ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من مكان إلى آخر بقدر ما تبني عالمًا من الرحيل والانتظار والذاكرة، عالمًا لا تستقر فيه الأشياء طويلًا بما يكفي لكي تتحول إلى يقين. يبدأ كل شيء تقريبًا من البحر: جسد في مواجهة الماء، سفينة، بحارة، خوف غامض من الموت، وأفق لا يقدم وعدًا أكيدًا بالنجاة. ومنذ الصفحات الأولى يبدو البحر أكثر من مكان للحادثة؛ إنه الكائن الذي سيمنح الرواية إيقاعها العميق، فالحكايات ترتفع وتهبط مثل أمواجه، والذاكرة تتقدم ثم تنكفئ، والأشخاص يظهرون ويختفون، والماضي الذي يظنه خالد دوال بعيدًا يعود من منفذ غير متوقع. لهذا تبدو نظرية استجابة القارئ، لا بوصفها جهازًا اصطلاحيًا نلقيه على النص من الخارج وإنما بوصفها طريقة للإصغاء إلى ما يفعله النص في متلقيه، مدخلًا مناسبًا لهذه الرواية. فالمعنى، وفق تصور فولفغانغ إيزر، لا يكون موضوعًا جاهزًا أخفاه الكاتب بين الكلمات لكي يعثر عليه قارئ ذكي، بل يتكون أثناء اللقاء بين النص وقارئه، وخصوصًا في الفراغات التي يتركها السرد بين أجزائه (Wolfgang Iser, The Act of Reading, 1978).
وكتاب كطافة غني بهذه الفراغات: بين العراق وتونس، بين البحر واليابسة، بين خالد وماضيه، بين الإنسان واسمه، بين الواقعة وذكراها، بل وبين الكاتب والحكاية التي يكتبها. نحن لا نتلقى حياة مكتملة، وإنما شظايا حياة يطالبنا النص بأن نصل بعضها ببعض، ولهذا تصبح القراءة نوعًا من الإقامة المؤقتة في حياة شخص آخر. وربما هنا تكمن المفارقة الأولى في الرواية: خالد دوال مهاجر داخل العالم، لكن القارئ نفسه يتحول، شيئًا فشيئًا، إلى مهاجر داخل النص؛ ينتقل بين الأزمنة والأمكنة والأصوات باحثًا عن أرض صلبة، ثم يكتشف أن الرواية لا تريد أن تمنحه تلك الأرض أصلًا.

البحر لا يروي الحكاية، بل يبعثرها
لو كان البحر في ليالي ابن زوال مجرد فضاء جغرافي لأمكن استبداله بمدينة أو طريق أو صحراء من دون أن يختل البناء، لكنه هنا يؤدي وظيفة أعمق: إنه الصيغة السرية التي صيغت الرواية على مثالها. الموجة لا تسير في خط مستقيم، وكذلك ذاكرة خالد؛ تذهب إلى الأمام لكي تعود، وتفتح حكاية فتوقظ حكاية أخرى، وتستحضر وجهًا فإذا بالوجه يقود إلى بلد وزمن وحرب وصديق غائب. حتى السفينة لا تظهر باعتبارها وسيلة نقل فحسب، وإنما مكانًا بين مكانين، أي إنها الصورة المادية الدقيقة لحالة البطل نفسه: لا هو في أرض غادرها ولا في أرض وصل إليها نهائيًا. ومن هنا يكتسب تقسيم الرواية إلى ليالٍ قمرية دلالته؛ فالليلة لا تنجز الحكاية وإنما تمنحها مهلة أخرى، كما لو أن السرد نفسه يؤجل الوصول. ويزداد الأمر تعقيدًا حين تدخل المخطوطة إلى العالم الروائي ويصبح خالد في آن واحد شخصًا عاش التجربة، وذاكرة تستعيدها، وصوتًا يرويها، وكاتبًا يحاول تحويل ما تبقى منها إلى كلمات. وفي موضع متأخر تصبح المخطوطة نفسها مستودعًا لذاكرة يخشى صاحبها أن تخونه، فيتجاور ما يتذكره الإنسان مع ما سبق أن كتبه، فلا نعود نعرف أيهما يحفظ الآخر: الإنسان يحفظ الحكاية أم الحكاية تحفظ الإنسان. وهنا تعمل واحدة من أجمل آليات استجابة القارئ: كلما اعتقدنا أننا أمسكنا بمركز الرواية تحرك المركز قليلًا. إن ما سماه إيزر بالفراغ ليس نقصًا فنيًا، بل المسافة التي تستفز القارئ لكي ينتج الصلة المفقودة بنفسه. ويذهب ستانلي فيش أبعد من ذلك حين يجعل المعنى حدثًا يقع أثناء القراءة، لا جوهرة ساكنة داخل الكلمات (Stanley Fish, Is There a Text in This Class?, 1980).
ومن هذه الزاوية لا يكون اضطراب الحكاية عيبًا ينبغي إصلاحه، بل تجربة ينبغي الدخول فيها؛ لأن القارئ يتعلم أن يرى العالم كما يراه رجل فقد انتظامه القديم. حتى الحوارات الطويلة والمتشعبة تؤدي وظيفتها ضمن هذا الاقتصاد؛ فهي لا تقدم معلومات فحسب، وإنما تضع إلى جوار رواية خالد روايات الآخرين، بحيث تصبح الحقيقة موزعة على أصوات لا يملك أي واحد منها الكلمة الأخيرة. ولعل هذا ما يجعل البحر أقوى استعارات الكتاب: يمكنك أن تصف البحر، وأن ترسم حدوده على الخريطة، وأن تعرف أسماء موانئه، لكنك لا تستطيع الاحتفاظ بموجة واحدة منه بين يديك. وكذلك هذه الرواية؛ تمنح القارئ حركة المعنى أكثر مما تمنحه معناه النهائي.
ابن زوال: حين يصبح الاسم سيرة كاملة
في عنوان ليالي ابن زوال شيء من الحيلة الجميلة؛ فقبل أن نعرف الرجل نكون قد تلقينا حكمًا خفيًا على مصيره. الزوال في الذاكرة اللغوية ليس موتًا فقط، بل انتقال الشيء عن حاله، انقضاءه، تحوله، ابتعاده عن موضع الثبات؛ وحين يصبح الإنسان ابنًا للزوال فكأن اسمه نفسه يرفض أن يمنحه إقامة دائمة في العالم. لذلك يمكن قراءة خالد دوال باعتباره شخصية لا تتحدد بما تمتلكه، بل بما تفقده وبما تعبره: سفينة، ميناء، مدينة، مطعم، صديق، حدود، جواز، مخطوطة، ذاكرة. الأشياء التي تحيط به ليست ديكورًا للحكاية؛ إنها محطات في إعادة تكوين هويته. وحين يصل السرد إلى تونس، على سبيل المثال، لا تدخل المدينة باعتبارها بديلًا جاهزًا عن وطن مفقود، وإنما بوصفها فضاء جديدًا يوقظ المقارنة والتخيل والحلم بإمكان حياة مختلفة؛ يرى خالد المدينة والمجتمع والبحر بعين القادم من مكان آخر، فيحاول أن يتصور ما يمكن تغييره، لكن العراق يظل حاضرًا في طريقة الرؤية نفسها. وهنا تتجلى فكرة أفق التوقع التي ارتبطت بهانس روبرت ياوس: القارئ لا يأتي إلى الرواية فارغًا، بل يدخلها محملًا بتجاربه السابقة وبما يعرفه عن جنس الرواية والهجرة والمنفى والعراق، ثم تبدأ القراءة في تعديل ذلك الأفق. ويمكن الاستناد هنا إلى الترجمة العربية لكتاب ياوس (هانس روبرت ياوس، جمالية التلقي: من أجل تأويل جديد للنص الأدبي) من غير أن نحول المقالة إلى درس نظري؛ فالمهم أن كطافة يربك التوقع المسبق لرواية المنفى. الخارج ليس خلاصًا كاملًا، كما أن الداخل ليس شرًا خالصًا؛ الوطن ليس صورة رومانسية معلقة على جدار الذاكرة، والمنفى ليس مساحة سوداء بلا حياة. كلاهما يدخل الآخر ويلوث صفاءه المفترض. ولهذا تكتسب الحدود في الرواية قوة استثنائية، لأنها ليست خطًا على الخريطة فحسب، وإنما جهازًا يسأل الإنسان: من أنت؟ ما الورقة التي تثبت أنك أنت؟ من سمح لك بأن تعبر؟ وتتكاثر في المشاهد المتأخرة الحواجز والحراس والجوازات والانتظار حتى تتحول الجغرافيا إلى امتحان وجودي للهوية. عندئذ نفهم أن زوال خالد ليس اختفاءه، بل استحالة تطابقه النهائي مع تعريف واحد. إنه العراقي حين يكون بعيدًا عن العراق، والغريب الذي يحمل وطنه معه، والكاتب الذي يصنع من الماضي مخطوطة، والرجل الذي يريد الوصول فيما تظل حياته مصممة على هيئة طريق.

العراق الذي يسافر سرًا في حقيبة المغترب
من أكثر الاختيارات الفنية نضجًا في الرواية أن العراق لا يعامل باعتباره بقعة تركها البطل وراء ظهره؛ فلو حدث ذلك لتحولت ليالي ابن زوال بسهولة إلى سردية حنين مألوفة: وطن في جهة ومنفى في الجهة المقابلة. لكن العراق عند كطافة يسافر مع خالد، لا في حقيبة مادية وإنما في جهاز إدراكه للعالم. يحضر في طريقته في مقارنة المدن، وفي حساسيته تجاه السلطة والحرب والحدود، وفي الأصدقاء الذين ينهضون من الذاكرة، وفي النكات واللغة والخوف، وفي ذلك الشعور الذي يعرفه المنفي حين يكتشف أن المسافة الجغرافية لا تضمن المسافة النفسية. ولهذا فإن الماضي لا يعود على هيئة استرجاعات تشرح لنا سيرة البطل وحسب، بل يتدخل في الحاضر ويعيد تفسيره. وحين تستعيد الرواية الجنود والخنادق والحرب والأسلاك والحدود، فإنها لا تقدم تاريخًا للحرب؛ إنها تستعيد التاريخ من المكان الذي يؤلم أكثر: الجسد الفردي. في الصفحات المتأخرة تتجاور ذاكرة الحرب مع السياسة والحشود والسلطة والنقاشات التي لا تنتهي، حتى يصبح التاريخ العام ضيفًا ثقيلًا داخل السيرة الشخصية. هنا تتضح أهمية لويز روزنبلات التي رفضت النظر إلى القراءة باعتبارها انتقال معنى جاهز من النص إلى المتلقي، ورأت العمل الأدبي ثمرة علاقة تبادلية بين الاثنين (Louise M. Rosenblatt, The Reader, the Text, the Poem, 1978).
وهذا المفهوم يكاد يشرح سر اختلاف أثر رواية كطافة من قارئ إلى آخر؛ فالقارئ العراقي الذي عاش زمن الحرب أو الحصار أو الهجرة لن يقرأ الجواز والسفينة والحدود كما يقرؤها شخص لم تتحول هذه الأشياء في حياته إلى أسئلة مصيرية. كلمة صغيرة قد تفتح لدى الأول مستودعًا كاملًا من الخبرة، فيما تمر عند الثاني بوصفها تفصيلًا سرديًا. وهنا تصبح الرواية أكثر من حكاية خالد؛ إنها تستدعي ذاكرة القارئ لكي تعمل. ولهذا أيضًا لا ينبغي البحث فيها عن عراق واحد. هناك عراق خالد، وعراق الشخصيات الأخرى، والعراق الذي يعيد المغترب اختراعه بعد سنوات، ثم العراق الذي يحمله القارئ نفسه إلى الصفحة. إن النص لا يقول إن واحدة من هذه الصور هي الحقيقة الخالصة، بل يجعلها تتجاور وتتعارض، وربما كان هذا تحديدًا ما ينقذ الرواية من الحنين السهل؛ فالذاكرة عند كطافة ليست كاميرا أمينة، بل مؤلف ثانٍ يعيد ترتيب الماضي بحسب جراح الحاضر. وهكذا يصبح المنفى انتقالًا في معنى الأشياء لا في مكان الإنسان فقط: البيت الذي كان عاديًا يصبح بعد فقده أسطورة صغيرة، والشارع يتحول إلى ذاكرة، والصديق الغائب إلى زمن كامل، والبحر الذي كان جغرافيا يصبح مصيرًا.
الحلقة المفقودة: القارئ الذي كان مختبئًا داخل الرواية
ليس اعتباطًا أن تحمل الليلة القمرية العاشرة اسم الحلقة المفقودة. يبدو العنوان في البداية وعدًا بأن ثمة معلومة ناقصة ستظهر فتغلق الدائرة، لكن ما صنعته الرواية حتى تلك اللحظة يجعل القراءة الأخرى أكثر إغراءً: الحلقة المفقودة ليست معلومة واحدة، وإنما مبدأ البناء كله. ثمة حلقة ناقصة دائمًا بين الوطن وصورته في الذاكرة، بين الواقعة وروايتها، بين خالد وماضيه، بين الاسم وصاحبه، بين الإنسان والورقة التي تثبت هويته، بين المخطوطة والحياة التي تزعم أنها تمثلها. والمثير أن الرواية تعود في هذه الليلة إلى السفينة والمجهول والمستقبل؛ أي إلى المجال الرمزي نفسه الذي افتتحت به رحلتها، كأن البحر لم يكن مرحلة أولى تجاوزها البطل، بل الدائرة التي تحتوي الرحلة كلها. وفي الصفحات الأخيرة يتداول المسافرون كلمة المستقبل بقدر كبير من الالتباس؛ ليس باعتباره خطة واضحة، وإنما بوصفه مكانًا مجهولًا آخر ينبغي الوصول إليه، فيصبح المستقبل نفسه نوعًا من المنفى الذي لم ندخله بعد. وهنا تنكشف أجمل لعبة في ليالي ابن زوال: ربما كانت الحلقة المفقودة هي القارئ. فالنص ترك فراغاته لأنه يحتاج إلى شخص يصل بينها؛ بعثر الأزمنة لأنه يحتاج إلى وعي يعيد ترتيبها؛ جعل البحر يعود لأن القارئ وحده يستطيع أن يدرك أن البحر الأخير ليس البحر الأول تمامًا، فالذي تغير بينهما ليس الماء بل الإنسان الذي ينظر إليه. ومن هذا المنظور يصبح القارئ آخر شخصيات الرواية، وإن لم يذكر اسمه قط. إن أمبرتو إيكو، وهو يتحدث عن تعاون القارئ مع النص، يرى أن العمل الأدبي يترك أشياء كثيرة غير منطوقة لأنه يتوقع من قارئه أن يستنتجها ويكملها (Umberto Eco, The Role of the Reader, 1979).
وهذه الفكرة تضيء رواية كطافة من الداخل. فالنص لا يطلب منا أن نصدق خالد أو نكذبه، ولا أن نحكم على اختياراته، بل أن نعيش المسافة التي تفصل بين ما حدث وما استطاع أن يرويه عنه. وربما لهذا تظل صورة البحر أقوى من أي خاتمة ممكنة: البحر لا يقدم جوابًا، ولا يحتفظ بأثر الطريق، ولا يخبر الراحل إن كانت الضفة الأخرى خلاصًا أم بداية غربة جديدة. إنه يضع الإنسان أمام الاحتمال فقط. وهنا يبلغ مفهوم استجابة القارئ أقصى جمالياته؛ لأن السؤال الأخير لا يعود ماذا يعني ابن زوال؟ بل: ماذا يعني الزوال للقارئ نفسه؟ عندئذ تتراجع المسافة الآمنة بيننا وبين خالد. كل واحد منا، بطريقة ما، ابن شيء زائل: مدينة تغيرت، بيت تركناه، أصدقاء أخذتهم السنوات، جسد يتقدم في العمر، ذاكرة تخسر تفاصيلها، أو مستقبل حسبناه ثابتًا ثم اكتشفنا أنه مجرد احتمال. وبذلك لا تنتهي رواية كريم كطافة عندما تغلق صفحتها الأخيرة؛ إنها تنقل حلقتها المفقودة إلينا. نغلق الكتاب ويبقى البحر مفتوحًا، وعندها فقط ندرك أن خالد دوال لم يكن طوال تلك الليالي يبحث عن الضفة الأخرى بقدر ما كان يبحث عمن يقرأ أثر خطواته بعد أن يمحوها الماء.








التعليقات