إيمانٍ ومقاومةٍ هادئة، وانتصارٌ لفكرةٍ راسخة تقول إن الكلمة الأصيلة قادرةٌ دائمًا على أن تجد طريقها مهما ضاقت المساحات وتراجعت المنابر. ففي المشهد الثقافي العراقي، حيث واجه الإبداع طويلًا ظروفًا قاسية من التهميش والإهمال، يصبح ظهور منبرٍ ثقافي رصين علامةً مضيئة تؤكد أن الثقافة لم تفقد قدرتها على النهوض، وأن هناك من لا يزال يؤمن بأن الحرف الجميل مسؤوليةٌ ورسالة.
إن صدور هذه الجريدة لا يمثل مجرد إضافةٍ جديدة إلى عالم الصحافة الأدبية، بل هو استعادةٌ لدور الصحافة الثقافية بوصفها بيتًا للأفكار، وملاذًا للنصوص الجادة، وجسرًا يصل المبدعين بالقراء. فالثقافة الحقيقية لا تعيش في ظل الظروف السهلة، بل تُختبر في الأزمنة الصعبة، حين يصبح الحفاظ على الكلمة فعل شجاعة، والتمسك بالجمال موقفًا في وجه كل أشكال التراجع.
وفي هذا السياق، تأتي هذه التجربة لتؤكد أن المشاريع الثقافية الكبرى تبدأ غالبًا من حلم فردي وإصرارٍ استثنائي، وأن الذين يحملون همَّ الثقافة هم الذين يصنعون لها فضاءها حتى في أكثر اللحظات قسوة. ومن بين هؤلاء يبرز الأديب جمال الهنداوي بجهده وإصراره على إطلاق هذا المنبر، مؤمنًا بأن المثقف لا يكتفي برصد الواقع، بل يسهم في تغييره عبر بناء المساحات التي تمنح الكلمة حقها ومكانتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن تمنحه هذه الولادة هو الأمل؛ الأمل بأن الثقافة العراقية، رغم كل ما مرّت به من انكسارات، ما زالت تمتلك القدرة على التجدد، وأن الحرف الذي خرج من أرضٍ عرفت أولى علامات الكتابة في التاريخ لن يرضى بالغياب. فكل صحيفةٍ تُولد من شغفٍ حقيقي هي وعدٌ جديد بأن النور الثقافي لا ينطفئ، وأن الذين يؤمنون بالكلمة سيواصلون حملها مهما طال الطريق.
فمرحبًا بهذا المنبر الجديد، وبكل جهدٍ مخلص يقف خلفه، وبكل قلمٍ سيجد فيه مساحةً للحضور. فالحضارات لا تبقى بما تتركه من حجارةٍ فقط، بل بما تزرعه من أفكار، وما تحفظه من أصواتٍ إنسانيةٍ قادرة على عبور الزمن.
ففي المشهد الثقافي العراقي، حيث كثيرًا ما يُهمَّش الإبداع، وتُترك المبادرات الجادة لتواجه مصيرها وحيدة، يصبح صدور جريدةٍ رصينة إعلانًا بأن الثقافة لم تستسلم، وأن الحرف الحقيقي ما زال يجد من يحمله بإخلاص، مهما اشتدت العواصف.
لقد أثبتت التجارب أن المؤسسات الثقافية قد تُغلق أبوابها، وأن المنابر قد تختفي بفعل الإهمال أو ضيق الإمكانات، لكن الفكرة النبيلة لا تموت. فالثقافة ليست مبنى، ولا ميزانية، ولا قرارًا إداريًا، بل هي إرادةُ أناسٍ يؤمنون بأن الأمم تُقاس بما تنتجه من معرفة، لا بما تمتلكه من ضجيج. ومن هنا، فإن ميلاد هذه الجريدة ليس مجرد إضافةٍ إلى قائمة المطبوعات، بل استعادةٌ لدورٍ طالما احتاج إليه المثقف العراقي؛ دور المنبر الذي ينحاز إلى الجودة، ويمنح النصوص الجادة حقها في الظهور بعيدًا عن المجاملات والاصطفافات.
في عراقٍ أنجب السيّاب والجواهري ونازك الملائكة، واحتضن أقدم الحروف وأولى المكتبات، لا يجوز أن يبقى الأدب على هامش الأولويات، ولا أن يتحول المثقف إلى شاهدٍ صامت على انحسار دوره. إن الأمم التي تمتلك هذا الإرث الحضاري الهائل لا يمكن أن تسمح بانطفاء مصابيحها الثقافية، لأن خسارة صحيفةٍ أدبية ليست خسارة صفحاتٍ مطبوعة، بل خسارة نافذةٍ للحوار، ومساحةٍ للأسئلة، وجسرًا يصل الماضي بالمستقبل.
إن صدور هذه الجريدة في هذا الظرف يحمل رسالةً تتجاوز حدود النشر؛ رسالةً تقول إن الثقافة العراقية ما زالت قادرة على أن تبدأ من جديد كلما ظنّ الآخرون أنها وصلت إلى نهايتها. فالإبداع الحقيقي لا ينتظر الظروف المثالية، بل يخلقها، ولا يستأذن الواقع كي يولد، بل يفرض حضوره بقوة الفكرة ونبل الرسالة.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن تفعله هذه الجريدة هو أن تعيد الثقة إلى الكاتب الجاد، وأن تمنح القارئ منبرًا يحترم عقله وذائقته، وأن تفتح أبوابها لكل صوتٍ أصيل يرى في الأدب مسؤوليةً أخلاقيةً وجمالية، لا وسيلةً للظهور أو العبور السريع. فالثقافة التي لا تطرح الأسئلة الكبرى، ولا تدافع عن الجمال، ولا تنحاز إلى الإنسان، تفقد سبب وجودها.
من هنا، فإننا نستقبل هذه الولادة بكثيرٍ من الأمل، لا لأنها ستغيّر المشهد بين ليلةٍ وضحاها، بل لأنها تذكّرنا بأن الكلمة الشريفة ما زالت تجد من يكتبها، ومن يؤمن بها، ومن يغامر من أجلها. وكل صحيفةٍ تُولد بإخلاصٍ للحقيقة، واحترامٍ للعقل، وانحيازٍ للإبداع، تضيف حجرًا جديدًا إلى البناء الثقافي الذي لا يكتمل إلا بتكاتف الأقلام الحرة، وإيمان أصحابها بأن الحضارات لا تُصنع بالقوة وحدها، بل تُصنع أولًا بالكلمة التي ترفض أن تنطفئ.
إن جريدةً تولد في زمن العزوف عن القراءة وانحسار الاهتمام بالشأن الثقافي لا تبحث عن مجرد حضورٍ عابر، بل تحمل في جوهرها تحديًا نبيلًا: أن تعيد للكلمة مكانتها، وللمبدع صوته، وللقارئ ثقته بأن هناك منابر ما زالت تنحاز إلى القيمة والجمال والمعرفة
في صدور جريدة تلغراف

آخر تحديث: ٢٧ تموز ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٠ ص





