انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات..  قراءة في العدد الثاني من "آفاق"

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

10 دقائق للقراءة
29 مشاهدة
حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات.. قراءة في العدد الثاني من "آفاق"
مشاركة:

يأتي العدد الثاني، يونيو/حزيران 2026، من "آفاق: المجلة العربية للدراسات الثقافية" محمّلًا بطموح يتجاوز فكرة إصدار دورية أكاديمية جديدة إلى محاولة بناء مساحة عربية تتقاطع فيها المعرفة الاجتماعية مع الأدب والتاريخ والفلسفة والنقد الثقافي. والمجلة دورية علمية محكّمة تصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، ويرأس المركز الدكتور أسامة الجوهري، فيما تتولى نهلة السباعي رئاسة تحرير المجلة، ويعمل سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة القاهرة والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة، مستشارًا للتحرير. كما تستند المجلة إلى هيئة استشارية واسعة تجمع أسماء من حقول معرفية متعددة ومن جامعات عربية ودولية، من بينها محمد مشبال، ونللي حنا، وريم بسيوني، وجوخة الحارثي، وفدوى الجندي، وهدى الصدة، ونادر كاظم، ووليد الخشاب، وغيرهم؛ وهي تركيبة تكشف منذ البداية أن "آفاق" لا تريد حصر مفهوم الدراسات الثقافية في اختصاص جامعي مغلق، وإنما تتعامل معه بوصفه منطقة تفاعل بين الاجتماع والأنثروبولوجيا والأدب والفلسفة والتاريخ والإعلام ودراسات الهوية.

من دورية جديدة إلى مشروع ثقافي يتجاوز حدود التخصص

ويكتسب العدد الثاني شخصيته الخاصة من الملف الذي اختارته هيئة التحرير تحت عنوان "الثقافة الذكورية في عالم متغير". فالاختيار لا يعيد ببساطة إنتاج السجال المألوف حول الرجل والمرأة، ولا يضع الذكورة في مقابل الأنوثة ضمن ثنائية الهيمنة والخضوع، وإنما يحاول نقل السؤال إلى مستوى أكثر تركيبًا: كيف تصنع الثقافة مفهوم الرجولة؟ وكيف تتغير صوره عندما تتغير المدينة والعمل والأسرة والهجرة واللغة والتمثيلات الأدبية وعلاقات القوة؟ وتوضح نهلة السباعي في تقديم العدد أن المقصود بالثقافة الذكورية منظومة من المعاني والتصورات والمعتقدات والقيم التي تحدد تمثيلات الرجولة وتربطها بالقوة والفحولة والعنف والشهامة والمسؤولية، قبل أن تتحول تلك المعاني إلى "نصوص اجتماعية" تمارس عبر الجسد واللغة والعادات والحياة اليومية. والأهم أن التقديم يرفض اختزال المسألة في مواجهة بسيطة بين رجال مهيمنين ونساء خاضعات، لأن الطبقة والمكان والجيل والتحولات الاقتصادية والثقافية تتدخل جميعها في صناعة أشكال متعددة من الذكورة. وهنا تكمن إحدى فضائل العدد: الانتقال من النظر إلى الرجولة بوصفها حقيقة بيولوجية مستقرة إلى دراستها باعتبارها بناءً ثقافيًا واجتماعيًا وتاريخيًا؛ ومن البحث عن "الرجل" بصيغة المفرد إلى اكتشاف "الرجولات" بصيغة الجمع. ولذلك يستطيع القارئ أن يقرأ الملف بأكمله باعتباره محاولة لإعادة فتح سؤال القوة من داخله: فليست كل ذكورة مهيمنة، وليس كل رجل مستفيدًا بالدرجة نفسها من النظام الأبوي، كما أن مقاومة الهيمنة لا تضمن بالضرورة عدم إعادة إنتاج الإقصاء في اتجاه معاكس. وتؤكد افتتاحية العدد هذه النقطة حين ترى أن القيمة الأساسية للدراسات المنشورة تكمن في تجاوز الثنائية المبسطة بين الرجل المهيمن والمرأة الخاضعة، من دون إنكار القوة الفعلية للثقافة الأبوية أو التمييز الذي قد تنتجه ضد النساء.

الرجولة حين تفقد صورتها الواحدة: الأدب والمدينة والهجرة والجسد

يفتتح الملف بدراسة سونغ جياباي عن "تمثيل الذكورة الخاضعة والذكورة المهمشة في الرواية العربية المعاصرة"، وهي دراسة لافتة لأنها تقلب زاوية النظر التقليدية: بدل البحث عن تمثيلات المرأة الواقعة تحت سلطة الرجل، تتجه إلى الرجال الذين يقفون هم أنفسهم خارج نموذج الذكورة المهيمنة. ومن خلال نصوص روائية مختارة، تكشف الدراسة أن الرجل قد يصبح موضوعًا للتهميش والاغتراب والضغط حين يعجز عن الوفاء بالشروط التي تفرضها الثقافة لتعريف "الرجل الحقيقي". وبذلك لا تعود السلطة الأبوية نظامًا يمنح جميع الرجال امتيازًا متساويًا، وإنما تصبح كذلك آلة لترتيب الرجال أنفسهم، تمنح بعضهم شرعية النموذج وتدفع آخرين إلى هامشه. وتخلص الدراسة، بحسب تقديم العدد، إلى أن الرواية العربية المعاصرة لا تكتفي بتسجيل هذا التحول، وإنما تسهم في مساءلة التصورات التقليدية للذكورة والكشف عن الأبعاد الإقصائية للخطاب الأبوي. وتأتي بعدها دراسة أمل هارون، "تحولات الرجولة الشابة بالمدن الإقليمية المصرية في سياقات التقليد والعولمة: رؤى أنثروبولوجية"، لتنقل القضية من النص الأدبي إلى الحياة اليومية. فالشاب في المدينة الإقليمية يجد نفسه بين نموذج موروث يطالبه بأن يكون المعيل وصاحب القرار وحامل المسؤولية، وواقع اقتصادي واجتماعي جديد تتغير فيه سوق العمل ومكانة المرأة وأنماط الاستهلاك والتطلعات الفردية. والنتيجة ليست مجرد "أزمة رجولة"، وإنما ما تصفه الدراسة بفراغ معياري مزدوج ينتج ارتباكًا في الهوية؛ والمفارقة أن هذا الارتباك يستطيع إنتاج خطاب تقدمي وممارسات محافظة في الوقت نفسه.

أما رشيد لمغاري في "تقويض النموذج النمطي للرجولة: أنماط الرجولة غير المتجانسة في الروايات المعاصرة للنساء العربيات الأمريكيات"، فيضع المشكلة داخل فضاء الهجرة، حيث تصبح الهوية العربية موضع تفاوض مستمر مع الصورة الغربية عنها. وهنا تكتسب الدراسة أهمية مزدوجة؛ فهي من ناحية تفكك التصور الاستشراقي الذي يقدم الرجل العربي بوصفه نموذجًا متجانسًا للأبوية والهيمنة والقمع، ومن ناحية ثانية تكشف عبر الأدب العربي الأمريكي عن تعدد أنماط الرجولة حتى داخل الأسرة المهاجرة الواحدة. فالانتقال الجغرافي لا يمحو الموروث الثقافي، لكنه يعيد ترتيبه ويدخله في علاقات جديدة مع الجيل واللغة والاندماج والذاكرة. ثم تنقل دراسة عبد الرزاق المصباحي عن "التمثيل الثقافي للجنوسة في التجربة الروائية لآني إرنو: الحدث والشاب أنموذجين" النقاش إلى مساحة أكثر حساسية، لأن الجسد فيها يصبح موقعًا للصراع الطبقي والجندري في آن واحد. تقرأ الدراسة تجربة إرنو بوصفها أكثر من كتابة للسيرة الذاتية؛ إنها حالة ثقافية تفكك ما يقع على المرأة من تمييز، لكنها تراقب أيضًا إمكان تحول الذات المقاومة إلى منتج لتمثيل مضاد يمارس الإقصاء تجاه الرجل. ومن هنا يظهر مفهوم "المقايضة المستبدة" بين الجنسين: فقد تتحول مقاومة علاقة غير متكافئة إلى علاقة أخرى تحمل بعض آليات الإقصاء نفسها. وبجمع هذه الدراسات الأربع، يظهر ذكاء بناء الملف: يبدأ بالرجل المهمش، وينتقل إلى الشاب المحاصر بين معيارين، ثم إلى المهاجر الذي يعيد تشكيل رجولته في فضاء ثقافي مختلف، وصولًا إلى الجسد والعلاقة المتبادلة بين السلطة والمقاومة. ليست الذكورة، إذن، جوهرًا يحمله الرجل، وإنما موقع متغير داخل شبكة من الخطابات والضغوط والتمثيلات.

من أخلاق المعرفة إلى نابليون وأمراض المجتمع: اتساع أفق السؤال الثقافي

لا ينغلق العدد على موضوع الثقافة الذكورية، بل يفتح بعد ذلك ثلاث نوافذ على الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، بما يؤكد أن مفهوم الثقافة الذي تتبناه المجلة يتسع للأسئلة التي تقع عند حدود التخصصات. ففي دراسة المهدي مستقيم عن "الأمجاد الباطلة لمفكري ما بعد الحداثة من منظور روجي بويفي: دراسة في الأخلاقيات الفكرية"، ينتقل النقاش من سؤال صحة المعرفة إلى سؤال أخلاق منتج المعرفة نفسه. فما الذي يحدث حين يصبح الظهور أهم من الحقيقة، وحين تتحول الحياة الفكرية إلى سباق للاعتراف والانبهار؟ يعرض الباحث نقد روجي بويفي لبعض أنماط الفكر ما بعد الحداثي من منظور الأخلاقيات الفكرية، ويجعل من "المجد الباطل" مفهومًا مركزيًا لفهم الرذيلة التي تدفع المثقف إلى طلب الشهرة بدل الحقيقة. وتكتسب الدراسة راهنيتها من نقلها تقويم المعرفة من سلامة البرهان وحدها إلى أخلاق الممارسة الفكرية، بما فيها الصدق والدقة والتواضع والحياد والمثابرة.

وتأتي دراسة إسماعيل نوري الربيعي، "الهوية بوصفها استراتيجية استعمارية: تفكيك تمثيلات نابليون الإسلامية في ضوء التاريخانية الجديدة"، لتطرح التاريخ نفسه بوصفه ميدانًا لصناعة التمثيل. فالاحتلال الفرنسي لمصر بين 1798 و1801 لا يقرأ هنا من زاوية المدافع والجيوش وحدها، وإنما من زاوية اللغة والرمز والهوية؛ أي من خلال محاولة نابليون توظيف الرموز الإسلامية لإنتاج شرعية محلية للهيمنة الفرنسية. وتستفيد الدراسة من مفاهيم ستيفن جرينبلات حول التمثيل الثقافي وإعادة سرد الذات والتناص السلطوي، لتكشف أن القوة الاستعمارية لا تعمل بالسلاح وحده، بل تحتاج إلى إنتاج صورة لنفسها يمكن إدخالها في المجال الثقافي للمجتمع الخاضع لها. لكن الوجه الآخر للأطروحة لا يقل أهمية: المجتمع المصري لم يكن متلقيًا سلبيًا لذلك الخطاب، وإنما امتلك قدرة على تفكيكه ومقاومته، ولذلك تصبح الشرعية الثقافية عنصرًا حاسمًا في تفسير حدود القوة العسكرية. وهذه القراءة تجعل الدراسة متصلة، في مستوى أعمق، بموضوع العدد نفسه؛ فإذا كانت دراسات الرجولة تبحث في كيفية صناعة الثقافة لهوية الرجل، فإن دراسة نابليون تبحث في كيفية محاولة السلطة صناعة هوية سياسية لنفسها. في الحالتين نحن أمام "هوية مصنوعة" لا حقيقة ساكنة.

وتكتمل هذه الدائرة بدراسة أشرف حسن منصور عن "الباثولوجيا الاجتماعية من رواد العلم الاجتماعي إلى التطورات الراهنة"، التي تستعيد وظيفة تكاد تضيع أحيانًا وسط التخصص الدقيق لعلم الاجتماع: تشخيص اعتلال المجتمع. فالباثولوجيا الاجتماعية، وفق الدراسة، ليست هامشًا في تاريخ السوسيولوجيا، وإنما متصلة بأسباب نشأتها نفسها؛ إذ تطور علم الاجتماع من الحاجة إلى فهم الاختلالات الكبرى مثل اللامساواة والاغتراب والتشيؤ واللامعيارية والسلطوية. ومن ثم فإن رد المشكلات الفردية إلى بناها وشروطها الاجتماعية الأوسع يصبح جزءًا من وظيفة التحليل السوسيولوجي، الذي لا يكتفي بوصف المجتمع وإنما يسعى إلى تشخيص العوامل التي تعوق اندماجه وتوازنه وصحته الاجتماعية. وتكشف الدراسات الثلاث، عند قراءتها معًا، عن وحدة خفية: أخلاق المثقف، وخطاب المستعمر، ومرض المجتمع تبدو موضوعات متباعدة، لكنها تلتقي عند سؤال واحد هو العلاقة بين المعرفة والقوة. من ينتج المعنى؟ وبأي شرعية؟ وكيف تتحول الأفكار والتمثيلات من تصورات مجردة إلى قوى تعمل داخل التاريخ والمجتمع؟

من الخوف والحرب إلى الكتب: مجلة تريد صناعة حوار لا أرشيف مقالات

تزداد صورة العدد اكتمالًا في قسم "قضايا فكرية"، حيث يكتب أحمد زايد عن "الإنسان المعاصر.. من عزلة الكراهية إلى كهوف الخوف"، فيقرأ الكراهية والخوف لا بوصفهما انفعالين نفسيين منعزلين وإنما باعتبارهما ظاهرتين اجتماعيتين قادرتين على تغذية بعضهما بعضًا. فالكراهية تنتقل من التحيز إلى الإقصاء والتمييز والعنف، بينما يتحول الخوف، تحت ضغط عدم اليقين والحروب والصراعات والتفاوت والمراقبة، إلى ثقافة عامة؛ وعند التقاء الاثنين يدخل الإنسان ما يمكن وصفه بدائرة مغلقة: الكراهية تعزله عن الآخرين والخوف يغلق عليه "الكهف"، فتتآكل الثقة والتسامح والتضامن. ويجاوره شوقي بزيع في مقال "مأزق العلاقة بين الإبداع والحرب"، حيث يضع المبدع أمام واحد من أقدم امتحانات الأدب وأكثرها راهنية: ماذا يفعل الفن عندما تنفجر الحرب؟ لا ينكر بزيع المسؤولية الأخلاقية للمبدع، لكنه يميز بينها وبين تحويل القصيدة أو الرواية إلى منشور تعبوي؛ فالحرب قد تمنح الأدب مادته وجرحه الأخلاقي، لكنها لا تمنحه قيمته الفنية تلقائيًا. والقيمة تنشأ حين يستطيع المبدع تحويل التجربة الآنية إلى خبرة إنسانية ورؤية فنية تتجاوز المناسبة.

ثم تأتي مراجعات الكتب لتمنح "آفاق" وظيفة إضافية هي وصل البحث الأكاديمي بحركة التأليف والنشر. ويضم العدد أربع قراءات نقدية موسعة: قراءة خليل الشيخ لكتاب علي بن تميم عن المتنبي، حيث يعود "عيون العجائب" إلى أربعين بيتًا لاستكشاف طاقة الاختراع والدهشة في شعر أبي الطيب؛ وقراءة ياسر قنصوة لكتاب أحمد مهنى "موعد مع فيلسوف"، التي تثمن محاولة تقريب السؤال الفلسفي إلى القارئ لكنها تكشف المسافة بين إثارة السؤال والتفلسف العميق بشأنه؛ وقراءة مجدي جرجس لكتاب نللي حنا "ما بين إمبراطوريتين: مصر في القرن السادس عشر"، الذي يعيد النظر في الانتقال من الحكم المملوكي إلى العثماني من منظور التفاعل والتفاوض وعلاقة المركز بالأطراف؛ ثم قراءة ثورية أسعدي لدراسة نعيمة الواجيدي لنظرية الزحاف عند المعري، بما يكشف عن إمكان إعادة قراءة التراث العروضي خارج صورته المدرسية المغلقة. ولا تتوقف المجلة عند المراجعات المطولة، بل تقدم عروضًا لكتب عربية وأجنبية تتناول بلاغة السرد، والصور النمطية، والنسوية والقومية، والهوية الثقافية، وستيوارت هول، والحداثة والنقد الثقافي، والرحلات الصحراوية، وما بعد بعد الحداثة، فضلًا عن الذكورة واللغة، والعلاقات بين الجنسين في القرآن، ونابليون والإسلام، والوساطة الثقافية في المجتمعات الإسلامية.

وإذا كان ثمة وصف جامع لهذا العدد، فهو أنه عدد عن تحولات السلطة أكثر مما هو عدد عن الذكورة وحدها. السلطة تظهر في صورة معيار اجتماعي يحدد من يستحق صفة الرجل، وفي صورة ثقافة تضغط على الشباب، وصورة نمطية يحملها الغرب عن العربي، وجسد يتفاوض مع الهيمنة، ومثقف قد يغريه المجد، ومستعمر يحاول ارتداء لغة المجتمع الذي يحتله، وبنية اجتماعية تنتج أمراضها، وخوف يعزل الإنسان، وحرب تحاول إخضاع الفن لمنطقها. هذه الوحدة العميقة هي التي تمنح العدد قيمته؛ فالتنوع فيه لا يتحول إلى تشتت، وإنما إلى تعدد للمداخل التي تلاحق سؤال الثقافة حيثما تتخفى السلطة داخل اللغة والهوية والجسد والذاكرة والمؤسسة. كما تكشف سياسة التحرير المعلنة عن رغبة في بناء دورية محكمة تشدد على المراجعة والتحكيم والأصالة وكشف الانتحال، وتعلن في الوقت نفسه انفتاحها النقدي على المداخل النظرية والمنهجية في العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن هنا يمكن النظر إلى العدد الثاني من "آفاق" بوصفه خطوة مهمة في تثبيت هوية المجلة: ليست منبرًا يجمع أوراقًا متجاورة، بل مساحة تريد أن تجعل الدراسات الثقافية طريقة لرؤية العالم. وهي رؤية تبدأ من التفاصيل الصغيرة، من جسد الرجل ولغته وصورته عن ذاته، لكنها تنتهي عند أسئلة أكبر بكثير: كيف نصنع هوياتنا؟ كيف تتحول الأفكار إلى سلطات؟ وكيف يستطيع النقد أن يكشف ما يبدو طبيعيًا وبديهيًا باعتباره، في الحقيقة، بناءً تاريخيًا وثقافيًا قابلًا للمراجعة والتغيير؟

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ١١ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي
قراءات

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي د.مراد ترغيني تتخلّق عوالم القاص العراقي علي السباعي في نقطة برزخية ملتهبة تلتقي عندها أقدم مراثي الأرض بأحدث فجائع التاريخ المعاصر؛ فالرجل يكتب من رئة "الناصرية" (أور القديمة)، تلك الجغرافيا…

· 15 د
الغياب كمكان أخير

 قراءة في رواية "گوگوش؛ هذه الليلة سجادة فارسية"
قراءات

الغياب كمكان أخير  قراءة في رواية "گوگوش؛ هذه الليلة سجادة فارسية"

وفاء داري كاتبة فلسطينية هل يمكن للمكان أن يختفي تمامًا دون أن يترك ورائه سوى حنين عارم وشواهد قبور؟ في روايته "هذه الليلة سجادة فارسية"، لا يقدم الكاتب ياسين غالب مجرد سردٍ لذكريات مهاجر عراقي في كندا، بل يفتح أمامنا بابًا من الطابوق الجمهوري الأصفر على أزقة البصرة القديمة، لينسج من الغياب والحنين…

· 4 د
نجمان ياسين:

طفولة المحلّة.. وعالمية الحرف
قراءات

نجمان ياسين: طفولة المحلّة.. وعالمية الحرف

​في المشهد الثقافي العربي، ثمة قامات يغير الأكاديميون ملامحهم حين يرتدون جُبّة الأستاذية، لكن الأستاذ الدكتور نجمان ياسين ظلّ استثناءً نادرا ؛ إذ لم تفلح صرامة المؤرخ ولا هيبة القاص في أن تحجب ذلك "الشاعر الشاب الوسيم" الذي انطلق يوماً من أزقة الموصل ومحلاتها العتيقة، مسكوناً بشغف القراءة والكتابة.…

· 2 د