انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رواية "السقشخي" لعلي لفته سعيد: أنساق الهوية المضمرة وتشريح أقنعة التحول الأيديولوجي

د.مراد ترغيني
د.مراد ترغيني

ناقد وأديب جزائري

14 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
رواية "السقشخي" لعلي لفته سعيد: أنساق الهوية المضمرة وتشريح أقنعة التحول الأيديولوجي
مشاركة:

ملخص الرواية:

تنسج رواية "السقشخي" للروائي العراقي علي لفته سعيد ملحمة سوسيولوجية ونفسية حارقة تتتبع انشطار الهوية العراقية عبر ثلاث حقب زمنية ومكانية متصادمة؛ حيث تنطلق من واقع الحصار الاقتصادي الخانق في تسعينيات القرن العشرين، حين يُرغم بطل الرواية "ماجد كاظم"—وهو معلم تربية فنية وخريج معهد الفنون الجميلة في مدينة سوق الشيوخ—على العمل بائعا للشاي على الرصيف لسد رمقه، ليجد نفسه فجأة ضحية لتقرير كيدي خطه أحد تجار السوق، متهما إياه بوصف العهد بأنه "زمن الخوف والفراغ"، فيُساق إلى أقبية الأمن في الناصرية متجرعا صنوف التعذيب الجسدي والإذلال الرمزي تحت صورة الحاكم. يفر ماجد لاحقا عبر قفار التهريب إلى الأردن ثم بيروت، حيث يلتقي بـ "زينب" (اللبنانية-الأمريكية) التي تمنحه ملاذا عاطفيا وتقوده إلى نيويورك ليبدأ حياة جديدة، غير أن مصادفة وجوده قرب برجي التجارة العالمي وتصويره لهما صبيحة 11 أيلول/سبتمبر 2001 تعيده مجددا إلى أقبية التحقيق والاستجواب الاستخباري الأمريكي متهما بالإرهاب، ليدافع عن براءته بمرجعيته السومرية وإيمانه بـ "مذهب الجمال والإنسان". ومع سقوط النظام العراقي عام 2003، يعود "السقشخي" إلى مدينته المبتهاة بعد وفاة أمه، متأملا في بناء مستقبله، لكنه يُصعق بتحول جلادي الأمس ومخبري الحزب إلى سادة ورجال دين متنفذين يرفعون رايات المذاهب ويسرقون الفضاء العام، لتنتهي رحلته باكتشاف مرير مفاده أن أقنعة السلطة هي التي تبدلت بينما ظل نسق القمع والتخوين راسخا في باطن المجتمع.

***

حين تنعطف الرواية لتشريح التحولات السلوكية والسياسية العاصفة بمجتمع مأزوم دون الاكتفاء بتمثيل السطح التاريخي المباشر، فإنها تنتقل من طور "السرد الإخباري" إلى طور "المختبر الثقافي" الحافر في اللاوعي الجمعي. في رواية "السقشخي" للكاتب علي لفته سعيد، لا تحضر التحولات السياسية الكبرى التي عصفت بالعراق-من قسوة الحصار التسعيني، مرورا بتداعيات زلزال الحادي عشر من سبتمبر في المنفى الأمريكي، وصولا إلى فوضى ما بعد الغزو عام 2003-بوصفها محطات توثيقية مجردة، بل بوصفها سياقات كاشفة تُعرّي سقوط الأقنعة وتفضح تلون البنى الذهنية للأفراد؛ حيث يغدو النبش في مظاهر التلون، والارتزاق بالدين، وثقافة الوشاية، جوهر المغامرة السردية التي تتبناها الرواية.

ينتظم هذا البحث عبر منهج النقد الثقافي (Cultural Criticism)؛ وهو المنهج الذي يتجاوز الجماليات الشكلية المغلقة ليفكك الأنساق الثقافية المضمرة (Implicit Cultural Patterns) والمفاهيم المهيمنة التي توجه سلوك الجماعات وتشكل مواقفها التاريخية. ومن خلال هذا المنهج، تتوسل القراءة بـ المقاربة الثقافية وتفكيك أقنعة التحول والهوية كمسلك إجرائي يُعنى باستنطاق التحولات الرمزية في المظهر واللغة والخطاب، مستندة إلى المنظور النظري لنقد الأنساق كما قعّد له "عبد الله الغذامي"، ومفهوم "الأقنعة الأيديولوجية والتبرير الزائف" عند "سلافوي جيجك" (Slavoj Žižek) و"رولان بارت" (Roland Barthes)، بالتضافر مع طروحات علم الاجتماع السياسي حول انتهازية النخب وتدوير آليات القمع؛ لتفكيك الكيفية التي استطاع بها النص فضح ظاهرة "المتحولين" الذين استبدلوا البزة الحزبية الزيتونية القديمة باللحى والمحابس والعمائم، مبرهنا على أن المشكلة العراقية لم تكن في استبداد رأس السلطة فحسب، بل في البنية الثقافية التي تُعيد إنتاج الجلاد تحت مسميات مقدسة جديدة.

سيميائية دال "السقشخي": استعادة الهامش الحضاري وتعرية التمركز الزائف

يفتتح النص مشروعه الهوياتي منذ العتبة العنوانية الأولى "السقشخي"؛ وهي نسبة لغوية ومركبة بالغة الخصوصية تخص أبناء مدينة "سوق الشيوخ" في جنوب العراق. إن استدعاء هذا اللفظ الغريب عن الذائقة الاستهلاكية السائدة يمثل حركة نقدية مضادة تسعى إلى تفكيك هيمنة المركز البغدادي والسياسي، وإعادة الاعتبار للعمق الحضاري للهامش الجنوبي الذي تعرض تاريخيا للتهميش والإقصاء وشيطنة ملامحه وسحنته.

تتجلى الدلالة التأسيسية لهذا اللفظ في المشهد التعليمي الصفي الذي يستعيده البطل من ذاكرة طفولته المدرسية: "سألنا نحن طلاب الصف السادس الابتدائي: ما هو نسب رجل من بغداد؟ فرفعنا جميعا سباباتنا ونحن نصرخ: بغدادي.. ثم سألنا ثانية: ما هو نسب رجل من مصر؟ فقلنا: مصري.. ثم سألنا ثالثة: ما هو نسب رجل من العراق؟ فقلنا: عراقي.. ولكن حين سألنا عن نسب رجل من سوق الشيوخ.. دبّ الصمت في الصف.. وغاب ذاك الهرج.. ثم أعاد السؤال موجها إياه إلى أركان فقال: سوقي.. ثم وجهه إلى هادي فأجاب: سوق الشيوخي.. وقف المعلم في منتصف السبورة.. وقال: من يعرف سأمنحه في امتحان اللغة العربية 10 درجات حتى لو كان أغبى تلميذ.. تسارعت الرقاب في الدوران.. ثم صرخت: أستاذ.. أستاذ.. التفت المعلم سلمان صوبي وقال بلهجة تصغير الأسماء الجنوبية: ها مجيّد.. تِعرف؟ قلت بقوة من هبط عليه الوحي: سقشخي!!.. كان الوقت الذي مرّ كان المعلم سلمان صافنا في وجهي، ثم طلب من الجميع التصفيق.. وعاد ليسألني: منو علّمك؟" (ص 123-124).

يُمثّل هذا المشهد الرمزي لحظة التأسيس للوعي بالهوية؛ فالنسبة المعيارية القياسية للغة عجزت عن التقاط خصوصية هذا المكان الجنوبي، ولم تسعف التلاميذ قواعد الاشتقاق الشائعة (سوقي، سوق الشيوخي)، ليأتي لفظ "السقشخي" كنحت لغوي شعبي ينطوي على تراكم تاريخي أصيل. إن نيل التلميذ للدرجات الكاملة وتصفيق الزملاء هو اعتراف سيميائي بقيمة المعرفة بالذات والجذور؛ فـ "السقشخي" ليس مجرد توصيف مناطقي، بل هو شيفرة انتمائية تختزن صمود الأهالي ضد الغزوات والفيضانات عبر العصور، وتؤسس لوعي رافض للذوبان في قوالب المركز التي تحاول تسطيح الهامش وتجريده من تميزه الفيلولوجي والأنثروبولوجي.

ويتسع هذا الدال في المتن الروائي ليتحول إلى فضاء حاضن للتعددية الثقافية والدينية التي ميزت المدينة قديما، مشكلا إدانة للواقع الطائفي الأحادي الراهن: "تذكرت إنه كان ديرا لليهود في المدينة.. الجيل الجديد الذي ولد في الحصار وما بعده لا يعرف أن اليهود كانوا في المدينة كما المسيح والصابئة.. كان خالي يونس يحدّثني: إن هذا الدير كان ملتقى اليهود يمارسون فيه عباداتهم.. ويذكر لي أن الياهو يعقوب كان أشهر يهودي في المدينة وصاحب عطارية في سوق الصفاة.. ويشير إلى أن المسيحيين كانوا هنا أيضا واشتغل قسم منهم في بيع الخمور وكان أشهرهم اسمه جورج.. كنا خليطا عجيبا من المحبة، لا أحد يمكن له أن يعتدي على حقوق الآخرين.. ثم أطلق تنهيدة: لو تعلّم الساسة من هذه المدينة كيف يتعايشون لما وصلنا إلى هذا الحال" (ص 117-118).

يُمارس النص هنا حفريات ثقافية تستعيد "الفردوس التعددي المفقود" في الذاكرة الجنوبية؛ فالمدينة التي يُراد لها اليوم أن تكون بؤرة للتعصب المذهبي والتزمت الديني كانت عبر تاريخها موئلا يتعايش فيه معبد الصابئة، ودير اليهود، وحانة المسيحي، ومسجد المسلم، وحلقات الشيوعيين، دون تناحر أو إقصاء. إن تنهيدة الخال يونس تمثل جوهر النقد الثقافي للخراب السياسي الراهن؛ فالرواية تُحمّل الأيديولوجيات الوافدة وتجار السياسة مسؤولية تدمير النسيج السوسيولوجي المتسامح للمدينة، وتطرح نموذج "سوق الشيوخ القديمة" كدرس حضاري مُجهض في التعايش الإنساني المدني النبيل.

رواية "السقشخي" لعلي لفته سعيد:
 أنساق الهوية المضمرة وتشريح أقنعة التحول الأيديولوجي

نسق "كتابة التقرير" والوشاية بوصفها سلطة قهرية متوارثة

تُفكك الرواية نسقا ثقافيا وسلوكيا شديد الخطورة هيمن على المجتمع العراقي لعقود طويلة، وهو نسق "كتابة التقرير الأمني الحزبي" والوشاية السرية، التي لم تكن مجرد ممارسة أمنية تفرضها أجهزة المخابرات، بل تحولت إلى "آلية اجتماعية مضمرة" يمارسها العامة لتصفية الحسابات الشخصية، والتخلص من المنافسين، والتكسب المادي والسياسي.

تتجسد دناءة هذا النسق في واقعة اعتقال البطل بسبب وشاية حركها حسد اجتماعي وخلاف تجاري تافه: "سلمان، صاحب محل بيع القمصان.. فاجأني بمناداتي بلقب المدرسة (أستاذ ماجد).. أخذت عيني إلى داخل المحل لتجد ابنه التلميذ عندي في الصف الرابع الابتدائي.. فقال: ابني يعرفني بك ويقول هذا معلم الفنية.. على أساس أنه أنا ما أعرفك.. قلت له: العيب ألا أكون على قدر المسؤولية في الصف.. وكنت قد طالبته قبل يومين بأن يسدد ما عليه من دين صار كثيرا على بائع شاي مثلي.. فعدّها ربما إهانة له.. ثم وبال خجل قال لي: بربك هذا زمن رسم؟ الحصار يلعب بنا كرة قدم وأنت تريد من الأطفال الرسم.. الوطن مهدد وأنت تريد الألوان.. نعم هو هذا زمن الفراغ.. الزمن الأغبر والغبي.. ولم أكن أعرف أن كلمتي هذه ستتحول إلى تقرير يرفع إلى مديرية الأمن" (ص 38-40).

يكشف هذا الموقف عن تواطؤ المنظومة الاجتماعية مع آلة القمع؛ فالتاجر المتنفذ (سلمان) يستثمر مناخ التعبئة العسكرية والوطنية الزائفة ("الوطن مهدد والحصار يلعب بنا") ليدين المعلم المسحوق الذي طالبه بحقه المالي. إن تحويل الشكوى التلقائية من شظف العيش ("زمن الفراغ والغفلة") إلى جناية تمس أمن الدولة يعكس كيف استبطن المجتمع أدوات الجلاد؛ حيث أصبحت الكلمة العفوية مصيدة موت، وغدا التقرير الأمني وسيلة خسيسة يمارس بها الضعفاء والمنافقون سلطة قهرية ضد النزهاء والشرفاء.

ويكتمل هذا التشريح النسقي بمشهد الاستجواب في قبو مديرية أمن الناصرية أمام المحقق: "أدنى فمه من أذني اليسرى: هل تعرف ما هي تهمتك بالضبط وماذا جاء في التقرير؟.. قلت: لا والله.. قال: لأنك قلت أمام أحد من أبناء مدينتك، وكنت تؤنبه.. أنك تعيش في زمن الفراغ وزمن الخوف.. وهذه أعدها إهانة للسيد الرئيس.. بكيت كثيرا حتى تورمت عيناي.. سقطت بين يديه ثم هويت إلى الأرض، صرخت يا إلهي.. لم أكن أعرف بوجود مقدرة لأحد على كتابة تقرير ينهي فيه حياة إنسان!.. العقيد سدخان أطلق ضحكة قوية.. وقال: أنا مقتنع بالبراءة وهو ما كتبته منذ يومين ولكن الجلسة هذه أردتها الأخيرة بطريقتي" (ص 98، 100).

يُعرّي النص هنا المسرحية العبثية للتحقيق الأمني الشمولي؛ فالمحقق ذاته يعلم تفاهة التهمة وتلفيق التقرير، ومع ذلك يواصل حفلة التعذيب والإذلال طوال شهرين كإجراء طقوسي لإخضاع الضحية وكسر كبريائها ("أردتها الأخيرة بطريقتي"). إن صدمة ماجد من قدرة ورقة كيدية على "إنهاء حياة إنسان" تفضح تحول الكتابة من وسيلة لإنتاج المعرفة والفن إلى أداة للقتل الممنهج، مبرزة كيف تحول المجتمع العراقي في ظل الحصار إلى بيئة يتلصص فيها الأخ على أخيه، وتتحكم فيها غرائز المخبرين بمصائر المبدعين.

تشريح ظاهرة "المتحولين": قناع القداسة وتدوير أجهزة القمع

يبلغ النقد الثقافي في الرواية ذروته الجسورة في القسم المخصص لما بعد عام 2003؛ حيث يرصد الكاتب ببراعة سوسيولوجية ظاهرة "المتحولين" (The Metamorphs)، وهم فئات الجلادين القدامى، وضباط المخابرات، وكتّاب التقارير، الذين سارعوا فور سقوط النظام إلى خلع البزة الحزبية وارتداء أردية التدين السياسي والمذهبي لحماية أنفسهم وركوب موجة السلطة الجديدة.

تتجلى هذه المفارقة الصادمة في المشهد الحواري داخل سيارة الأجرة المتجهة إلى الجنوب، حين يصطدم ماجد بجاره القديم النائب ضابط حنون: "العفو.. إنت مو الحاج حنون؟.. كأن لسعة أفعى لدغته ورأيته يدور وجهه.. كان كمن يمضغ قطعة خبز يابسة في فم أدرد.. قال لي: وليدي.. ربما هناك شخصية تشبهني.. أنا السيد أبو غالب.. حبست ضحكة في داخلي، كادت تكون مدوية احتجاجا على محاولته خيانة ذاكرتي التي لا يمكن لها أن تنسى شخصية النائب ضابط حنون، الجار الذي يسكن في ذات الزقاق.. ورئيس عرفاء الوحدة العسكرية.. كاتب تقارير الغيابات في المعسكر وماسح الأكتاف للضباط والرفاق.. انتبهت أكثر إلى ملامحه، وجدت إن لحيته مصبوغة باللون الأسود الداكن، وإن شعر رأسه يغطيه عرقجين أبيض.. بزغتني فكرة إن هناك في المجتمع الجديد تحولات كثيرة وجديدة، وإن التحول من سبيل أعوج إلى سبيل أهوج.. تذكرت أنه يكنى بأبي غالب.. ولكن من أين جاءت هذه العلامة على جبهته؟" (ص 179-180).

يُفكك السرد هنا "سيميائية القناع الديني المستحدث"؛ فالنائب ضابط المعروف بتاريخه القمعي وساديته ضد الجنود في المعسكرات، ينكر هويته الأصلية ويتقمص هوية جديدة بالكامل: (اللحية المصبوغة، العرقجين، كنية "السيد"، وزبيبة السجود المصطنعة على الجبهة). إن التحول من "سبيل أعوج إلى سبيل أهوج" يُمثّل توصيفا نقديا حارقا لإعادة تدوير القمامة الاجتماعية والأمنية؛ فالجلاد لم يتطهر ولم يتب، بل استبدل شفرة الهيمنة القديمة بشفرة جديدة أكثر نفعية، مستغلا جهل المجتمع وقداسة الأنساب لتمرير مظلومية زائفة.

وتتكامل هذه الصورة الفاضحة مع مشهد التجمع العائلي عقب عودة ماجد إلى بيت أبيه في سوق الشيوخ: "شعرت باللهاث وكأن سوق الشيوخ كلها تجمعت في بيت أبي جواد.. تفتش عن الجديد بلهفة.. العلامة المشتركة بين أغلبهم إنهم صاروا أصحاب محابس في أصابعهم اليمنى.. وبعضهم ثنّى وثلّث وربّع المحابس من مختلف الألوان.. ابن عمي تحسين الشيوعي السابق صار يتحدث بالدين فيمَا ظل أخي جواد يداري حواراته.. كان أي واحد منهم حين يراني يصيح: صلوا على محمد وآل محمد.. حتى إذا ما أخذت الأمر بصورته الطبيعية استمع إلى كلام لم أعهده بهم.. أخي أحمد رأى الدهشة مرسومة على وجهي فجذبني من يدي وقال: لا عليك يا ماجد.. كل شيء طرأ عليه التغيير.. ثم سمعت خالي يقول وهو يهمس بأذني: الناس على دين ملوكهم" (ص 193-194).

يكشف هذا التراكم البصري لـ "المحابس المتعددة والألسن التي تلهج بالصلوات" عن تحول التدين من تجربة إيمانية باطنية إلى "زي رسمي وموضة أيديولوجية للتسلق"؛ فالرفاق والشيوعيون السابقون يهرعون لاكتساب المظهر الطائفي لضمان مصالحهم في "عراق المحاصصة". وتأتي عبارة الخال يونس: "الناس على دين ملوكهم" لتلخص جوهر النقد الثقافي للنص؛ فالمجتمع الخانع لا يغير منظومته الأخلاقية، بل يُعيد إنتاج ثقافة التملق للحاكم الجديد أيا كان شكله، مما يجعل التغيير السياسي بعد 2003 تغييرا شكليا في الواجهات والرايات، بينما يظل جوهر الاستبداد والنفاق ثابتا في الأعماق.

الاستجواب في نيويورك وتصادم المركزيات: تفكيك الاستشراق المضاد

لا تقتصر المساءلة الثقافية في الرواية على فضح القمع المحلي العراقي، بل تتعداه إلى تفكيك "الاستبداد الغربي المعولم" وتمثلاته الاستشراقية التي انفجرت في وجه المهاجرين عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001؛ حيث يجد البطل نفسه في مواجهة نمطية استعمارية جديدة تدمج آليا بين "العربي، والمسلم، والإرهابي".

تتجسد هذه المواجهة الحضارية في حوارات التحقيق الاستخباري داخل مانهاتن بنيويورك: "قال المحقق وهو يحدق بي باستهجان: إنكم تحولون الإسلام إلى وحش وتريدون إعادة الحروب التي تصفونها بالحروب الصليبية!!.. كان بودي لو ألقيت عليه خطبة عصماء، من أنني ابن أرض ترسل السلام ولا تحصد سوى الحروب، وإنكم تحاربون العراق وتحاصرونه فهل أنتم صليبيون؟ أنا من مدينة تكتب الشعر لتغني وتعزف بأسنان أبنائها إن غابت ألحان النخيل.. أنا من مدينة تمسك جمرة الحب وتعزف مع موجة نهر.. أي تاريخ تهديني مزورا من كتب استهلكتها الظنون وفاحت منها نتانة الدهاليز؟.. ثم مسح صلعته ووقف قابلتي وسألني بهدوء: وأنت إلى أي مذهب تنتمي؟ فوجدتني أقول له بلا فسحة من انتظار: إلى مذهب الجمال الذي يغني دائما.. إلى الإنسان" (ص 62-63، 70).

يُشكّل هذا الاشتباك اللغوي ردا ثقافيا باهرا على منطق "صراع الحضارات" وتنميط الهويات؛ فالمحقق الأمريكي الذي يرتدي البدلة الأنيقة ويجلس خلف المرآة العاكسة يمارس نفس الإرهاب الفكري الذي كان يمارسه العقيد سدخان في الناصرية؛ إذ ينطلق من فرضية إدانة مسبقة تستند إلى ثنائية (الغرب المتحضر / الشرق الوحشي المتطرف).

إن رد ماجد بانتسابه إلى "مذهب الجمال والإنسان" واستحضاره لنخيل الفرات وأور السومرية يُمثّل تفكيكا لهيمنة المركز الغربي من موقع الهامش العراقي الشامخ؛ فالبطل يرفض أن يُحشر في خانة "الإسلام الطالباني أو القاعدي" الذي صنعته السياسات الدولية ذاتها، ويُذكّر الغازي بأن العراق هو مهد الحرف والقانون الأول قبل أن تفتك به آلات الهيمنة الاستعمارية، محولا كرسي الاتهام إلى منصة لمحاكمة العنف الإمبراطوري الذي يحاصر الشعوب بالحروب ثم يتعجب من تطرفها.

عودة "السقشخي" وخيبة ما بعد 2003: إعادة إنتاج القمع تحت رايات جديدة

تختتم الرواية حركتها السردية بانكسار أمل العائد وتبدد أوهام التحرر؛ فماجد الذي حلم بأن يكون سقوط الصنم بوابة لدخول عصر الديمقراطية والازدهار الاقتصادي لمدينته، يصطدم في شوارع سوق الشيوخ ومقاهيها بظهور نسق قمعي بديل لا يقل بطشا عن سابقه، نسق يرتدي عمامة المذهب ويستأصل حرية الفكر والتعبير.

يصل هذا الصدام الثقافي ذروته في مشهد المقهى حين يعلو صوت البطل منتقدا فوضى السلاح وتجارة الدين: "في المقهى.. قاطعني رجل يضع قطعة قماش خضراء على كتفيه، وجّه لي كلاما قاسيا فاجأ الجميع وجعلنا نلوذ بالصمت.. كنت أتحدث مع الأصدقاء عن ضرورة المواجهة وأن أمريكا لن تمنح الفرح ولا الحياة للعراقيين لأن الأمر كله مصالح.. وألا يكون الدين سببا في المواجهة مع الآخرين.. وهناك من السياسيين من يستغل الدين ليزينوا به قولهم.. لكن الرجل صاحب قطعة القماش الخضراء نهرني باحتجاج وقح: ما هذه الفلسفة.. أمريكي يحذر من أمريكا! ثم وهو يخزر بعينيه قال: إنك تكره الدين وتعلن محاربتك له.. ثم نكث يشماغه الأخضر ووقف في باب القيصرية وقال موجها كلامه للآخرين: إنه يحمل أفكارا أمريكية معادية للإسلام.. حينها ضحكت بقوة.. وذكرتهم بأن المحقق الأمريكي اتهمني أيضا بأني أقف ضد أمريكا لأني أكره الصليبيين!" (ص 242-243، 245).

تُجسد هذه المفارقة الساخرة الدائرة الجحيمية المغلقة التي يدور فيها المثقف العراقي المستقل؛ فهو متهم بالكفر والعمالة لأمريكا في مقهى مدينته سوق الشيوخ لمجرد دعوته لفصل الدين عن التجارة السياسية، في حين كان قبل أشهر متهما في نيويورك بالإرهاب الإسلامي وكراهية أمريكا! إن ظهور "ناصر صاحب اليشماغ الأخضر" ليمارس التحريض والتكفير باسم المذهب يكشف عن استبدال "المخبر الحزبي" بـ "المخبر الميليشياوي"؛ فالمقصلة لم تُكسر بل تم شحذ شفراتها من جديد تحت رايات خضراء وسوداء، وأصبح الفضاء العام مصادرا لحساب لغة التهديد والجهل المسلح.

تخلص الرواية عبر هذه النهاية المأساوية إلى أن لقب "السقشخي" يظل هوية وجودية منفية داخل وطنها وخارجه؛ فالعودة إلى الجذور تصطدم بتشوه المكان، وتتحول رغبة البناء إلى غربة مضاعفة تجعل من المنفى قدرا لا فكاك منه ما دامت البنية الثقافية تقتات على تدوير الاستبداد واستبدال جلاد بجلاد.

خاتمة

تُثبت القراءة الثقافية لرواية "السقشخي" للكاتب علي لفته سعيد أن النص يُشكّل وثيقة سردية وسوسيولوجية بالغة الأهمية؛ حيث نجح المؤلف في رصد الشروخ العميقة التي أصابت الشخصية العراقية عبر نصف قرن من الحروب والاستلاب، كاشفا أن جذر المأساة لا يرتبط فقط بالأنظمة السياسية الحاكمة، بل يكمن في "الأنساق الثقافية المضمرة" التي تُبرر الوشاية، والتلون، والنفاق الأيديولوجي.

لقد برهنت الرواية على أصالتها الفنية من خلال تعرية ظاهرة "المتحولين" بعد عام 2003؛ إذ فضحت بالدليل الحكائي الصادم كيف استطاعت قوى القمع التقليدية استثمار الفوضى وتبديل أقنعتها لحيازة السلطة والثروة باسم المقدس، مما أجهض حلم بناء الدولة المدنية وأعاد إنتاج الخوف في نفوس المواطنين.

يُسجل للرواية شجاعتها في تفكيك الاستبداد المزدوج: المحلي الشمولي في أمن الناصرية، والمعولم الاستشراقي في تحقيقات مانهاتن، منتصرة لجوهر الهوية العراقية الأصيلة المتمثلة في دال "السقشخي" بوصفها هوية للتعدد والجمال والانفتاح الإنساني الحر. ورغم ما قد يتبدى في بعض المواضع من كثافة للمونولوجات الاحتجاجية المباشرة في خطابات البطل، فإن الحيوية المشهدية، وبلاغة المفارقات الساخرة، والتشريح الدقيق لحركة الشارع العراقي، قد جعلت من "السقشخي" عملا تأسيسيا في مدونة الرواية العراقية الجديدة، يضع مرآة صادمة أمام المجتمع ليرى عيوبه دون زيف أو مواربة.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٣ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:١٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين يصنع الموروث سُلَّماً للبشر:

سعيد المصري وتشريح السلطة الخفية في "تراث الاستعلاء"
قراءات

حين يصنع الموروث سُلَّماً للبشر: سعيد المصري وتشريح السلطة الخفية في "تراث الاستعلاء"

ليست أخطر أشكال الاستعلاء تلك التي تعلن عن نفسها صراحة في خطاب سياسي أو قانون تمييزي أو مؤسسة تمارس الإقصاء، بل تلك التي تستقر في الذاكرة الجمعية حتى تفقد مظهرها الاستثنائي، وتتحول إلى شيء مألوف يجري تداوله في المثل والنكتة والحكاية والحكم الشعبي والصورة النمطية وطريقة النظر إلى المرأة والفقير…

· 11 د
حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات..

 قراءة في العدد الثاني من "آفاق"
قراءات

حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات..  قراءة في العدد الثاني من "آفاق"

يأتي العدد الثاني، يونيو/حزيران 2026، من "آفاق: المجلة العربية للدراسات الثقافية" محمّلًا بطموح يتجاوز فكرة إصدار دورية أكاديمية جديدة إلى محاولة بناء مساحة عربية تتقاطع فيها المعرفة الاجتماعية مع الأدب والتاريخ والفلسفة والنقد الثقافي. والمجلة دورية علمية محكّمة تصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ…

· 10 د
«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي
قراءات

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي د.مراد ترغيني تتخلّق عوالم القاص العراقي علي السباعي في نقطة برزخية ملتهبة تلتقي عندها أقدم مراثي الأرض بأحدث فجائع التاريخ المعاصر؛ فالرجل يكتب من رئة "الناصرية" (أور القديمة)، تلك الجغرافيا…

· 15 د