انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حياة محمد شرارة.. حين يتحول الأدب إلى قدرٍ

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

3 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
حياة محمد شرارة.. حين يتحول الأدب إلى قدرٍ
مشاركة:

في سجل الأدب العراقي الحديث، تقف حياة محمد شرارة بوصفها واحدة من الأسماء التي حملت الأدب الروسي إلى العربية بوعي نقدي عميق، وبحسٍّ ثقافي جعل من الترجمة فعلاً إبداعياً موازياً للكتابة الأصلية، لا مجرد نقل لغوي. وُلدت في النجف عام 1935، في مدينة تنبض بالعلم والروحانية، لكنها ستغادرها لاحقاً إلى فضاءات فكرية أوسع، ستقودها إلى عوالم الأدب العالمي، وإلى أسئلة الإنسان القلقة في القرن العشرين.

تلقت تعليمها الجامعي في جامعة بغداد، حيث تفتحت لديها ملامح الاهتمام بالأدب المقارن، قبل أن تشد الرحال في ستينيات القرن الماضي إلى الاتحاد السوفيتي، لتتعمق في دراسة الأدب الروسي، أحد أكثر الآداب الإنسانية كثافة في طرح الأسئلة الوجودية والاجتماعية. هناك، في فضاء موسكو البارد، تشكل وعيها النقدي، واتسعت رؤيتها للعالم بوصفه نصاً مفتوحاً على التناقض والصراع والمعنى.

عادت إلى العراق وهي تحمل مشروعاً معرفياً واضح الملامح، لتعمل أستاذة للأدب الروسي في كلية اللغات بجامعة بغداد، ناقلةً معها خبرة ثقافية مغايرة، جعلت من القاعة الدراسية مساحة لاكتشاف النصوص الروسية الكلاسيكية والحديثة، من غوغول إلى تورغينيف وبوشكين وماياكوفسكي، وغيرهم من أعمدة الأدب الروسي. غير أن مسارها الأكاديمي لم يظل مستقراً، إذ سرعان ما دخلت في مواجهة مع واقع سياسي معقّد، دفعها إلى الابتعاد عن التدريس لاحقاً، لتتفرغ للترجمة والتأليف في عزلة نسبية عن المؤسسات الرسمية.

لم تكن حياة محمد شرارة مجرد مترجمة، بل كانت ناقدة ومؤولة للنص، تعيد قراءة الأدب الروسي من منظور عربي حديث، وتفتح جسوراً بين ثقافتين، عبر لغة دقيقة وحس فلسفي واضح. فقد قدمت ترجمات ودراسات شكلت مرجعاً مهماً، من بينها كتاباتها عن ماياكوفسكي، وبيلينسكي، وتولستوي، ومدخلها إلى الأدب الروسي، فضلاً عن ترجماتها لأعمال كبرى مثل «رودين» و«عش النبلاء» لتورغينيف، و«مسرحيات بوشكين»، و«مذكرات صياد»، وغيرها من النصوص التي أسهمت في تعريف القارئ العربي بعمق التجربة الأدبية الروسية.

كما كتبت دراسات نقدية ومقالات لافتة، من بينها «تأملات في الشعر الروسي» (1981)، و«يسينين في الربوع العربية» (1989)، إلى جانب نصوص أخرى عكست انشغالها بالشعر بوصفه مرآة للروح الإنسانية، وبالشاعر بوصفه شاهداً على عصره. وفي أعمالها النقدية، كانت تميل إلى تفكيك النص وإعادة بنائه من منظور جمالي وفكري، يجمع بين الحس الأكاديمي والذائقة الأدبية.

أما في مجال الإبداع السردي، فقد تركت رواية «إذا الأيام أغمقت» التي نُشرت لاحقاً، إلى جانب نصوص أخرى لم ترَ النور في حياتها، مثل «وميض برق بعيد»، في دلالة على أن مشروعها الإبداعي ظل جزئياً محاصراً بين النشر والتأجيل، بين الرغبة في الكتابة وقيود الواقع.

لقد ارتبط اسمها أيضاً بكتاب نقدي مهم عن نازك الملائكة، عنوانه «صفحات من سيرة نازك الملائكة»، حيث أظهرت فيه قدرة على قراءة التجربة الشعرية العراقية الحديثة من الداخل، بوصفها جزءاً من تحولات الشعر العربي في القرن العشرين، لا مجرد ظاهرة معزولة.

غير أن حياة محمد شرارة، بما حملته من ثراء فكري وإبداعي، انتهت نهاية مأساوية في عام 1997، حين توفيت مع ابنتها مها في حادث انتحار عن طريق استنشاق الغاز، في واقعة تركت أثراً بالغاً في الوسط الثقافي العراقي، وأعادت طرح أسئلة مؤلمة حول علاقة المثقف بالواقع، وحول هشاشة الحياة أمام ضغوطها السياسية والاجتماعية والنفسية.

ورغم هذا الرحيل القاسي، فإن إرثها الأدبي ظل حاضراً، تُستعاد من خلاله صورة امرأة كرّست حياتها للأدب، وللترجمة بوصفها جسراً حضارياً، وللنقد بوصفه محاولة دائمة لفهم العالم. لقد بقيت حياة محمد شرارة علامة فارقة في مسار الترجمة الأدبية من الروسية إلى العربية، وصوتاً نقدياً حاول أن يمنح الأدب معنى أوسع من حدوده اللغوية، وأن يجعل من النص مساحة حوار بين ثقافات متباعدة تلتقي في سؤال الإنسان الواحد. 

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٥١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي
قراءات

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي

قد لا يكون من الدقّة إطلاق وصف المجموعة القصصية على كتاب علي السباعي "بنات الخائبات"، الذي يضم قصتين قصيرتين فقط، لكن قلّة النصوص لا تعني بالضرورة محدودية التجربة أو انغلاق دلالاتها. فالقصتان "فرائس بثياب الفرح" و"سيوف خشبية" تتجاوزان حدود الحكاية المنفردة، لتشكّلا معًا نسيجًا سرديًا متجانسًا،…

· 15 د
حين ترتدي المرأة قناع الرجل لتنجو

قراءة في رواية (الشنبيشة) للكاتب عبد الكريم مختار الجربي
قراءات

حين ترتدي المرأة قناع الرجل لتنجو قراءة في رواية (الشنبيشة) للكاتب عبد الكريم مختار الجربي

ليست كل الحكايات التي تبدأ بالمأساة تنتهي عند حدودها؛ فبعضها يتحوّل إلى رحلة طويلة في مقاومة الخوف، واستعادة الحياة من بين أنياب القهر. وهذا ما تمنحه رواية «الشنبيشة» للكاتب عبد الكريم مختار الجربي، لقارئها، إذ تتخذ من مصير امرأة ليبية حكايةً إنسانية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتطرح أسئلة أوسع عن…

· 5 د
رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد
قراءات

رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد

تروي «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود،حياة وتجربة امرأة انتُزعت من حياتها السابقة، وأصبحت تُعرف باسم أوفريد في جمهورية جلعاد، الدولة الدينية الاستبدادية التي تأسست على أنقاض الولايات المتحدة الأمريكية. لم تبدأ هذه الحكاية بشرح الانقلاب ولا أسبابه ومنفذيه، لكنها انطلقت بذاكرة جماعية…

· 5 د