
لماذا تكون القصيدة الهولندية غير عميقة في لغتها للوهلة الأولى بل هي أقرب إلى السطحية؟
ثمة قاعدة ذهبية غير مكتوبة في الثقافة الشعرية الهولندية تُعلن أن العمق لا يحتاج إلى زينة. وما قد يظهر للقارئ العربي المعتاد على جزالة اللفظ وفخامة الإيقاع والمجازات المركبة على أنه سطحية، هو في الواقع فلسفة شعرية مقصودة واختيار أسلوبي واعٍ، يتأثر بعمق بثقافة تقشفية كالفينية تحارب الاستعراض اللغوي وتنتصر لإيقاع الفكرة والصمت المتروك بين الكلمات بدلاً من موسيقى الحروف والجناس. فاللغة الهولندية بطبيعتها مباشرة وعملية ومحددة للغاية، وعندما تُنقل إلى العربية تفقد سياقها اليومي المألوف لتبدو نثراً بسيطاً. وقد قاد شعراء الخمسينيات (De Vijftigers) ثورة عارمة ضد البلاغة الفخمة القديمة التي اعتبروها شريكة في دمار العالم، مستبدلين إياها بلغة الأرض والجسد والشارع، ليكون العمق في النص نابعاً من المفارقة

وتحويل التفصيل التافه إلى بُعد كوني. وفي هذا السياق أعلن رائد الحركة الشاعر لوسبيرت (Lucebert) عن لغة جديدة تصدم القارئ بعريها المباشر قائلاً إن (كل شيء ذو قيمة هو بلا حماية)كما يتجلى في قصيدته
عالم المظاهر
أنا لست ساحراً
أكتب بالتراب
باللحم الدموي والعظام.
الجمال قد كسر وجهه
ولم يعد يملك سوى أصابعه ليؤشر بها على الحقيقة .
إن الشاعر الهولندي يرى بطولته الحقيقية في تحويل العادي و

اليومي كالمطر والصمت وتناول السجق إلى مادة تأملية عارية تبتعد عن الادعاء، يتجلى هذا التجريد الفلسفي بشكل واضح لدى الشاعر روتخر كوبلاند(Rutger Kopland) في قصيدته تحت أشجار الصفصاف حيث يتحول المشهد اليومي العابر إلى صدمة وجودية أمام الزمن والفناء حين يقول:
جلسنا تحت أشجار الصفصاف
ولم نقل شيئاً
كان هناك نهر يمر، وكانت هناك شمس تغرب
كل شيء كان يحدث كالمعتاد
ولكنه لن يحدث مرة أخرى مطلقاً بنفس الطريقة.
فالقصيدة الهولندية ليست سطحية بل هي مُقشّرة،يتعمد كاتبها إزالة كل طبقات الزخرفة التقليدية ليترك المعنى عارياً تماماً. فلا يأتيك العمق من فخامة الكلمة بل من الصدمة التي تتركها البساطة في عقلك بعد الفراغ من القراءة، ومن الفراغ والصمت المتروك بين الكلمات.

وفي هذا المعنى يقدم الشاعر هانس أندريوس (Hans Andreus) نموذجاً لفلسفة الرضا بالحد الأدنى من الكينونة بقوله:
أحاول أن أقول لك شيئاً صغيراً
أن الضوء اليوم أكثر دفئاً بقليل من الأمس
وأن هذا يكفي، يكفي لكي نعيش.
إنها قصيدة تضع القارئ وجهًا لوجه أمام حقيقة الأشياء كما هي دون تجميل،تشبه تماماً غراباً أخضر اللون،شيء غريب قد يبدو نائياً عن الوقار البلاغي التقليدي، لكن قوته تكمن في وجوده الصريح والعاري في قلب المعنى.
————————-
مقالات خاصة بالموقع ستنشر تباعًا







التعليقات