قديما تناول شعر أبي الطيب المتنبي (303-354هـ) الناقد الأندلسي حازم القرطاجني (608-684هـ) في كتابه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، والإمام عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة». وقد طافت حول كعبة المتنبي طائفة من الأقلام الوازنة، ابتداء من «معجز أحمد» للمعري، إلى «الفسر» لابن جني، إلى «الوساطة» للقاضي الجرجاني، وصولا إلى محمود محمد شاكر الذي أخذ من المتنبي مأخذ العاشق المدافع، دون أن نغلق هذه القائمة، لأن الموضوع جاذب مثل سر بناء أهرامات الجيزة، فما أعرف شاعرا عربيا شغل الناس كما شغل أبو الطيب المتنبي معاصريه ومن بعدهم. فمنذ أن أطلق صوته في أروقة الشعر العربي في القرن الرابع الهجري، وهو يثير حوله عاصفة لا تهدأ، ما بين معجبين لا يبصرون في الدنيا شاعرا سواه، وخصوم لا تقع أعينهم في ديوانه إلا على الهنّات والسرقات والغرور. وبين هؤلاء وأولئك، نشأت في تاريخنا النقدي ظاهرة بالغة التعقيد، هي ظاهرة المتنبي؛ شاعر بمفرده يصبح محكّا لكل مناهج النقد وكل مذاهب البلاغة.
قد يقول قائل: وما الغرابة في ذلك؟ أليس الشعراء الكبار محاطين دائما بهذا الجدل؟ بلى، غير أن ما يجعل المتنبي استثناء حقيقيا هو أن الذين وضعوه على الغربال ليسوا نقادا عاديين، بل كانوا أصحاب مناهج ونظريات وأطر فكرية متكاملة. فعبد القاهر الجرجاني تناول المتنبي وفي رصيده نظرية كاملة في النظم يريد أن يختبرها. وحازم القرطاجني عالجه بأنامل الفيلسوف الموسوعي الذي صهر في مداده فلسفة الشرق والغرب. وبين هذا وذاك، وقف ابن جني يشرح ويعلّق، وأبو العلاء يعجب ويتحفّظ، والقاضي الجرجاني ينصف ويوازن. كلهم أمام المتنبي كمن يقف أمام مرآة كبيرة يختبر فيها صورته النقدية.
تخيّل أندلسيا ولد في قرطاجنة عام 608هـ، ونشأ في عصر كانت الأندلس فيه تودّع نفسها بهدوء مؤلم. هذا الأندلسي هو حازم بن محمد القرطاجني، الذي لم يكتف بأن يكون شاعرا وأديبا، بل أراد أن يبني للشعر العربي صرحا فلسفيا محكما. فكتب «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» الذي يعدّ اليوم من أبرز مصنفات الشعريات في تراثنا العربي. ما الذي فعله القرطاجني تحديدا؟ لقد أنجز مشروعا جريئا، استثمر فيه ما وصله من شعرية أرسطو عبر تلاخيص الفارابي وابن سينا، وحاول بوعي ومهارة، بعد تبيئة المصطلحات اليونانية، أن يضبط تطبيقها على الشعر العربي الأصيل. وكان في ذلك كمن يلبس الشعر العربي رداء فلسفيا، غير أنه يحرص أن يفصّله على مقاسه تماما، فلا يضيق ولا يفيض.
ومن هذا المنطلق الفلسفي قرأ القرطاجني المتنبي، فكانت قراءته مختلفة بعض الاختلاف عمّن سبقه. فكيف رأى القرطاجني المتنبي؟
فمن جهة التخييل يشبّه القرطاجني الشاعر بالرسام الماهر الذي مهمته الأولى أن يثير في نفس المتلقي صورا ذهنية حيّة ومشاعر حقيقية. وهذه القدرة يسمّيها «التخييل»، وهي في نظره معيار الشعر الحقيقي. والمتنبي على هذا المعيار شاعر ناجح نجاحا لافتا. فلنقف لحظة أمام هذا البيت الشهير:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ما الذي يفعله هذا البيت في نفسك؟ إنه في لمحة واحدة يجمع بين عالمين متباعدين، وهما عالم الحرب بخيله وسيفه ورمحه، وعالم الأدب بقرطاسه وقلمه. والشاعر يقول: أنا هنا وهناك في آن واحد، أنا ابن الميدان وابن الكلمة معا. وهذا ما يمكن أن نسميه، بلغة القرطاجني، تخييلا رفيعا، أي الصورة التي تفعل فعلها في الروح قبل أن يدركها العقل.
ومن أسس الشعرية الأرسطية التي استعارها القرطاجني مبدأ «المحاكاة»، أي أن الشاعر ينبغي أن يعيد إنتاج الواقع الإنساني بصورة تثير وجدان القارئ وتحرّك مشاعره. والمتنبي بهذا المقياس محاك بارع، لا سيما في قصائده الغزلية والرثائية حين يصبح شعره حاملا للألم الإنساني بأمانة نادرة.
أما بخصوص توازن العقل والخيال فإن القرطاجني ـ وهنا يظهر الفيلسوف فيه ـ لا يريد شاعرا يطير بلا مرساة، وإنما يريد شاعرا يوازن بين جناحي الخيال والعقل. والمتنبي الحكيم ـ الذي ملأ ديوانه بالأبيات التي يرددها الحكماء على ألسنتهم والعلماء فوق منابر المساجد ـ أحسن من يجسّد هذا التوازن في أجمل صوره:
كلّ ما لم يكن من الصّعب في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا
هنا الحكمة تكتسي ثوب الجمال، والمعنى العقلي يسير في ركب الصورة الشعرية. وهذا ما يقدّره منهج القرطاجني تقديرا بالغا.
غير أن القرطاجني لا يجعل الصدق معيارا للشعر، فالأقاويل الشعرية عنده قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة، والعبرة كلها بقدرتها على التخييل وتحريك النفس. لكنه في المقابل يضع للخيال حدودا يرسمها مفهوما «الإمكان» و«الاستحالة»، فالمعنى الذي يتصوره العقل ويقبله الوجدان ولو لم يقع، يبلغ غايته في التأثير، أما المعنى الذي يجاوز الممكن إلى الممتنع فإن النفس تنفر منه، فيفقد التخييل فعله. ومن هنا يمكن أن نفهم موقفه من مواضع الغلو في شعر المتنبي؛ فالمبالغة عنده ليست عيبا في ذاتها، بل قد تكون من أدوات التخييل الرفيع، ما دامت تحافظ على خيط دقيق يشدّها إلى الممكن، فإذا انقطع هذا الخيط صار الشاعر كالرسام الذي يغالي في إبراز الألوان حتى يشتت البصر بدل أن يمتعه.
فإذا كان القرطاجني فيلسوفا أحبّ الشعر، فعبد القاهر الجرجاني عالم أحبّ الكلمة وغاص في أسرارها الدفينة. هذا الإمام الجرجاني الذي رحل عن الدنيا عام 471هـ، وترك لنا تركة ثمينة في «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، وترك فيهما نظرية لا تزال تدهش حتى اليوم، إنها نظرية «النظم». فما النظم عند عبد القاهر؟ نلخصه ببساطة بأن جمال الكلام ليس في الألفاظ المعزولة بل في علاقات الألفاظ بعضها ببعض، في الترتيب والتقديم والتأخير والحذف والذكر، كل ذلك وفق ما تقتضيه قوانين النحو ومتطلبات المعنى. الكلمة الواحدة لا تكاد تساوي شيئا، لكنها في مكانها الصحيح من الجملة تصبح جوهرة. ولاختبار هذه النظرية كان عبد القاهر في حاجة إلى شعر كثيف غني بالتراكيب، يصلح مادة للتشريح البلاغي، ولن يجد في هذا السياق أفضل من المتنبي.
فهو يتناول المتنبي في «الدلائل» و«الأسرار»، ومن أبرز ما يقرره في «الدلائل» أن التقديم والتأخير ليس زينة في الكلام، بل هو باب واسع من أبواب المعنى. ولنعرض على هذا المبدأ بيت المتنبي الرهيب:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
لماذا قدّم المتنبي الجار والمجرور «فيك» على المبتدأ «الخصام»؟ ولماذا لم يقل: «الخصام فيك»؟ إن منطق عبد القاهر يجيبنا بأن التقديم هنا ليس مجرد خيار أسلوبي، بل هو خيار دلالي. فحين قدّم الشاعر «فيك» أشار إلى أن المشكلة متمركزة في الممدوح نفسه، فهو مصدر الظلم والمصدر الذي ينتظر منه الإنصاف في آن واحد، فالتقديم هنا هو الذي أنتج المعنى وكثّفه. وهذا هو النظم في أبهى صوره، حيث ينتج الاصطفاء النحوي جمالا بلاغيا.
وبالأدوات نفسها نقرأ مطلع ميميّة المتنبي الشهيرة:
واحرّ قلباه ممّن قلبه شبم
ومن بجسمي وحالي عنده سقم
فنجد البيت كله قائما على النظم لا على الألفاظ المفردة. فـ«حرّ القلب» في ذاته تعبير متداول على الألسنة، و«الشبم» وهو البرد كلمة لا تثير شيئا وهي معزولة، غير أن الشاعر حين وضع القلبين في صدر البيت وعجزه، قلبا يحترق وقلبا باردا، صنع مقابلة تقوم عليها الصورة كلها. ثم جاء حرف «من» ليقلب المنطق رأسا على عقب، فالبرودة هنا هي مصدر الاحتراق، وكأن جفاء الممدوح نار تلسع وهي باردة. ويزيد الندبة عمقا أنها في أصلها نداء للميت المتفجع عليه، والشاعر يندب بها قلبه وهو حيّ، فكأنه يرثي نفسه قبل الأوان. أما الشطر الثاني فيكشف عن دقة أخرى، إذ جعل كلمة «سقم» واحدة تجمع بين الجسم والحال، فهي في الجسم مرض حقيقي، وفي الحال، أي منزلته عند الممدوح، سقم مجازي، وكلمة «عنده» هي التي حوّلت المعنى من شكوى البدن إلى شكوى المكانة. وهذا بالضبط ما أراده عبد القاهر حين قرر أن المزية لا تكون في اللفظة، بل في موقعها من أخواتها، فالكلمات هنا عادية، لكن نظمها صنع منها جرحا لا يندمل.
وثمة ملاحظة لطيفة ينبغي ألّا تفوتنا، وهي أن عبد القاهر لم يكن معنيا بالمفاضلة بين الشعراء ولا بإصدار الأحكام عليهم، كما فعل القاضي الجرجاني في «الوساطة»، وإنما كان همّه أن يكشف عن العلل التي يحسن بها الكلام ويقبح. ولذلك لا نكاد نعثر عنده على حكم صريح في منزلة المتنبي، غير أن موقفه منه يقرأ في طريقة حضوره في كتابيه؛ فقد جعله في صفّ أبي تمام والبحتري وغيرهما من الشعراء الذين يستشهد بهم على قوانين البلاغة، إلى جانب الشاهد القرآني الذي هو مدار نظريته. والبلاغي الذي يبني قواعده لا يأتمن عليها إلا الكلام الذي يثق في إحكامه، فإذا اختار شاهدا ليثبت به قانونا، فقد شهد له بالجودة شهادة ضمنية هي أبلغ من المديح المباشر. ومن ثم يغدو المتنبي عند عبد القاهر جزءا من الدليل نفسه، لا موضوعا للحكم فحسب، وتلك منزلة لا ينالها إلا من استقرّ شعره في الوجدان العربي مرجعا يحتكم إليه.
وهكذا يقف المتنبي بين ناقدين فصلت بينهما قرابة قرنين من الزمان، وفصلت بينهما المناهج أكثر مما فصلت الأعوام. فعبد القاهر يدخل إلى البيت من داخله، يتتبع خيوط التركيب، ويسأل: كيف رتّبت الكلمات حتى ولّدت هذا المعنى؟ وحازم يقف عند أثره في النفس، ويسأل: ماذا صنع هذا البيت بمتلقيه من صور وانفعالات؟ فالبلاغي يرى الشعر بناء محكما، والفيلسوف يراه فعلا في الوجدان. ولا ينبغي أن نتصور بين الرجلين خصومة، فقد جاء حازم بعد عبد القاهر وأفاد من إرثه البلاغي، ثم مضى به إلى آفاق الفلسفة، فكان ما بينهما حوارا ممتدا عبر الزمن، يكمل فيه منهج ما سكت عنه الآخر. ولعل أعجب ما في هذا الحوار أن المتنبي اتسع لهما معا، فوجد فيه كل منهما ما يؤيد نظريته ويختبرها، وكأن شعره أرض خصبة تنبت فيها كل بذرة نقدية تلقى فيها. وهنا نعود إلى المرآة التي بدأنا بها؛ فكل ناقد وقف أمام المتنبي رأى فيه صورة منهجه، غير أن المرآة نفسها ظلت أكبر من كل الصور التي انعكست عليها، ولذلك بقي المتنبي، بعد أكثر من ألف عام، شاعرا لم يقل فيه القول الأخير بعد.







التعليقات