ثمة روايات تبدأ بحكاية، ثم تتسع تدريجيًا حتى تتحول الحكاية إلى سؤال. وثمة روايات تبدأ من السؤال نفسه، وتبحث طوال صفحاتها عن صيغة يمكن بها للإنسان أن يقول: «هذه حقيقتي» من دون أن يدفع حياته ثمنًا لذلك.
في «لحن في عيون الموت» للروائي الأردني مازن الطارق، يبدو سؤال الهوية حاضرًا منذ الصفحات الأولى، لكنه لا يأتي في صورة سؤال مباشر عن الهوية الجنسية فحسب، وإنما في صورة أوسع وأكثر قسوة: من أنا حين لا أستطيع أن أكون نفسي أمام الذين يفترض أن يكونوا أقرب الناس إليّ؟
تبدأ الرواية من مساحة داخلية مثقلة بالحزن والغياب، ويظهر السؤال «من أنا؟» بوصفه مفتاحًا سرديًا يعود بأشكال مختلفة. ومنذ البداية، تربط الرواية بين الكتابة والذاكرة، وبين ما يُكتب وما يعجز الإنسان عن قوله بصوته. الدفتر يصبح مساحة للاعتراف، والكتابة تتحول إلى صوت بديل لشخص لا يجد في العالم مساحة آمنة للكلام.
لكن «لحن في عيون الموت» لا تجعل الهوية قضية نظرية. إنها تضعها في الجسد وفي البيت وفي الجامعة وفي الشارع. بطل الرواية، نارت، يدخل الجامعة حاملًا كمانه، محاولًا أن يجعل من الموسيقى منطقة آمنة يستطيع فيها أن يكون بعيدًا عن نظرات الآخرين وأحكامهم. وحتى الكمان لا يظهر كأداة فنية فقط، بل يصبح امتدادًا لشخصيته ووسيلة للتعبير عن أشياء لا يستطيع قولها. يصف نارت الموسيقى بوصفها وسيلة للتواصل حين تفشل الكلمات، بل ويجد فيها ملاذًا وحماية من عالم يشعر فيه بأنه غير مرئي أو غير مقبول.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الرواية: الموسيقى ليست خلفية للأحداث، وإنما هي اللغة الثانية للرواية.
كلما عجز نارت عن الكلام، حضر الكمان. وكلما أصبح الاعتراف مستحيلًا، تحولت النغمة إلى اعتراف بديل. لذلك لا يبدو عنوان الرواية «لحن في عيون الموت» عنوانًا شعريًا فحسب؛ بل يبدو، بعد اكتمال القراءة، مفتاحًا لفهم العلاقة بين الفن والحب والفقد.
من التنمر إلى الحب
في الجامعة يتعرض نارت للتنمر بسبب مظهره وشعره وكمانه. المشهد ليس عابرًا في الرواية؛ فهو يؤسس لفكرة ستتكرر لاحقًا: جسد الإنسان وملامحه وخياراته يمكن أن تصبح كلها موضوعًا للمراقبة والحكم.
يظهر يوسف للمرة الأولى تقريبًا من هذه المساحة. يتدخل حين يتعرض نارت للمضايقة، ثم يبدأ البحث عنه بعد ذلك. ولا تقدم الرواية العلاقة بين الاثنين بوصفها حبًا مفاجئًا وسهلًا، بل تبنيها تدريجيًا من أفعال صغيرة: سؤال، حضور، انتظار، متابعة، قهوة، طريق مشترك، نظرات طويلة، ثم اعترافات مؤجلة.
يوسف، في المقابل، يحمل جرحه الخاص. هو أيضًا هارب من عائلة أرادت أن تختار له حياته، ورفض أن يسلك الطريق الذي رُسم له، فغادر الضفة بعد أن حاولت عائلته دفعه إلى زواج لا يريده. يصبح اللقاء بين نارت ويوسف، بهذا المعنى، لقاء شخصين يحمل كل منهما شكلًا مختلفًا من المنفى.
وهذه نقطة مهمة في الرواية: الحب بين نارت ويوسف لا يأتي باعتباره حلًا للمشكلة، بل باعتباره مساحة مؤقتة يستطيعان فيها أن يكونا نفسيهما.
حين يقول يوسف لنارت إنه يستطيع أن يخبره بأي شيء، وإنه سيكون مستمعًا وصديقًا ومتفهمًا، لا يقدم نفسه بوصفه منقذًا خارقًا، بل بوصفه شخصًا يعرف معنى أن يعيش الإنسان وحيدًا بسبب ما يشعر به. وحين يصل الاثنان إلى الاعتراف المتبادل، يصبح الحب بالنسبة إليهما أشبه بوطن بديل.
يقول نارت في لحظة حاسمة: «أنت وطني الآن، يوسف»، ثم يضيف أنه عائلته وكل ما ينتمي إليه قلبه.
هنا تنتقل الرواية من سؤال الهوية إلى سؤال الانتماء.
العائلة بوصفها المكان الأول للخوف
إذا كان الحب يمنح نارت ويوسف إمكانية النجاة، فإن العائلة هي القوة الأكثر حضورًا في صناعة الخوف.
والد نارت ليس مجرد شخصية معادية؛ إنه يمثل نموذجًا اجتماعيًا يرى الاختلاف خروجًا عن الصورة المقبولة للابن. وتستعيد الرواية منذ وقت مبكر آثار العنف الأبوي والذكريات التي تركتها الطفولة في شخصية نارت. يصبح الماضي شيئًا لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يعود في صورة خوف دائم.
حتى ليلى، أخت نارت، لا تقف في البداية في موقع الرفض البسيط. إنها تحبه وتخاف عليه، لكنها تحمل أيضًا الخوف نفسه الذي يفرضه المجتمع. ولهذا تصبح مواجهتها لاكتشاف علاقة نارت بيوسف واحدة من أكثر لحظات الرواية ألمًا؛ فهي لا ترى في الأمر مجرد اختيار عاطفي، بل خطرًا يمكن أن يهدد حياة أخيها. تحذره من مصعب ومن والده ومن الناس، وتخبره أن اكتشاف الأمر قد يعني فقدان السمعة والحرية والحياة.
بهذا المعنى، لا تقدم الرواية الأسرة باعتبارها شرًا مطلقًا، بل باعتبارها مؤسسة يتداخل فيها الحب مع الخوف، والحماية مع العجز.
وهذا ما يجعل شخصية الأم أكثر تعقيدًا. فهي تعرف، لكنها لا تستطيع المواجهة. تحب ابنها، لكنها لا تملك الشجاعة الكافية لمواجهة النظام العائلي الذي يحاصره. وفي النهاية، يصل بها الخوف إلى أن تطلب منه مغادرة الأردن، لا لأنها توقفت عن حبه، وإنما لأنها أصبحت مقتنعة بأن بقاءه قد يعرّض حياته للخطر.

المسرح داخل الرواية
من أجمل البنى التي تعتمد عليها الرواية توظيف مسرحية «روميو وجولييت».
يدخل نارت إلى المسرح عازفًا للكمان، بينما يؤدي مؤيد دور روميو وسلمى دور جولييت. في الظاهر نحن أمام عرض جامعي، لكن المسرحية تتحول تدريجيًا إلى مرآة لحكاية الشخصيات.
الحب الذي لا يستطيع مؤيد الاعتراف به لسلمى، والحب الذي يراقبه يوسف من مقاعد المسرح، والموت الذي يحضر في نهاية «روميو وجولييت»، كلها تصبح إشارات مبكرة لما سيحدث لاحقًا.
والأكثر ذكاءً أن يوسف نفسه يلاحظ أن بعض المشاهد المسرحية ليست مجرد تمثيل. حين يسأل نارت إن كان مؤيد يشعر فعلًا بالكلمات التي يقولها، فإن السؤال يتجاوز مؤيدًا وروميو، ليصل إلى الرواية كلها: متى يصبح التمثيل طريقة لقول الحقيقة؟ ومتى يصبح ما نسميه تمثيلًا هو الحقيقة الوحيدة التي نجرؤ على إعلانها؟
حتى الكمان يدخل في هذا البناء. في إحدى اللحظات يعزف نارت بغضب، ويصف عزفه كصرخة خرجت من داخله، ثم يأتي يوسف ليقول له إن ما فعله لم يكن مجرد موسيقى، بل «حرب».
الفن هنا ليس زينة سردية. إنه مساحة الاعتراف التي لا يوفرها الواقع.
«أن تكون نفسك» كفعل مقاومة
من أكثر الأسئلة حضورًا في الرواية سؤال الحرية.
نارت لا يبحث فقط عن حبيب. إنه يبحث عن حقه في أن يعيش دون أن يضطر إلى تفسير وجوده. ويوسف لا يبحث فقط عن علاقة؛ إنه يبحث عن حياة لم تعد عائلته قادرة على التحكم فيها.
ولهذا تصبح فكرة الرحيل مركزية في النصف الأخير من الرواية. حين تطلب والدة نارت منه مغادرة الأردن، يتحول السفر من قرار شخصي إلى مسألة نجاة. وحين يقترح يوسف أن يرحلا معًا، يبدو الأمر كأنه محاولة لصناعة وطن جديد من شخصين فقدا القدرة على الشعور بالأمان في الوطن الأول.
لكن الرواية لا تجعل الهروب حلًا سحريًا. فحتى بعد اتخاذ قرار الرحيل، يبقى الماضي حاضرًا، وتظهر التهديدات والصور المسربة والمراقبة والخوف.
وهنا تبلغ الرواية إحدى أكثر أفكارها قسوة: قد يخرج الإنسان من المكان، لكنه لا يخرج بالضرورة من الخوف الذي زرعه المكان داخله.
مؤيد: الصديق الذي يرى ولا يحكم
من الشخصيات التي تمنح الرواية توازنًا إنسانيًا مؤيد.
في البداية يبدو مؤيد شخصية اجتماعية مرحة، مختلفة تمامًا عن نارت المنعزل. لكنه يتحول تدريجيًا إلى صديق حقيقي، خصوصًا حين يدرك ما يخفيه نارت ويوسف. والأهم أنه لا يحولهما إلى قضية أخلاقية، ولا يطالب بتفسير لمشاعرهما.
في واحدة من أكثر لحظاته إنسانية، يقول لنارت إنه لا يحتاج إلى إنكار ما يشعر به لمجرد أن العالم لا يجيد الإصغاء، وأنه ليس مخطئًا لأنه يشعر.
هذه الشخصية ضرورية لأنها تقدم احتمالًا آخر داخل الرواية: احتمال أن يعرف الإنسان حقيقة شخص آخر دون أن يحاكمه.
لكن الرواية لا تمنحه حصانة كاملة أيضًا. عندما تظهر الصور، يشك نارت ويوسف فيه، فيشعر مؤيد بالخذلان. وهنا يصبح الشك نفسه جزءًا من المأساة: الخوف الذي صنعه المجتمع لا يكتفي بتدمير العلاقة مع الخارج، بل يتسلل إلى العلاقات التي يفترض أن تكون آمنة.
مصعب: حين يتحول الخوف إلى أداة
إذا كان الأب يمثل سلطة العائلة، فإن مصعب يمثل صورتها الأكثر عنفًا.
هو ليس مجرد أخ غاضب؛ إنه شخصية تتغذى على فكرة السيطرة. يعرف عن نارت، ويستخدم معرفته بوصفها سلاحًا، ثم يتطور الأمر إلى مؤامرة منظمة هدفها عزل نارت عن كل ما يمنحه معنى: عائلته، ثقته بنفسه، ثم يوسف.
وفي النهاية يكشف مصعب أنه هو من أرسل الصور والتهديدات، وأنه تعمد أن يجعل نارت يشك في أقرب الناس إليه، بل إنه ذهب إلى والد يوسف واستعمل ما يعرفه عن نارت ويوسف لإيذائهما.
وهنا يتحول عنوان الرواية مرة أخرى. الموت ليس فقط النهاية الجسدية؛ إنه أيضًا الموت التدريجي للثقة، وللأمان، وللقدرة على الاعتراف.
من «الحب» إلى «الموت»
المأساة تبلغ ذروتها عندما يُختطف يوسف ويُعذب، ثم يعثر عليه نارت في المكان القديم المرتبط بطفولته وعنف والده.
المكان الذي شهد خوف نارت في طفولته يصبح المكان الذي يشهد أكبر خوف في حياته الراشدة.
وهذه واحدة من أقوى الدوائر البنيوية في الرواية: الماضي لا يعود في صورة ذكرى، بل يعود كمسرح للجريمة.
يجد نارت يوسف مصابًا، يحتضنه، ويحاول إقناعه بأنهما سيخرجان معًا. لكن يوسف يعرف أن جسده لم يعد قادرًا على الاستمرار. وفي لحظاته الأخيرة، يعترف كلاهما بالحب وبالخوف وبالرغبة في النجاة. ثم يموت يوسف بين ذراعي نارت.
المشهد لا يعمل فقط بوصفه ذروة عاطفية، وإنما بوصفه نتيجة منطقية لمسار الرواية كله: حين يصبح الحب سرًا، يصبح اكتشافه خطرًا؛ وحين يتحول الخوف إلى سلطة، يصبح الجسد نفسه ساحة للعقاب.
لكن الرواية لا تنتهي عند موت يوسف.
فبعد الجنازة، يزرع نارت الزهور البيضاء حول قبره. الزهور تصبح محاولة أخيرة لمنح الموت معنى مختلفًا؛ بدل أن يكون القبر نهاية، يتحول إلى مكان للحضور والذكرى.
الكمان الذي يبقى بعد العازف
في الصفحات الأخيرة يعود الكمان إلى الواجهة.
تجلس ليلى مع مؤيد، ويظهر الكمان بوصفه الشيء الذي بقي من نارت. وتتذكر ليلى لحظة عودته إلى المنزل، واعتذاره، ثم دخوله غرفته وعزفه. تقول إنهم لم يعرفوا أن نارت كان يعزف للموت نفسه، وكأن الموسيقى كانت طريقته الأخيرة للعبور.
هنا يصبح العنوان كاملًا.
اللحن ليس مجرد موسيقى، والموت ليس مجرد نهاية.
اللحن هو الذاكرة التي ترفض أن تموت، والموت هو الحد الذي يحاول الحب عبوره. أما «العيون» في العنوان، فتبدو كأنها المساحة التي ظل فيها كل شيء غير منطوق: نظرات نارت ويوسف، نظرات العائلة، نظرات المجتمع، ثم نظرات الموت نفسه.
والرواية، في نهايتها، تترك القارئ أمام مفارقة مؤلمة: لقد فشل العالم في حماية الحب، لكنه لم يستطع محوه.
الرواية والمجتمع العربي
من السهل جدًا اختزال «لحن في عيون الموت» في كونها رواية تتناول المثلية الجنسية، لكن هذا الاختزال، في رأيي، يظلم بنيتها.
المثلية في الرواية هي أحد محاور الصراع، لكنها تتقاطع مع أسئلة أوسع: ماذا يعني أن تختار حياتك في مجتمع يعتقد أن العائلة تعرف مصلحتك أكثر منك؟ ماذا يحدث عندما يصبح الاختلاف عارًا؟ كيف يتحول الحب إلى سر؟ وكيف يمكن للخوف من انكشاف السر أن يدمر الإنسان حتى قبل أن ينكشف؟
لهذا تبدو الرواية، في جانب منها، رواية عن الوصمة أكثر مما هي رواية عن المثلية، وعن الخوف أكثر مما هي رواية عن الرغبة.
وهي لا تسأل القارئ بالضرورة أن يوافق شخصياتها أو يتبنى اختياراتها؛ بل تضعه أمام سؤال أكثر بداهة وأشد صعوبة: هل يستحق الإنسان أن يُعاقب لأنه حاول أن يعيش حياته كما يشعر بها؟
وهذا السؤال هو الذي يجعل الرواية قابلة للقراءة خارج موضوعها المباشر.
ما الذي ينجح في «لحن في عيون الموت»؟
أبرز ما ينجح فيه العمل هو بناء علاقة متدرجة بين الموسيقى والحب والموت. الكمان يظهر في البداية كوسيلة هروب، ثم يتحول إلى وسيلة تعبير، ثم إلى ذاكرة، وأخيرًا إلى أثر يبقى بعد غياب صاحبه.
كذلك تنجح الرواية في بناء شخصية يوسف بوصفه أكثر من مجرد «الحبيب». لديه ماضٍ وعائلة وخوف ومنفى خاص، وهذا يمنع العلاقة من أن تتحول إلى علاقة أحادية الجانب.
كما أن حضور ليلى ومؤيد والسيد لاسم يوسع العالم الأخلاقي للرواية؛ فليس الجميع في طرف واحد. هناك من يرفض، ومن يخاف، ومن يعجز، ومن يحاول أن يفهم، ومن يختار الوقوف إلى جانب الآخر.
وربما أهم ما يميز الرواية أنها لا تمنح القارئ نهاية مريحة. الحب لا ينتصر بالطريقة التقليدية، والهروب لا يأتي في الوقت المناسب، والموت لا يحل المشكلة. لكن في المقابل، يبقى شيء آخر: الاعتراف.
نارت ويوسف تمكنا، ولو متأخرًا، من أن يقولا لبعضهما ما لم يستطيعا قوله في البداية.
خاتمة: ما الذي يبقى؟
في النهاية، لا يبقى من «لحن في عيون الموت» سؤال المثلية وحده، ولا قصة الحب وحدها.
يبقى سؤال الإنسان الذي قضى حياته يحاول أن يصبح مقبولًا، ثم اكتشف أن أكبر معاركه كانت أن يقبل نفسه.
ويبقى الكمان.
ويبقى الدفتر.
وتبقى الزهور البيضاء حول القبر.
ويبقى صوت شخص غائب في ذاكرة شخص آخر.
وربما هنا تكمن الفكرة الأكثر قسوة وجمالًا في الرواية: أن الموت يستطيع أن يأخذ الجسد، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يأخذ الحكاية.
فالحكاية تستمر في الدفتر، وفي الذاكرة، وفي الموسيقى، وفي عين من بقي.
ولهذا فإن «لحن في عيون الموت» ليست، في جوهرها، رواية عن موت الحب؛ بل عن محاولة الحب أن يترك لحنًا بعد الموت.







التعليقات