صدرت هذه الرواية عام 2026، وهي تنتمي إلى أدب الخيال العلمي، حيث تدور أحداثها في الفترة بين عامي 2045 و 2050. تبدأ أحداث الرواية وقد أصبحت الطاقة الشمسية تغذي العالم كله، وأصبحت أسعار الطاقة رخيصة للغاية، وأصبحت شبكات الطاقة الكهربائية في جميع دول العالم مربوطة بعضها ببعض، فإنتاج الطاقة يتركز في الدول ذات السطوع الشمسي الجيد ومنها مصر، ثم يتم نقل هذه الطاقة إلى أوروبا وأمريكا وبقية دول العالم عن طريق محطات ربط، ويطلق على شبكة النقل هذه طريق الحرير. تبدأ الأحداث عندما يعلن العلماء أن ثمة عاصفة شمسية قد تضرب الأرض، وربما تؤثر على بعض الأجهزة الالكترونية الحساسة التي تتحكم في طريق الحرير، وأنه يفضل أن تقوم كافة الدول بفصل الأحمال والاستغناء عن الطاقة ليوم أو يومين على الأكثر، حتى تنتهي العاصفة الشمسية. يرفض متخذو القرار في دول العالم، ومن بينها مصر، هذه التوصيات العلمية، ويفضلون أن يبقى الوضع على ما هو عليه، فربما تضرب العاصفة الشمسية أماكن أخرى، المحيط مثلا، بعيدا عن طريق الحرير، فلننتظر ونرى.
أبطال الرواية:
سيف، محامٍ شاب، يعيش مع أمه بعد وفاة أبيه، متخصص في حل النزاعات التجارية عن طريق التفاوض، لا يحب المواجهات، ويرى حلما متكررا يتمثل في ظهور قوس ملون عملاق يربط بين الشمس والأرض ويؤدي إلى توقف كل مظاهر الطاقة.
المهندس يحيى، جار سيف، استقال من عمله ليبدأ مشروعا عن الخلايا الشمسية المصغرة والتي يمكن تخزين الطاقة الناتجة عنها في بطاريات. أدى تشغيل طريق الحرير إلى إفلاسه، وانفصاله عن زوجته، وتوجهه نحو الالتزام الديني.
الدكتور إسماعيل، عالم يعيش في الإسكندرية، ويظهر في القنوات الفضائية لتحذير المواطنين من خطورة العاصفة الشمسية.
بنية الرواية:
تنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول، (طريق الحرير)، ويرصد أحداث ما قبل العاصفة. وفيه يسافر سيف إلى د. إسماعيل في الإسكندرية لعله يجد عنده تفسيرا لحلمه المتكرر، بلا جدوى. يقرر سيف أن يتزوج (منى)، سكرتيرة أحد عملائه. يحاول المهندس يحيى مساعدة جميع جيرانه، بما فيهم سيف، لتقليل آثار العاصفة، عن طريق فصل الأجهزة الالكترونية الحساسة أو تغطيتها بورق الألومنيوم، وفصل بطاريات السيارات الكهربائية، وتزويدهم ببطاريات تخزين الطاقة.
الجزء الثاني، (الشرنقة)، وتدور أحداثه بعد عامين ونصف من العاصفة التي أصابت طريق الحرير في مقتل، وأدت إلى تدمير محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وحدوث أزمة هائلة في الطاقة في مصر، أما الدول الأخرى، فقد اتخذت استعداداتها مبكرا ولجأت إلى خطط بديلة. أصبح شعار المرحلة هو (مصباح واحد – جهاز واحد)، وأنشأت الدولة (هيئة الرصد والمراقبة) لمتابعة جرائم الطاقة (إذا أضأت مصباحين فسيلقى بك في السجن). ينضم يحيى للهيئة ويصبح كبير مفتشيها. يقوم د. إسماعيل بزيارة لسيف، ويخبره أن زوجته ماتت لنقص الرعاية الطبية بعد انهيار شبكة الطاقة، ويودع عنده تسجيلا لخطة سرية يزمع أن ينفذها لإعادة تشغيل شبكة الطاقة في مصر وعدم ربطها مع الغرب إلا بعد ضمان استقرار الشبكة المحلية. يموت د. إسماعيل أثناء محاولة نسف محطة الاتصال. يداهم يحيى منزل سيف فيجد لديه التسجيل، ويكتشف أنه هو الآخر كان يرى نفس الحلم الذي كان يراه سيف قبل العاصفة، وإن لم يمنعه هذا، ولا دموع أم سيف وزوجته من القبض على سيف لارتكابه إحدى جرائم الطاقة.
الجزء الثالث (رماد الطريق)، يكشف يحيى حقيقة الهيئة، وأنها تناست دورها في تأمين الطاقة للمواطنين، فينقلب عليها، ويقرر استغلال كل المعلومات التي توفرت لديه لتطوير مشروع د. إسماعيل، ويصبح يحيى مطاردا ومطلوبا من الهيئة. تقرر الهيئة إعادة طريق الحرير لما كان عليه قبل العاصفة الشمسية، ويرفض مهندسو محطة الربط تنفيذ تعليمات رئيس الهيئة بربط شبكة مصر بالشبكة الدولية دون الإطمئنان على تأمين الطاقة داخليا، ويتم إقالة رئيس الهيئة، ويهرب يحيى من البلد ليبدأ حياة جديدة في مكان جديد.

الأسئلة الفلسفية
الرواية من نوع الخيال العلمي المبسط Soft Science Fiction، ويمكن للقارئ العادي متابعة أحداثها بسهولة بدون وجود خلفية علمية، وبالرغم من أن أحداث الرواية تبدأ بعد عشرين عاما من زمننا الحالي، فإن مظاهر (المستقبل) قليلة، فبالإضافة إلى طريق الحرير، نجد أن جميع السيارات قد أصبحت كهربائية، وأن الجميع يرتدون سوار الاتصال (بدلا من الهواتف المحمولة)، وانتشرت فكرة المساعد الشخصي (برنامج ذكاء اصطناعي متطور يحل محل السكرتارية). وبدلا من أن تتنبأ الرواية ببعض الابتكارات التكنولوجية في المستقبل، فإنها تركز على الأفكار الفلسفية التالية:
الغرب يريد طاقة نظيفة – الطاقة الشمسية متوفرة عندنا – يقوم الغرب بإنشاء محطات توليد طاقة عندنا ويعطينا ما نحتاجه من الطاقة بأسعار رخيصة ولكن . . – يتم التحكم بالكامل في الشبكة عن طريقه – الشبكة مصممة دائما لكي تخدم مصالحه وأهدافه.
الغرب لديه دائما خطط بديلة، في حين نضع نحن ثقتنا كلها فيهم، بحسن نية أو بغفلة. الجميع سيتضرر ولكن بدرجات متفاوتة، سيكونون هم الأقل ضررا، بينما نحن سننهار، مما يجعلهم بشكل ما يرحبون بالكارثة.
ما حدث ليس حظا سيئا، الحظ السيء يجعلك تخسر في القمار، ولكن الجلوس على طاولة اللعب هو قرار تتحمل أنت مسئوليته. ثم إننا لم نكن نجلس معهم على الطاولة، لقد كنا نحن أوراق اللعب. لقد راهنوا بنا وخسروا. راهنوا بنا وليس معنا، فهل ما زلنا نأمن جانبهم؟
بعض المسئولين عندنا يرون أن بقاء المسئول في منصبه مرهون بأن يرضى عنه الغرب – إذن يجب أن نحقق مصالح الغرب حتى لو كان ذلك على حساب البلاد والعباد.
كيف تناست الهيئة المنوط بها إعادة الطاقة إلى المواطنين أهدافها، وتحولت إلى وسيلة قمع ومطاردة للمواطنين الذين يحاولون تدبير أمورهم من الطاقة بمعرفتهم؟ المشكلة في أفكار البشر الذين يديرون المؤسسات. لا خطر من نقص الطاقة، الخطر الوحيد هو سلوك البشر.
الأشخاص الثانوية وتوظيفهم في الرواية
عصفور، صبي البقال، يكافح لكي يبقى حيا، يوفر للزبائن ورق الألومنيوم الشحيح (من السوق السوداء) مقابل نفحة مالية، ويقوم، متطوعا، بالتنبيه على الجميع بندائه المميز (طفوا النووور)، ثم يتعاون مع المفتش يحيى لمراقبة سيف، في مقابل بعض المال، وبعض الأمان.
أم سيف، أم مثالية، ترى بعين البصيرة وقلب الأم ما لا يتوقعه أحد، متفائلة على الدوام، ترثى لحال يحيى عندما انفصل عن زوجته، وتتذكر له مساعدته لزوجها الراحل أثناء فترة مرضه، ولا تصدق ما يقوله عنه سيف بعد أن صار كبير مفتشي هيئة الرصد، وحتى عندما رأته بنفسها يقبض على ولدها في منزلهم، لم تزد على أن عاتبته بنظراتها وبدموعها، وأن تدعو له بالهداية.
منى، زوجة سيف، استغلا فكرة العاصفة الشمسية ليتزوجا دون أن يكبلا أنفسهما بإرث مجتمعي من العادات والتقاليد البالية، فلا شبكة ولا مهر ولا جهاز ولا عرس، بل انتقلت بهدوء بعد عقد القران لتعيش مع سيف في حجرته بمنزل والدته.
تيمور، رئيس هيئة الرصد والمراقبة، جاهل علميا، ولكنه يمتلك سلطة لا محدودة لفرض سيطرته وتعليماته على الجميع. يحب دائما أن يتكلم عن نفسه وعن إنجازاته الوهمية.
د. محمد حجازي، مدير محطة الربط، ينتصر لمبادئ العلم والهندسة أمام سلطة وهيلمان تيمور، فيرفض تنفيذ تعليماته على مسئوليته الشخصية حتى لا تتكرر الكارثة.
حسام، يمثل جيل الشباب بعد العاصفة، آمن بأفكار د. إسماعيل وساعده في تنفيذ مشروعه لضرب نقط الاتصال بين شبكة مصر والشبكة الدولية، ولكنه للأسف يلقى مصرعه مع أستاذه بعد فشل العملية.
خيري صقر، مستشار رئيس الهيئة ومسئول الإصلاح الداخلي وإعادة الهيكلة، ربما كانت هذه الشخصية ترمز إلى الأمل في أن تفطن السلطات العليا إلى ما يسببه تيمور وأقرانه من كوارث، قد تعصف بالنظام نفسه، فيبدأون في الإصلاح، وإعادة الهيكلة.
فكرة البطولة
في أثناء فترة خطوبة سيف ومنى، حكى سيف لمنى على حلمه المتكرر، فأخبرته بأنه ربما يكون له دورا بطوليا في التغلب عليها، فأخبرها سيف بأنه ليس بطلا، ولا يريد أن يكون بطلا، ولا يصلح أصلا للعب أدوار البطولة. لكن المواقف غير الكلام، لقد دافع سيف عن الفتى حسام بدون سابق معرفة، وأخفى تسجيلات د. إسماعيل، أما أعظم بطولاته فكان العبور بأسرته الصغيرة، أمه وزوجته، إلى بر الأمان أثناء فترة ما بعد العاصفة (الشدة التيمورية).
أما يحيى، فقد كان يسعى دوما للعب دور البطل، فمن مهندس نمطي إلى مخترع إلى واعظ ديني إلى مفتش طاقة ثم خارج على النظام وأخيرا باحث عن بدايات جديدة. لقد تراجع يحيى عن تنفيذ مشروع نسف محطات الربط في اللحظات الأخيرة، بعد أن أدرك أن هذه الخطوة ربما تضر ببعض الأبرياء، لعلها تصيب ابنه عبدالحميد الذي لم يره منذ سنوات، أو طليقته سحر التي مازال يحبها، أو أمها (خالته وحماته). لقد استطاع يحيى في نهاية الرواية أن يهرب من مطارديه، تماما كما يفعل الأبطال في الروايات الشعبية Pop Fiction، وأن يغير من شخصيته، ومن هيئته، ليبدأ حياة جديدة في مكان بعيد، على أمل أن يرجع مرة أخرى لابنه ولطليقته.
د. إسماعيل، بطل مثالي، محكوم عليه بالفشل من اللحظة الأولى، من اللحظة التي وافق فيها على أن يلعب على شاشات التلفاز دور الشخص المتشائم، غراب البين الذي يبشر بالكارثة والخراب، إلى اللحظة التي قرر فيها أن يفجر محطة الربط وأخطأ في تفصيلة صغيرة، أدت إلى وفاته.
من وجهة نظري، البطل الحقيقي هو د. محمد حجازي، مدير محطة الربط الذي انتصر لعلمه ولمهنته، ورفض الانصياع إلى تهديدات السلطة المتمثلة في تيمور، وأنقذ البلاد من كارثة جديدة. إن الصراع بين د. محمد حجازي وبين تيمور يمثل الصراع بين (العلم – المهنية) من جانب وبين السلطة الجاهلة المتغطرسة من الجانب الآخر.
الأسلوب واللغة والحبكة
يقع كثير من كتاب الخيال العلمي في مأزق الكتابة بأسلوب علمي خالٍ من الإبداع الأدبي، لا سيما عند شرح الحقائق العلمية المتعلقة بموضوع العمل، ولكننا نجد في هذا العمل كتابة بأسلوب بسيط، لا يتطلب قارئا ذا خلفية علمية، فالرواية بالأساس لا تناقش الفكرة العلمية بقدر ما تثير أسئلة فلسفية ووجودية حول طبيعة علاقتنا / تبعيتنا للغرب في ظل تخلفنا العلمي، وكوننا مستهلكين بالأساس لما ينتجه الغرب من تكنولوجيا وبرامج وتطبيقات، كما تناقش مدى قدرة المؤسسات الوطنية على تنظيم وإدارة مواردنا بشكل صحيح. استعانت الرواية بأساليب متنوعة، منها تعدد الأصوات السردية، فبدلا من الحكي بأسلوب الراوي العليم (المؤلف نفسه) أو أسلوب الراوي المشارك (سيف مثلا)، انتقلت الرواية بين فصول يرويها سيف، وفصول يرويها يحيى، وحوارات بين سيف ود. إسماعيل، وأخرى بين سيف ويحيى، واختتمت الرواية برسالة من يحيى إلى سيف. هذه الأساليب المتنوعة من تعدد الأصوات السردية إلى الحوارات إلى الرسائل قد أكسبت العمل ديناميكية سردية وأبعدته عن الملل والجفاف المتوقع من رواية علمية. اللغة بسيطة سهلة ولا توجد بها الكثير من المصطلحات المعقدة وهي مناسبة للقراء من اليافعين ومن الكبار على حد سواء. الحبكة ممتازة وتسلسل الأحداث يسير بصورة منطقية، مع قفزة زمنية استمرت عامين ونصف بعد فترة العاصفة الشمسية، كما أن تفسير يحيى الخاص بالحلم المشترك الذي كان يراه هو وسيف لم يكن مقنعا بصورة كافية، ولكنها على كل حال وجهة نظر أحادية من يحيى.
خاتمة
الرواية بشكل عام ممتازة، وتبشر بكاتب واعد لأدب الخيال العلمي الذي تفتقده ثقافتنا العربية، لا سيما الأدب الموجه لفئة اليافعين والشباب، فكما أوضحنا، الرواية لا تهتم فقط بالجانب العلمي، وإنما جل تركيزها على القضايا الوجودية التي يجدر بشبابنا الالتفات إليها في ظل الانفتاح الحياتي والمعرفي والثقافي والتكنولوجي غير المسبوق في زمننا الحالي، وما قد نعيشه ونراه في المستقبل القريب؟!







التعليقات