انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حول الشعر العراقي المعاصر.. شاعرتان وشاعران(3) الحزن والفرح في شعر طارق الحلفي

د. سعيد جمال الدين مايان جه
د. سعيد جمال الدين مايان جه

باحث وأكاديمي صيني

4 دقائق للقراءة
18 مشاهدة
حول الشعر العراقي المعاصر.. شاعرتان وشاعران(3) الحزن والفرح في شعر طارق الحلفي
مشاركة:

ينظر كثير من الباحثين والنقاد فضلا عن غالبية الناس الى الحزن ورموزه في الادب والفن نظرة سلبية فيرون ان نبرة الحزن في الاغاني والفن والاعمال الادبية تبعث على التشاؤم ،والحقيقة إن الحزن حالة طبيعية كالفرح وهي تشكل بالتوازي معه حالة توازن في حياة البشر،فقد ورد في القرآن الكريم(وإنه أضحك وأبكى)بمعنى إن النفس البشرية مجبولة على الضحك والبكاء بصورة متعادلة كما يذهب إليه المفسّرون.

  على وفق الفقرة السابقة وجدتني أتعامل مع شعر الشاعر المهجري طارق الحلفي بمفهوم الحزن والفرح تلك الثنائية التي وجدت منذ وجد الإنسان على وجه الطبيعة.

قد يبدا الشاعر تجربته برمز من رموز التشاؤم وهي كثيرة ومنها اللون المتمثل بالسواد فهو يدل على الحزن  يقول في قصيدة عنوانها (بغداد سرة الخلق) 

اقطفي ِلي ِمن َسواِد الل شمسا

أبديَّة 

المخاطب في القصيدة المكان حيث يوجه يوجه الشاعر كلامه الى بغداد فيشبهبغداد بامرأة تقطف من شجرة سوادهي  الشمس التي لها ثمار ،إنه تصوير لمكان حزين يمثل زخما بشريا حزينا ولو رجعنا الى الماضي قليلا لوجدنا أن الشاعر يستند في هذه الصورة الى سلفه او استاذه المتنبي الذي كان يخاطب كافور الاخشيدي بكلمة الشمس السوداء للتعبير عن حالتين تجوسان في صدره هما السخرية والالم،يقول في كافور الإخشيدي:

تفضح الشمس كلما ذرت الشمس بشمس منيرة سوداء

فنرى الشاعر الحلفي يستفيد من الوصف التراثي القديم  ويوجهه وجهة أخرى وبأسلوب أكثر تحضرا فالمتنبي وإن كان يمدح إلا أنه في هذا الابتكار يؤلم ممدوحه ويسخر منه،ويؤلم مجوعة كبيرة من البشر،إن الشمس السوداء وظفها الشاعر المعاصر الذي نحن بصدد دراسة شعره للحزن الخالص وحده زاد الصورة حزنا وجعلها أكثر جمالا أنّهة أردفها بعد سطر بلازمة من لوازم  التشاؤم أعني بذلك الغراب:

مذ مرّ غراب البين يوما

في فضاء الأبجدية

إن الشاعر يعادل اللون الاسود الدال على التشاؤم والمتمثل بالغراب وحده حيث لايمكن تجزأة الحزن فيحتل في القصيدة المفرد يقابله الشاعر بكلمة الجمع وهي الغرانيق فقد ورد في تعريفها أنها (طيور ماؤية طويلة الساقين والعنق  مثل الكركي واللقالق)  وهي طيور بيضاء تعتبر مثالا جماليا نتيجة لبياضها   وقد تحققت فيها شروط ثلاثة للسعادة والفرح المقابل للحزن

١ كونها طيور ماء

٢ كونها تحب الحرية لانها طيور مهجرية تهاجر وقت الشتاء الى مكان آخر فهي تشارك الشاعر رحلته الطويلة  فهي يعيش في المهجر مثله..

٣ في فترة ما ارتبطت الغرانيق بالمقدس في قوله تعال(أفرايتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى سورة ) حيث صدرت إشاعة من المشركين ان جبرئيل أنزل على النبي(ص) ( تلك هي الغرانيق العلا وانّ شفاعتهن لترجى) اذ أن المشركين اختاروا طيور اللقالق  والكركي مقابل آلهتهم  لما تدل عليه من قوة وضخامة وجمال  كل هذا لفت نظر الشاعر الحلفي ليختار الغرانيق مضارعا للسواد المتمثل بالغراب أضف إلى ذلك أن الشاعر بدأ بالحزن بعد العنوان حيث جعل عنوان القصيدة يوحي بالتفاؤل من خلال كلمة سرّة حيث إن السرّة تدلّ على الولادة والتجدد والحياة فهي الرابط بين الأم وابنها أي بين الحياة والحياة.

وإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر وهو جانب الفرح والإشراق والأمل فسنجد أن قصيدة (اعترافات عاشقة) تمثل هذا الاتجاه:

كطيف حمامة جذلى

تغادر سربها النشوان

تأسرني

ومن خيلائها الملكيّ أجنحة

تفاجؤني

وفي طيش على شفتي تقبلني

إنّ الشاعر في هذه القصيدة يختار البحر الراقص المتدفق كي يعادل بموسيقاه السحرية حالة الفرح

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن

وينتقل من الثلاثية إلى الرباعية:

تموّه عشقها الملهوف بالطيران في وسن

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن

كأنما يسيل بكلماته مثل سرب طير يسرع تارة ويبطيء:

وأنت دليل مفردتي

مفاعلتن مفاعلتن

ثلاثية تستمر ثم رباعية ثم ثنائية

والقصيدة تعج وتعبق بالكلمات الدالة على الفرح والبريق والنعومة والجاذبية والتصوف:

الفرح: طيش،يصدح

البريق: النارنج،الصيف،الجمر

النعومة :البلل

الجاذبية والجمال:الغزال

التصوف:سكر،صحو،التأويل،القلب،الشوق

 وفي حالة التصوف وهو أقصى درجات الفرح والنشوة تنزاح الكلمة عن موضوعها :

سأرمي جمري الثرثار في أمطارك الفتن

حيث يتحد الجمر بالمطر فلا يتضادا بل ليتعايشا فيما بينهما ليخلقا عالما جديدا نقدر أن نطلق عليه عالم النقاء والبراءة.

خلاصة القول في هذه المحاضرة إن  الشاعر طارق الحلفي استطاع أن يجمع بين الفرح والحزن في شعره ليجعلنا ندرك أن الحياة لا تسير بوتيرة واحدة بل هي مدلول من مدلولين هما البياض والسواء .التفاؤل والتشاؤم ..الحزن والفرح.

مشاركة:
د. سعيد جمال الدين مايان جه
د. سعيد جمال الدين مايان جه

رئيس قسم اللغة العربية ،كلية الدراسات الدولية،جامعة صون يات سان

آخر تحديث: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٢١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مفارقة التشيؤ في قصة ( الرهان) لأحمد فكاك البدراني
قراءات

مفارقة التشيؤ في قصة ( الرهان) لأحمد فكاك البدراني

كمال عبد الرحمن تتحرك المفارقة في جوانب عديدة من الحياة،وهي طريقة في الكتابة غايتها تأجيل المغزى واثارة المتلقي عبر صوغ بلاغي يستعمل الكاتب فيه ـ أي في هذا الصوغ ـ اللغة بشكل خادع،وهي تشير على الدوام الى انحراف ما ، على مستوى منطق الفكر،أو على المستوى اللغوي،وهذا الانحراف هو الذي يحدث المفاجأة لدى…

· 6 د
جاكلين سلام: المرأة التي ثقبت قلب المجرة بإبرة من ضوء
قراءات

جاكلين سلام: المرأة التي ثقبت قلب المجرة بإبرة من ضوء

إسماعيل نوري الربيعي في منتصف ليلة لم تعترف بها الساعات، استيقظت مدينة المالكية على صوت شجرة توت تقتلع جذورها من التراب، وتنفض عن أغصانها ألف عام من النوم، ثم تصعد إلى السماء كما تصعد فكرة مجنونة إلى رأس شاعر. لم تكن الشجرة تبحث عن المطر، فقد سئمت المطر الذي يأتي من الجهات المعروفة، وإنما كانت تبحث…

· 6 د
وجيه عباس: الرجل الذي سرق حنجرة الرعد وأقام للمظلومين مملكة فوق أنقاض الصمت
قراءات

وجيه عباس: الرجل الذي سرق حنجرة الرعد وأقام للمظلومين مملكة فوق أنقاض الصمت

إسماعيل نوري الربيعي في الليلة التي قررت فيها بغداد أن تستدعي موتاها ليشهدوا على محاكمة الأحياء، حدثت معجزة لم تسجلها كتب التاريخ، ولم تتنبأ بها أساطير بابل، ولم تجرؤ شهرزاد على روايتها في لياليها الألف؛ فقد نهض دجلة من فراشه الأزلي، وخلع عباءته المائية، ومضى حافيًا في أزقة مدينة الثورة يبحث عن…

· 5 د