صدر عن منشورات الأطلس العمل الشعري "رقصات على أضواء اليقين" للشاعرة المغربية إلهام زويريق، في تجربة شعرية تنتمي إلى قصيدة التفعيلة والنص الشعري الحر، وتنهل من معين الذات وهي تواجه أسئلتها الوجودية والعاطفية، وتبحث عن يقينها وسط متاهات الذاكرة والحب والانكسار. ومنذ العنوان، تضعنا الشاعرة أمام مفارقة جمالية ودلالية لافتة؛ فالرقص فعل حركة وانعتاق وحياة، بينما اليقين حالة من السكون والاطمئنان. وبين الحركة والثبات، وبين القلق واليقين، يتشكل عالم شعري قائم على التوتر الخلاق بين ما هو مأمول وما هو مفقود، وبين الحلم الذي يراود الذات والواقع الذي يخذلها.
ويأتي الإهداء ليشكل مفتاحا تأويليا أساسيا لفهم هذا العالم الشعري، إذ تقول الشاعرة: "إلى كل أنثى قلبها ينبض بالألم والحنين... إلى كل أنثى تستمر في النهوض في كل مرة تسقط فيها..." ولا يبدو هذا الإهداء مجرد تقليد افتتاحي، بل يحمل حمولة إنسانية عميقة تعلن من خلالها الشاعرة انحيازها إلى الإنسان المجروح القادر، رغم كل الانكسارات، على مواصلة الطريق. فالمرأة هنا هي ذات فردية، رمز للصمود ومقاومة السقوط واستعادة القدرة على النهوض.
كما يشكل فهرس الديوان مدخلا مهما لقراءة بنيته الداخلية، إذ لا تبدو العناوين متفرقة أو اعتباطية، بل تتآزر لتشييد مسار وجداني متكامل. فمن خلال عناوين مثل: "شرفة السراب"، "تيهان"، "حلم'، "ضياع حلم"، 'انتظار' و"وحيدة" تتأسس أجواء البحث والافتقاد والقلق الوجودي، قبل أن تنتقل التجربة إلى فضاء الحب عبر نصوص من قبيل "حبو في طريق الحب" و"لأنني أحببتك"، ثم تتجه الرحلة نحو استحضار الذاكرة والجراح من خلال عناوين مثل "ظلال"، "في السفح بقايا أحزان"، "أكبر أخطائي"، "على ضفاف القصيدة" و"شطحات من الذاكرة"، لتصل في نهايتها إلى عناوين توحي بالمراجعة والتصالح والتحول مثل "قيامة الاعتذار"، "النسيان"، "انصهار"، "حكاية لليل" و"تماه". وهكذا يتشكل العمل الشعري كرحلة داخلية تبدأ بالتيه وتنتهي بمحاولة الإمساك بخيط من اليقين.
وفي نص "شرفة السراب" تقول الشاعرة:
"مرساة شفتي،
لحروفي التي أضاعت أناي
أتخلص من واحة غادرتها
عصافيري ذات مساء..." (ص 7)

هنا تتشابك الذات باللغة في علاقة معقدة، حيث تتحول الحروف إلى فضاء لفقدان الأنا واستعادتها في الوقت نفسه. فالواحة التي ترمز إلى الأمان تبدو مهجورة، والعصافير التي تمثل الحرية غادرت المكان، مما يضفي على النص إحساسا عميقا بالفقد والاغتراب. وتتعمق هذه الرؤية في قولها:
"علمني يا قدري،
كيف أصادر قلبي المقتات على الجراح..."(ص 8
إذ يصبح القلب كائنا يتغذى على الألم، في صورة شعرية تكشف مدى التماهي بين الذات وجراحها.
ومن النصوص الشعرية المكثفة في الديوان نص "حلم"، حيث تقول الشاعرة:
"حلم يترصدني،
يهدهد في فرح خجول
جراحاتي القديمة
صادرها الفجر سرابا
عند أول شروق،
ليعود فؤادي مقبرة للهموم
والضياع." (ص 14)
في هذه الأسطر القليلة تنجح الشاعرة في بناء مشهد نفسي متكامل؛ فالحلم لا يأتي بوصفه خلاصا، بل يتحول إلى كائن يترصد الذات ويلاحقها. أما الفرح فيظهر خجولا وعابرا، فيما تستمر الجراح القديمة في فرض حضورها داخل الوعي الشعري. لذلك يبدو النص، رغم قصره، مكثفا في دلالته، أشبه بومضة وجدانية تختزل علاقة الذات بالأمل المراوغ.
وتحضر ثيمة الحب بقوة داخل العمل الشعري غير أنها لا تتجلى باعتبارها تجربة مكتملة بقدر ما تظهر كرحلة تعلم واكتشاف. ففي عنوان "حبو في طريق الحب" تستبدل الشاعرة السير بالحبو، في إشارة إلى البدايات الهشة والمتعثرة، وإلى التجربة التي ما تزال تتلمس خطواتها الأولى. ويتعزز هذا البعد الاعترافي في نص "لأنني أحببتك" (ص 57)، حيث يتحول الحب إلى تفسير ضمني لكل ما عاشته الذات من ألم وانتظار وحنين، وكأن الجواب عن الأسئلة المضمرة في النصوص كلها يكمن في عبارة واحدة: لأنني أحببتك.
وتعد الذاكرة إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها هذا العمل الشعري، ويتجلى ذلك من خلال نصوص وعناوين مثل «شطحات من الذاكرة» و"على ضفاف القصيدة" و"النسيان". فالذاكرة هنا ليست مجرد خزان للماضي، بل قوة فاعلة تعيد تشكيل الحاضر باستمرار. وفي المقابل يبدو النسيان رغبة عصية على التحقق أكثر من كونه واقعا ممكنا، إذ تظل الذكريات قادرة على العودة كلما حاولت الذات الإفلات منها. أما "على ضفاف القصيدة"فتشي بأن التجربة لم تعد كاملة، وأن ما بقي منها ليس سوى شظايا تحفظ أثر ما كان.
ويبلغ التوتر الدرامي ذروته في نص "عقبان الليل"، حيث تقول الشاعرة:
"في كل ذكرى
أتوسد آلامي،
أنا المصلوبة،
جسدا مثخنا بالجراح،
أطعم بقاياه لعقبان الليل الكاسر."(ص 46)
في هذا المقطع تتحول الذات إلى جسد مصلوب، بينما يغدو الليل كائنا مفترسا تمثله العقبان التي تقتات على بقايا الألم. وهي صورة شعرية كثيفة تنتمي إلى حقل المعاناة الوجودية، وتعكس قدرة الشاعرة على تحويل الإحساس الداخلي إلى مشاهد رمزية ذات طاقة تعبيرية عالية.
وإذا كانت النصوص الأولى تنطلق من الانقسام والبحث والتيه، فإن النصوص الأخيرة تكشف توجها نحو المصالحة والاندماج. ففي "تماه" تقترب الذات من الذوبان في الآخر أو في التجربة، بينما يمثل "انصهار" مرحلة أعمق تتلاشى فيها الحدود بين الأنا وما يحيط بها. وهكذا يصبح الشعر عند إلهام زويريق وسيلة للتعبير عن الألم، وأداة لإعادة بناء الذات وترميم ما تصدع فيها.
ويمكن القول في ختام هذه القراءة إن "رقصات على أضواء اليقين "عمل شعري يتميز بوحدة موضوعية واضحة رغم تعدد نصوصه وعناوينه. فهو في جوهره رحلة داخل الذات الأنثوية وهي تعبر محطات التيه والحلم والحب والذاكرة والخذلان، قبل أن تلامس أفقا من التصالح واليقين. وقد استطاعت الشاعرة المغربية إلهام زويريق أن تبني عالما شعريا قائما على لغة شفافة وصور موحية وإيقاع وجداني هادئ، جعل من الديوان فضاء للاعتراف الإنساني والتأمل الوجودي.
لذلك لا يمكن قراءة نصوص هذا العمل منفصلة عن بعضها البعض، بل باعتبارها فصولا من سيرة شعورية واحدة تتدرج من عتمة السؤال إلى ضوء اليقين، ومن الجرح إلى محاولة الشفاء، ومن الانكسار إلى الرقص على أضواء الأمل.







التعليقات