انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عندما تكون الشخصيات الثانوية هي بنية القصة

نحو تأسيس سرد لا يحتاج إلى شخصية رئيسة..(دعابل) و(عودة الجد الكبير) أنموذجين

حيدر الاديب
حيدر الاديب
·14 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
عندما تكون الشخصيات الثانوية هي بنية القصة
مشاركة:

ملخص

يفترض النقد السردي غالبًا أن وجود الشخصيات الثانوية يستدعي وجود شخصية رئيسة تتحدد الشخصيات الأخرى بالقياس إليها. وقد ظل هذا الافتراض حاضرًا حتى في الدراسات التي أنصفت الشخصية الهامشية؛ إذ درست مقدار المساحة التي تحصل عليها داخل عالم يملكه البطل سلفًا. يقترح هذا البحث تصورًا مختلفًا يقوم على إمكان بناء قصة من شخصيات تبقى ثانوية طوال النص، دون أن تتقدم إحداها إلى موقع البطولة، ودون أن تندمج جميعها في بطل جمعي متخيل. تنشأ وحدة القصة، في هذا النمط، من العلاقات والتجاورات والتراكمات التي تنتجها الشخصيات، بينما يظل حضور كل شخصية جزئيًا وقصيرًا ومحدود المعرفة.

يطلق البحث على هذا النظام مصطلح الثانوية البنيوية؛ ويقصد به أن تكون الشخصية ثانوية في مقدار حضورها وفي حدود معرفتها وفي عدم امتلاكها لمسار القصة، ثم تصبح شبكة الشخصيات، لا واحدة منها، المادة التي تتكون منها البنية. ويختبر البحث هذا التصور في نماذج منتقاة من مجموعتي «دعابل» لرياض داخل و«عودة الجد الكبير» لعبد الأمير المجر، مع التمييز بين القصص التي تنهض على الثانوية البنيوية والقصص التي تحتفظ بشخصية مركزية واضحة.

الكلمات المفتاحية: الشخصية الثانوية، الثانوية البنيوية، القصة القصيرة، الشخصية الرئيسة، التراكم السردي، دعابل، عودة الجد الكبير.

 

مركزية البطل بوصفها عادة نقدية

لم تكن الشخصية الرئيسة شرطًا طبيعيًا لكل قصة؛ لقد تحولت إلى عادة في القراءة. يدخل الناقد النص باحثًا عمن يقود الحدث، ومن تتبعه زاوية الرؤية، ومن يقع عليه التحول، ثم يرتب بقية الشخصيات في مراتب تبدأ بالمساعد وتنتهي بالعابر. وحين يعجز عن العثور على بطل فردي، يخترع بطلًا جمعيًا أو يمنح المكان صفة البطولة أو يرفع الحدث نفسه إلى منزلة الشخصية الرئيسة. كأن القصة لا تستطيع الوقوف دون تاج تضعه على رأس أحد عناصرها.

هذا التفكير يحافظ على المركز حتى أثناء ادعاء تجاوزه. فإذا غاب الفرد قيل إن الجماعة هي البطل. وإذا تفرقت الجماعة قيل إن المكان هو البطل. وإذا تراجع المكان قيل إن الزمن أو الذاكرة أو الحدث هو البطل. تتغير الأسماء ويبقى القانون نفسه: لا بد من عنصر واحد ترد إليه سائر الوحدات.

تنبع المشكلة من الاعتقاد أن الوحدة لا تتحقق من دون مركز ممثل في كائن سردي. مع أن أنظمة كثيرة تتكون من علاقات لا يملكها عنصر منفرد. فاللغة لا تحملها كلمة واحدة، والمدينة لا تختصر في ساكن واحد، والسوق لا يصنعه بائع بعينه، والضجيج لا يخرج من صوت مفرد. يمكن للقصة أن تعمل بالطريقة نفسها: شخصيات قليلة الاكتمال، محدودة الظهور، لا تملك واحدة منها الحكاية، ثم ينتج انتظامها المتبادل بنية كاملة.

قدم أليكس وولوك في كتابه «الواحد في مواجهة الكثيرين» تصورًا مهمًا عن «نظام الشخصيات» و«حيز الشخصية»، موضحًا أن كل شخصية تتشكل داخل مجال من الانتباه السردي المحدود، وأن توسع مساحة البطل يضغط مساحة الشخصيات الثانوية. ومع قيمة هذا التصور، تظل معادلته قائمة على التوتر بين «الواحد» و«الكثيرين»؛ أي بين بطل يحصل على المساحة الكبرى وشخصيات تضيق مساحاتها حوله.

يقترح هذا البحث حذف «الواحد» من المعادلة. ماذا يحدث حين يوجد الكثيرون وحدهم؟ ماذا يحدث حين لا تحتكر شخصية الوعي أو الفعل أو التغير؟ عندئذ لا تعود الثانوية نقصًا سببه استحواذ البطل على النص، وتصير طريقة مقصودة في بناء الشخصية.

 

ما الشخصية الثانوية إذا غابت الشخصية الرئيسة؟

يبدو السؤال متناقضًا للوهلة الأولى؛ لأن الثانوي في الاستخدام النقدي الشائع هو ما يأتي بعد الرئيسي. هذا التعريف يحصر الشخصية داخل التراتب، ويحجب شكلًا آخر من الثانوية يمكن أن يوجد خارج المقارنة.

الشخصية الثانوية في التصور المقترح هنا هي شخصية جزئية. تظهر حاملة قدرًا محدودًا من العالم، وتؤدي حركة أو قولًا أو موقفًا، ثم تترك المجال لشخصية أخرى. لا تمتلك تاريخًا نفسيًا متكاملًا، ولا تحيط بحقيقة الحدث، ولا تصنع وحدها بداية القصة ونهايتها. قيمتها لا تستقر داخلها؛ تنشأ عبر اتصالها بالشخصيات الأخرى.

هذه الثانوية لا تدل على الضعف. إنها تقوم على اقتصاد الجزء: كل شخصية تمنح النص قطعة لا تكفي وحدها، ولا يستطيع النص الاستغناء عن نظام القطع كله.

يمكن حذف شخصية عابرة من قصة تقليدية دون أن تتأثر بنيتها. أما في الثانوية البنيوية فقد يمكن حذف فرد واحد، وتبقى القصة قائمة، في حين يؤدي حذف تعدد الشخصيات نفسه إلى سقوط النظام بأكمله. الفاعلية مودعة في صيغة الجمع، لا في اسم معين.

ثمة فرق بين القول إن «كل شخصية مهمة» والقول إن «أهمية القصة لا يمتلكها أحد». العبارة الأولى توزع البطولة على عدد من الأفراد. العبارة الثانية تلغي ملكية البطولة، وتجعل المعنى نتيجة تنشأ بعد احتكاك الشخصيات بعضها ببعض.

 

مفهوم الثانوية البنيوية

الثانوية البنيوية هي نظام سردي تتكون فيه القصة من شخصيات جزئية، متجاورة أو متعاقبة، لا تستحوذ إحداها على المسار الكلي، ولا تندمج في ذات جمعية موحدة. تنتج البنية من مجموع آثارها ومن العلاقات التي تنشأ بينها.

لا يعني ذلك أن جميع الشخصيات متساوية حسابيًا. قد تتكلم واحدة أكثر، أو تبدأ أخرى الحركة، أو تقدم ثالثة العبارة الأخيرة. زيادة المساحة لا تكفي لصناعة شخصية رئيسة ما دامت الشخصية عاجزة عن احتواء البنية وردّ سائر العناصر إليها.

تتحقق الثانوية البنيوية عندما تتوافر سمات أساسية:

أولها أن تكون معرفة كل شخصية جزئية؛ فلا توجد عين واحدة ترى العالم كله.

وثانيها أن ينتقل الفعل بين الشخصيات، بحيث تفتح إحداها حركة تكملها أخرى أو تناقضها.

وثالثها أن يتكون المعنى بالتراكم؛ إذ لا تحمل أي شخصية منفردة الدلالة النهائية.

ورابعها أن يقع التحول في وضع الجماعة أو طبيعة العلاقة أو صورة الواقع، عوض وقوعه في وعي بطل واحد.

وخامسها أن يحافظ النص على نقص الشخصيات، فلا يقدم لها سيرًا تامة كي يثبت إنسانيتها.

الشخصية هنا لا تحتاج إلى الامتلاء النفسي حتى تكون منتجة. نقصها هو الذي يسمح لها بالاتصال بغيرها. الشخصية المكتملة تغلق مساحتها حول نفسها، أما الشخصية الجزئية فتترك أطرافها مفتوحة على بقية الشخصيات.

 

لماذا لا نسميها بطولة جمعية؟

قد يبدو «البطل الجمعي» أقرب المصطلحات إلى هذا البناء، إلا أنه يعيد إنتاج الشخصية الرئيسة على مستوى الجماعة. فبدل فرد واحد يحمل الإرادة والمصير، تظهر جماعة تتكلم بصوت واحد وتتحرك نحو غاية مشتركة. يتحول الجمع إلى فرد ضخم، وتستمر المركزية بثوب جديد.

في الثانوية البنيوية لا تتحد الشخصيات في وعي واحد. قد تختلف رغباتها، وتتعارض لغاتها، ويجهل بعضها بعضًا. الذي يجمعها ظرف أو مكان أو ضغط أو انتظار، لا ذات مشتركة.

البطل الجمعي يستطيع أن يقول «نحن» بلسان متجانس. أما الشخصيات الثانوية البنيوية فتنتج «نحن» متصدعة، أو لا تنتجها أصلًا. كل شخصية تحتفظ بحدودها وقصورها، والنص يستثمر الفروق بينها عوض إذابتها.

وتختلف الثانوية البنيوية عن تعدد الأبطال أيضًا. تعدد الأبطال يوزع مسارات مكتملة نسبيًا بين شخصيات عدة. لكل شخصية أزمتها وتحولها وحصتها من العمق. أما النظام المقترح فيرفض اكتمال المسار الفردي؛ لأن اكتمال كل شخصية يحول النص إلى مجموعة حكايات متوازية، لا إلى بنية ناشئة من الأجزاء.

 

كيف تبني الشخصيات الثانوية القصة؟

التجاور المنتج

يعرض السرد شخصيات لا تربطها علاقة سببية مباشرة دائمًا. تأتي الشخصية الأولى بتفصيل، والثانية بصورة، والثالثة بموقف. لا تقدم أي منها حكاية كاملة، فيما يكشف التجاور بينها واقعًا أوسع.

التجاور ليس رصفًا اعتباطيًا. ترتيب الشخصيات هو الذي يصنع الدلالة. ظهور الجائع بعد الثري، والأم بعد الجندي، والطفل بعد الشيخ، يحول الفروق الاجتماعية والعمرية إلى حركة داخل النص. القصة لا تقول فكرتها عبر راوٍ شارح؛ تدع الشخصيات تتجاور حتى تنتج الفكرة من المسافة بينها.

التتابع الوظيفي

لا تنجز شخصية واحدة الفعل كاملًا. تبدأ إحداها الحركة، وتتلقاها ثانية، وتحرفها ثالثة، وتحسم آثارها رابعة. كل شخصية حلقة قصيرة داخل فعل لا يملكه أحد.

هذا التتابع يختلف عن الحبكة القائمة على قرارات البطل. الحركة هنا تمر عبر الشخصيات كما تمر النار بين مواد متجاورة. لا توجد يد تحتفظ بها حتى النهاية.

توزيع النقص

في القصة المتمركزة حول بطل، ينكشف الآخرون من زاويته. أما في الثانوية البنيوية، فيظل الجميع ناقصي المعرفة. كل شخصية تملك رواية محدودة، وقد تناقض رواية غيرها. القارئ لا يحصل على حقيقة موحدة؛ يبنيها من فجوات الأقوال.

النقص ليس عيبًا في التشخيص. إنه قانون معرفي داخل القصة: العالم أكبر من قدرة أي فرد على احتوائه.

الأثر المتراكم

قد يكون فعل كل شخصية ضئيلًا: كلمة، التفاتة، اعتراض، ضحكة، انتظار، شائعة. وعندما تتجمع هذه الأفعال ينشأ ضغط يغير بنية المشهد. لا توجد لحظة بطولية واحدة، فيما توجد كثافة متولدة من صغائر متعاقبة.

التحول في هذه القصص لا يأتي على هيئة انقلاب في مصير شخصية. قد يتحول المجلس إلى شك، أو الحي إلى ذاكرة، أو اللعبة إلى نظام قمع، أو المكتبة إلى مجتمع سياسي. التغير يصيب المجال الذي تعيش فيه الشخصيات.

وحدة الفضاء

يؤدي المكان دور الحاضنة التي تجمع الشخصيات، دون أن نرفعه إلى منزلة البطل. الصالة والمكتبة والحي والعلبة والمقهى أماكن تمنح الشخصيات فرصة التماس. المكان لا يتصرف بدلها؛ يوفر شروط التفاعل بينها.

حين نقول إن الحي هو بطل القصة نفقد سكانه مرة أخرى. الأدق أن الحي بنية استقبال، وأن الشخصيات الثانوية هي التي تمنحه تاريخه عبر مرورها وتنازعها وخروجها.

 

 

(دعابل) الشيء الثانوي حين يتكاثر

لا تنتمي مجموعة «دعابل» بأكملها إلى الثانوية البنيوية. في «نعل» توجد شخصية واضحة تستحوذ على السرد والذاكرة؛ فالنعل يروي تحوله من إسوار إلى مادة معاد تدويرها، ثم يعود إلى المرأة أداة للعنف. الراوي الشيئي هنا شخصية رئيسة مهما كانت غرابة طبيعته. وفي «الساعة الواحدة» تتمركز القصة حول المرأة وذكرياتها وانتظارها.

تظهر الثانوية البنيوية بصورة أوضح في قصتي «دعابل» و**«مكتبة»**.

(دعابل): وحدة لا يملكها دعبل واحد

تتحدث الدعابل داخل لعبة يحركها السيد بأصابعه. تُرمى وتتصادم وتعود إلى العلبة، ثم يقترح الأخ الصغير أن يكسر كي تتوزع قطعه خارجها. لا تمنح القصة دعبلًا واحدًا سيرة مستقلة. حتى الأخ الصغير، على الرغم من مبادرته، لا يستحوذ على القصة؛ إذ يتشظى حرفيًا وتذهب قطعه في جهات مختلفة.

يمكن للقراءة التقليدية أن تجعل الأخ الصغير بطلًا متمردًا، ثم ترتب بقية الدعابل حوله. هذه القراءة تفقد النص منطقه؛ ففكرته لا تنتج من رغبة الصغير وحده، وإنما من الاختلاف بينه وبين إخوته، ومن خوفهم، وحبهم للعلبة، ومحاضرة المدافع عنها، وعنف السيد، والمصائر المتفرقة للقطع.

الأخ الصغير لا ينجح في إنشاء مسار بطولي. كسره لا يقوده إلى حرية مكتملة، ولا ينتج انتصارًا أو هزيمة تخصه بوصفه فردًا. تتحول قطعه إلى وحدات ثانوية جديدة: قطعة في النفايات، وقطعة على السطح، وقطعة تسحقها سيارة، وقطعة تحرقها الشمس، وقطعة تصل إلى الحديقة. الشخصية التي كادت تتجه نحو البطولة تنقسم، ويعيد النص توزيعها على العالم.

بنية القصة ليست الدعبل الصغير، ولا السيد، ولا العلبة. إنها العلاقة بين الطاعة والرغبة في الخروج، وبين الجماعة التي تقبل الدور والشخصية التي تطلب الكسر، وبين الوطن المغلق والخارج الذي لا يقدم وعدًا آمنًا. جميع العناصر محدودة، ومجموعها ينتج القصة.

حتى السيد لا يحضر كشخصية مكتملة. ليس له اسم أو تاريخ أو وعي معلن. أصابعه تكفي. والعلبة لا تتحول إلى بطل مكاني؛ فهي شرط يعيد الشخصيات إلى الظلام. نحن أمام بنية مكونة من وحدات ثانوية: دعابل، أخ صغير، سيد، علبة، قطع. كل وحدة تملك فعلًا موضعيًا، ولا تملك النظام كله.

«مكتبة»: المجتمع المصنوع من هوامش ورقية

تقدم قصة «مكتبة» فضاءً من ستة رفوف، وروايات مهملة، ومسودات، وكتب، ورئيس للغرفة، ومندسين، وسكان يرفعون شعارات احتجاجية. يبدأ سكان الرف الرابع بالاعتراض، فتتحرك المسودات، ويخاطب الرئيس «الشعب الورقي»، وتصطف عناصر المكتبة داخل مشهد سياسي ساخر.

لو جعلنا المكتبة نفسها بطلة، سنختصر تعدد سكانها في استعارة واحدة. النص لا يمنح المكتبة وعيًا موحدًا؛ إنه يوزع الأدوار بين الرفوف والروايات والمسودات والرئيس والمندسين. لكل فئة موقع جزئي، وينشأ الصراع من مواقعها المختلفة.

الرئيس أكثر ظهورًا من بعض الكتب، إلا أنه لا يملك بنية النص. سلطته لا تظهر من داخله؛ تظهر عبر استجابة الآخرين له: الاحتجاج، الوشاية، الاصطفاف، الإهمال، والخوف. الشخصية السلطوية هنا نتيجة شبكة بقدر ما هي سبب فيها.

تتحول المكتبة إلى مجتمع لأن أشياءها الثانوية تنتج علاقات سياسية. الرف الرابع لا يصبح بطلًا، والرئيس لا يصبح بطلًا، والكتب لا تتحول إلى جماعة ذات صوت واحد. تتكون القصة من التوتر بين وحدات ورقية ناقصة، ويمنحها اجتماعها طاقة لا توجد في أي وحدة منفردة.

تنتسب «دعابل» إلى النظرية عبر عدد محدود من قصصها، لا عبر المجموعة كلها. قيمتها في هذا المجال تتجلى حين يستنطق رياض داخل الأشياء بصيغة جماعية، ويجعلها تتنازع الوظائف بدل وضع شيء واحد في موضع الإنسان البطل.

 

 

«عودة الجد الكبير»: الحكاية التي تصنعها الأطراف

تقدم مجموعة «عودة الجد الكبير» مجالًا أوسع للثانوية البنيوية، خاصة في القصص التي تتناول العائلة والحي والسلالة والشهود. ومع ذلك تضم المجموعة قصصًا ذات شخصية رئيسة واضحة، مثل «يوم الإعصار الرهيب»، حيث يحتكر الابن الفقد والذاكرة والرؤية والبحث. لهذا لا يجوز إلحاق المجموعة كلها بنظام واحد.

«عودة الجد الكبير»: لا الجد بطل ولا العائلة بطلة

تمتلئ صالة رحيم بأكثر من مئة وخمسين فردًا من أرومة واحدة، بعد وصول خبر عودة الجد عبد الرحمن إلى الحياة. يتعارف بعضهم إلى بعض، ويتبادلون الشكوك، وينتظرون، وينامون متجاورين، ثم يدخلون في حلم مشترك حول الجد.

قد يقال إن الجد هو الشخصية الرئيسة بسبب العنوان وانتظار حضوره. وقد يقال إن العائلة بطل جمعي. كلا الخيارين يعيد القصة إلى مركز لا تحتاج إليه.

الجد دافع سردي أكثر من كونه شخصية مهيمنة. غيابه يفتح الاجتماع، وحضوره المتأخر يهدم يقين النسب، إلا أن القصة لا تدخل عالمه الداخلي ولا تتبع مساره. أما العائلة فلا تمتلك إرادة واحدة؛ فيها المصدق والمشكك والساخر والضجر والنائم والحريص على طقوس القرابة. لا تتصرف بوصفها ذاتًا جمعية متجانسة.

الشخصيات تبقى ثانوية: الأب الذي يبلغ الخبر، الراوي الذي يصل، رحيم الذي يوجه الدعوة، الأعمام الذين يتعارفون، الشباب الذين يكتشفون بعضهم، المنتظرون الذين يتهامسون، والجد الذي يظهر متأخرًا ليقدم كشفًا. لا تستطيع شخصية منفردة اختصار هذه العملية.

القصة مبنية من حركات ثانوية متراكمة:

الدعوة وحدها لا تصنع القصة.

الانتظار وحده لا يصنعها.

تشابه الوجوه لا يكفي.

حضور الجد لا يكفي.

كشف عقم الجد لا يكتمل من دون جماعة بنت هويتها على نسبه.

تتكون البنية حين تتجاور هذه الحركات. ويتحول معنى العائلة داخل مجال العلاقات، لا داخل وعي بطل. أفرادها لا يمرون بتحولات نفسية مفصلة؛ الذي يتغير هو تعريف الانتساب نفسه.

حتى الراوي، على الرغم من استخدام ضمير المتكلم، لا يحتكر الرؤية. إنه واحد بين الحاضرين، ويذوب صوته كثيرًا داخل «نحن». هذه الـ«نحن» لا تجعل الجماعة بطلة؛ إنها صيغة تجمع أفرادًا لا يعرف بعضهم بعضًا. الضمير يوحد العبارة مؤقتًا، فيما يكشف الحدث تفكك المعرفة داخل السلالة.

تصل القصة إلى نموذج خالص نسبيًا للثانوية البنيوية: أشخاص لا يكفي أحدهم، وجد لا يعمل كبطل، وجماعة لا تتحول إلى فرد ضخم، وحقيقة لا يمتلكها طرف واحد.

«أرض الله»: الحي لا يحتاج إلى لقب البطل

تروي القصة تحولات جماعة سكنت مكانًا وتبدلت أسماؤه وبناه وأفكاره عبر الزمن. يظهر الشيوخ والأطفال والأمهات والشباب والباحثون عن الخلاص والمعتقلون والمخبرون والمهجرون. تتوزع الحياة على أجيال ومواقف وصراعات، ثم تغادر الجموع الحي وهي تحمل أغراضها على الأكتاف والعربات.

وصف الحي بأنه «البطل» يبدو جذابًا، إلا أنه يحول المكان إلى مركز ويدفع الناس إلى الهامش مرة أخرى. الحي لا يملك تاريخًا خارج سكانه. الأسماء التي تعاقبت عليه، والمدارس التي ظهرت، والأفكار التي قسمت شبابه، ودموع الأمهات، وطرق السجون، والخروج الأخير؛ كلها أفعال تحملها شخصيات جزئية.

لا تظهر شخصية واحدة من الميلاد إلى التهجير. الأجيال نفسها تتبدل. كل مجموعة تمر وتترك طبقة في المكان. البنية التاريخية لا يصنعها فرد معمر يرى جميع التحولات؛ يصنعها تناوب أشخاص لا يعرف الواحد منهم الصورة الكاملة.

ينتج النص تاريخ الحي بالطريقة التي يتكون بها الحي فعلًا: سكن، ولادات، خصومات، مدارس، أفكار، اعتقالات، مخبرون، أمهات، نزوح. لا عنصر منها يحمل الحكاية، فيما يحمل اجتماعها تاريخ المكان.

الثانوية هنا لا تقع في الشخصيات وحدها؛ تقع في الأزمنة أيضًا. كل مرحلة قصيرة قياسًا إلى عمر الحي، وكل جيل فصل جزئي في قصة لا يملكها. حين تغادر الجموع، لا تنتهي سيرة بطل؛ ينغلق طور كامل صنعته آلاف الحيوات الصغيرة.

«رحلة العائلة»: السير أكبر من السائرين

في «رحلة العائلة» تعبر السلالة الأنهار والحقول بحثًا عن البيت الكبير. يولد أشخاص أثناء الطريق، ويموت آخرون، ويواصل الباقون الرحلة. لا يحتكر الراوي الصغير القصة، ولا يحمل كبير العائلة معناها بمفرده.

البيت الكبير غاية، لا شخصية رئيسة. وكبير العائلة قائد موضعي، لا بطل مكتمل. والطفل عين جزئية، لا وعي شامل. القصة تصنعها عملية التعاقب: أشخاص يأتون، وآخرون يغيبون، والسير يستمر.

يظهر هنا معيار مهم للثانوية البنيوية: قابلية استبدال الفرد مع استمرار البنية. يموت أفراد وتولد شخصيات جديدة ولا تتوقف الرحلة. لا يدل ذلك على انعدام قيمة الإنسان؛ يكشف أن معنى النص مودع في انتقال المهمة بين الأجيال.

السلالة لا تصبح بطلًا جمعيًا لأن أفرادها لا يعيشون زمنًا واحدًا ولا يمتلكون وعيًا مشتركًا. الرابط بينهم هو استلام السير وتسليمه. العائلة ليست ذاتًا واحدة؛ إنها تتابع ثانويات يحمل بعضها أثر بعض.

 

متى تفشل قصة الشخصيات الثانوية؟

لا يكفي جمع عدد من الشخصيات كي تتكون الثانوية البنيوية. قد يصبح النص سجل أسماء، أو مشاهد مبعثرة، أو أصواتًا لا تنتج ضغطًا مشتركًا.

يفشل هذا البناء حين يستطيع القارئ حذف معظم الشخصيات دون تغير في المعنى. ويفشل حين تكون الشخصيات أمثلة مكررة على فكرة واحدة، لا وحدات تضيف فروقًا وعلاقات. ويفشل حين يتدخل الراوي ليشرح ما عجزت الشخصيات عن إنتاجه. ويفشل حين يظل هناك بطل خفي تنظم جميع الحركات مساره، مهما حاول النص إخفاءه وسط الزحام.

نجاح الثانوية البنيوية يحتاج إلى توزيع دقيق. كل شخصية تقدم فرقًا صغيرًا: موقفًا أو نبرة أو جهة نظر أو أثرًا. الفرق الصغير يتصل بفروق أخرى، فتولد القصة من الصلات.

الشخصيات لا تحتاج إلى سير نفسية طويلة. تحتاج إلى علامات دقيقة تجعل حضورها متميزًا: حركة يد، اعتراض، طريقة انتظار، جملة مقتطعة، غرض تحمله، خوف لا تشاركه فيه الشخصيات الأخرى. الاختزال هنا بناء، لا تقصير.

 

ما الذي يتغير في مفهوم القصة؟

تغيّر الثانوية البنيوية أربعة مفاهيم راسخة.

أولها الحدث؛ إذ لا يعود فعلًا تقوده شخصية، ويصير حصيلة أفعال جزئية تتلاقى أو تتصادم.

وثانيها التحول؛ فلا يقع داخل فرد، ويصيب نظام العلاقات أو معنى المكان أو تعريف الجماعة لنفسها.

وثالثها الوحدة؛ إذ لا تنشأ من وحدة المصير الشخصي، وتنبثق من انتظام الاختلافات.

ورابعها النهاية؛ فلا تغلق حياة أحد، وتكشف الصورة التي صنعتها الشخصيات مجتمعة.

في «عودة الجد الكبير» لا تكمن النهاية في مصير الجد؛ تكمن في تغير معنى النسب. وفي «أرض الله» لا تتحدد بخاتمة شخصية؛ تتحدد بانتهاء علاقة جماعة بمكان. وفي «مكتبة» لا تخص الرئيس وحده؛ تخص النظام الورقي الذي أنتج سلطته ومقاومته. وفي «دعابل» لا تغلق حكاية الأخ الصغير؛ توزع مصيره بين قطع تكشف صور الخارج.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تموز ٢٠٢٦ في ١٢:٥٤ ص

مقالات ذات صلة

حين كشف  مكيافيلي أن البشر لا يتغيّرون
قراءات

حين كشف  مكيافيلي أن البشر لا يتغيّرون

في فلورنسا الممزّقة بين الأسر المتنازعة والجيوش الأجنبية، وفي ظلّ انهيار الجمهورية وعودة أسرة ميديتشي، جلس نيكولو مكيافيلي، الموظّف الجمهوري المطرود والمُهمَّش سياسيًا، ليكتب نصًّا سيغدو من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ الفكر السياسي: «الأمير». رأى في تجربته الدبلوماسية أن المدن يمكن أن تسقط في…

· 10 د
على منحدر النهر:
قراءات

على منحدر النهر:

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق الصائغ- سيرتّب موعداً تراجعياً لجلسة صيفية…

· 6 د
ترويض المكان 
قراءات

ترويض المكان

المكان بصفته العامّة ؛ هو الحاضنة والرحم الذي يترعرع فيه الإنسان ، ويترك أثره على حياته . وهو الصفحة النقية التي لا يمكن محوها من الذاكرة . من هذا تتولد العلاقة مع المكان من خلال علاقته بالإنسان ، وإن تغيّر فهو حامل للمبرر أولاً ، ولخاصيته المؤثرة ثانياً . لذا فثمة مكان أليف وآخر معادي . فالأليف…

· 13 د