في ساعة متأخرة من الليل، حين كانت بغداد تطفئ مصابيحها واحدًا بعد آخر، بقي ضوء صغير يتسلل من نافذة بعيدة. اقترب منه الليل، ووضع أذنه على الزجاج، فسمع حفيف أوراق تتقلب، وأصوات رجال ماتوا قبل قرون يتجادلون في معنى الحياة. كان سقراط يضحك، وكافكا يبحث عن باب، ودوستويفسكي يفتش في جيوبه عن قلب الإنسان، فيما جلس رجل عراقي يقلب صفحات كتاب، كأن الأمر لا يستدعي كل هذه الضجة الكونية. ناداه الليل: يا علي حسين، أما تعبت من إيقاظ الموتى؟ رفع الرجل عينيه عن الصفحة، ولم يقل شيئًا. كان يعرف أن الموتى الذين تركوا كتبًا لم يموتوا تمامًا، وأن المدن التي تتوقف عن القراءة تبدأ بمغادرة التاريخ، ولو ظلت شوارعها مزدحمة بالأحياء.
الفتى الذي سرق مفتاح الزمن
لم يدخل علي حسين عالم الكتب بوصفه زائرًا يبحث عن تسلية عابرة، بل دخل كمن يعثر على ممر سري بين الحياة التي نعيشها والحيوات التي كان يمكن أن نعيشها. درس المسرح والصحافة، وكأن القدر أراد له أن يتعلم لغتين متعارضتين ومتكاملتين: لغة الخشبة التي تجعل الغائب حاضرًا، ولغة الجريدة التي تحاول الإمساك بالحاضر قبل أن يصير غائبًا. ومنذ اشتغاله بالصحافة في ثمانينيات القرن الماضي، أخذ يكتشف أن العالم ليس فقيرًا بالحكايات، وإنما فقير بمن يعرف كيف يصغي إليها. كانت بغداد، في الحكاية التي يمكن أن ننسجها حوله، امرأة عجوزًا تحمل في عباءتها مفاتيح ألف مكتبة، كلما مر بها سألته عن كتاب جديد، وكلما عاد إليها باسم مؤلف فتحت له بابًا آخر. ولم تكن المدينة تطلب منه أن يفسر أحزانها أو يبرر تقلباتها، بل كانت تريد من يذكرها بأن الإنسان أكبر من الظروف التي تحاصره، وأن الحياة لا تحتاج إلى اعتذار طويل كي تستحق أن تُعاش. هكذا تشكلت علاقته بالقراءة، لا باعتبارها انسحابًا من الواقع، وإنما دخولًا إليه من أبواب لا يراها المستعجلون، فالكتاب عنده ليس جدارًا يحجب العالم، بل نافذة تمنع العالم من التحول إلى جدار. ومن هذه المفارقة ولد صوته الثقافي، صوت الصحفي الذي لم يكتف بأن يعرف ما حدث بالأمس، بل أراد أن يفهم لماذا يظل ما حدث قبل ألف عام قادرًا على تغيير صباحنا.
حين خرج أحفاد سقراط من الكتب
ذات ليلة، كما تروي الأسطورة التي لم يكتبها أحد، انفتح كتاب أحفاد سقراط، وخرج منه رجال يحملون أسئلتهم على أكتافهم، لم يكونوا متفقين على شيء، لكنهم كانوا متفقين على ألا يتوقف الإنسان عن التفكير. جلسوا حول علي حسين، وطلبوا منه أن يدلهم على الطريق إلى الناس، فأشار إلى صحيفة، فضحك أحدهم وقال: أيمكن للفلسفة أن تعيش بين الأخبار والإعلانات؟ فأجابه الرجل وهو يقلب الصفحة: وأين ينبغي لها أن تعيش، إن لم يكن بين الناس؟ تلك هي المغامرة التي تمنح تجربته خصوصيتها، فقد أخذ الفلسفة من صورتها المدرسية الثقيلة، وأعادها إلى دهشة السؤال الأول. في دعونا نتفلسف لا يبدو التفكير امتيازًا تحتكره العقول المتخصصة، بل قدرة إنسانية على مقاومة البلادة، وفي غوايات القراءة تتحول العلاقة بالكتاب إلى شغف لا يخضع لحساب المنفعة المباشرة، لأن بعض الأشياء العظيمة لا تمنحنا شيئًا نستطيع وضعه في الجيب، لكنها تغير اليد التي تمتد إلى الجيب، والعين التي تنظر إلى العالم. ولعل فرادة علي حسين تكمن في هذا الموقع الوسيط بين المعرفة والحياة اليومية، فهو لا يكتب الفلسفة بوصفها زينة ثقافية، ولا يستدعي أسماء المفكرين كي يرفع بها سقف العبارة، وإنما يحاول أن يعيد الأفكار إلى أصحابها الحقيقيين: البشر الذين يحبون ويخافون ويترددون ويخطئون ويواصلون الحياة. وحين سأله أحد أحفاد سقراط عن مهنته، لم يجد في كلمة صحفي ما يكفي لوصفها، فقد كان، بمعنى ثقافي أعمق، مترجمًا بين عالمين: عالم الأفكار التي تخشى الابتذال، وعالم الناس الذين يخشون التعقيد، وكان عليه أن يقنع الاثنين بأن اللقاء ممكن.

العمود الثامن الذي يحمل سماء بغداد
في الأسطورة القديمة، تقف الأرض على أعمدة لا يراها البشر، أما في بغداد، فقد ظهر عمود ثامن، لا يحمل سقفًا ولا قبة، وإنما يحمل شيئًا أكثر هشاشة: قدرة الإنسان على أن يختلف دون أن يفقد إنسانيته. كان العمود الثامن مساحة صحفية، لكنه في هذه الحكاية صار شرفة معلقة بين المدينة والكون، تطل منها بغداد على نفسها، فتكتشف أن ما يجري في شوارعها ليس منفصلًا عن أسئلة الحرية والعدالة والكرامة التي شغلت الفلاسفة والروائيين. وفي صحيفة المدى، حيث يتولى علي حسين رئاسة التحرير، يتجاور اليومي والثقافي، وتدخل الأفكار في حوار مع الوقائع، دون أن تفقد الصحافة واجبها في مساءلة الواقع. وهنا تتجلى دلالة المثقف العضوي، لا بوصفها لقبًا احتفاليًا، بل باعتبارها علاقة مستمرة بين المعرفة والمجتمع، فالمثقف لا يصير عضويًا لأنه يكتب عن الناس، وإنما لأنه يجعل المعرفة جزءًا من قدرتهم على فهم حياتهم. وليس تبسيط الفلسفة عملًا بسيطًا، إنه يحتاج إلى فهم عميق لما يمكن الاستغناء عنه من المصطلحات، وما لا يجوز التفريط فيه من المعاني. كانت المدينة، في بعض الليالي، تصعد إلى شرفته مثقلة بضجيجها، تجلس إلى جواره وتقول: لقد تعبت من الذين يشرحون جراحي حتى ينسوا أنني أتألم، فيفتح لها كتابًا، لا ليخدر الألم، وإنما ليمنحه أفقًا أوسع من لحظته. ذلك أن القراءة لا تصلح العالم بقرار سحري، لكنها تحرم القسوة من امتيازها الأخطر: أن تبدو طبيعية، وكلما استطاع كتاب أن يوقظ حساسية الإنسان تجاه ألم غيره، خسرت الوحشة شيئًا من سلطانها.
ثم جاءت الليلة التي قررت فيها الكتب أن تغادر رفوفها، فخرجت كتب ملعونة من عتمتها، تحمل حكايات الأفكار التي أثارت الخوف والرفض، وتبعها سؤال الحب، لا يحمل إجابة، وإنما قلبًا كبيرًا تتنازعه احتمالات الوجود، أما لماذا نقرأ الكتب المملة؟ فقد جاء متثاقل الخطى، ثم جلس في المقدمة، كأنه يريد أن يذكر الجميع بأن المعرفة لا تمنح أسرارها دائمًا لمن يطلب المتعة السريعة. وتقدمت في صحبة الكتب كرفيق قديم يعرف الطريق إلى تلك المناطق من الروح التي لا تصل إليها الأخبار. لم يكن هذا موكب مؤلفات، بل موكب احتمالات إنسانية، لكل كتاب فيه نافذة على ما ينقصنا من فهم أنفسنا. وفي تلك الساعة اتسعت الغرفة حتى صارت بحجم المجرة، وراحت النجوم تدور ببطء حول مصباح القراءة، وتدلت من السماء سلالم من ضوء، وصار الزمن نهرًا شفافًا تمر فيه وجوه الكتاب والمفكرين. لم يسأل علي حسين عن سر المعجزة، فالذي يقضي عمره بين الكتب يعرف أن العجائب الكبرى تحدث بصمت، وأن جملة واحدة قد تنقل الإنسان من ضيق حياته إلى اتساع لا تحده الجهات. غير أن الكتابة عن الكتب تنطوي على خطر خفي، أن تتحول الثقافة إلى فردوس مغلق، يطمئن فيه القارئ إلى حكمته وينسى اضطراب العالم، وما يمنح تجربة علي حسين قيمتها هو سعيها إلى إبقاء الباب مفتوحًا بين المكتبة والشارع، بين التأمل والحدث، بين جمال العبارة ومسؤولية الموقف، فليست الثقافة أن نعرف أسماء الذين فكروا، بل أن نصير أكثر قدرة على التفكير حين لا يكون أحد منهم حاضرًا ليجيب عنا. وحين أوشك الفجر أن يطلع، عادت الكتب إلى أماكنها، وانسحب الفلاسفة إلى قرونهم، وأخذت النجوم تستعيد مواقعها البعيدة. بقي الرجل وحده أمام الصفحة، كما كان في بداية الحكاية، لكن الليل، الذي جاء أول مرة ليسأله لماذا يوقظ الموتى، عاد هذه المرة يحمل سؤالًا آخر: ماذا صنعت بكل هذه الأرواح التي استدعيتها؟ نظر علي حسين من النافذة، وكانت بغداد تستيقظ، والباعة يفتحون أبوابهم، والناس يمضون إلى أعمالهم، يحمل كل منهم حياة لا يعرف الآخرون مقدار ما فيها من أحلام وخسارات. لم يقدم الرجل تفسيرًا، ولم يبحث عن تبرير، عاد إلى كتابه، وترك النافذة مفتوحة. وعندئذ حدث ما لم يكن في حسبان الليل: انطفأ المصباح، لكن الغرفة لم تظلم، فقد كانت بغداد، للمرة الأولى في تلك الحكاية، تقرأ من النافذة، وكان الضوء يأتي من عينيها.








التعليقات