عندما أصدر الأب سهيل قاشا كتابه «حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس» عن دار المشرق في بيروت سنة 1996، لم يكن أحيقار شخصية مجهولة في الدراسات الشرقية، ولم تكن قصته وحكمته تنتظران من يكتشفهما. فقد سبقت الكتاب دراسات وتحقيقات كثيرة بلغات مختلفة، كما عرف القارئ العربي أحيقار من خلال أعمال سابقة، لعل أبرزها كتاب المكتبة الشرقية ليوسف سمعان السمعاني وكتاب أنيس فريحة «أحيقار: حكيم من الشرق الأدنى القديم»، فضلًا عن دراسات وإشارات لدى طه باقر والأب ألبير أبونا وغيرهما والقائمة طويلة جدًا.
من هنا، نفهم أن قيمة كتاب قاشا ليس في الكشف عن نص مجهول أو اقتراح قراءة تاريخية جديدة أو تأويلات جديدة، وإنما في اقتناص أحيقار من حقل الدراسات المتخصصة وإعادته إلى قارئ عربي يريد مدخلًا واضحًا ومختصرًا.
لقد اختار قاشا أن يجمع القصة والحكمة وأبرز ما قيل في أصلها وانتشارها، ثم جعل علاقتها بالكتاب المقدس مركز كتابه. وهذه الغاية تفسر حجمه الصغير، وطريقته المباشرة، وقلة مراجعه نسبيًا، كما تفسر اختصاره قضايا كان يمكن لكل واحدة منها أن تصبح موضوع كتاب مستقل.
تكوين الكتاب ومنهجيته

بنى قاشا كتابه بناءً بسيطًا يسهل تتبعه. بدأ بمقدمة عن الحكمة في الحضارات القديمة، ثم قدّم تمهيدًا تاريخيًا لأحيقار، وانتقل إلى أصل القصة وانتشارها، وأورد بعد ذلك النص السرياني لقصة أحيقار الحكيم. ومن الصفحة 35 في ترقيم الكتاب بدأ القسم الذي يمنح العمل خصوصيته، وهو «أثر حكمة أحيقار في الأدب العبري»، موزعًا على أسفار الأمثال والمزامير والأمثال والجامعة ويشوع بن سيراخ وطوبيا، ثم افرد صفحات للعلاقة بين أحيقار وسفري دانيال وعزرا. ثم ختمه بخلاصة ومراجع. ويؤكد فهرس الكتاب هذا البناء المتدرج.
لم يعتمد قاشا جهازًا مرجعيًا ضخمًا. فقائمة المصادر والمراجع في نهاية الكتاب تضم تسعة عشر عنوانًا، معظمها كانت قريبة من القارئ والباحث العربي: كتاب أنيس فريحة عن أحيقار، «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة» لطه باقر، وأعمال الأب ألبير أبونا في الأدب الآرامي، إلى جانب مصادر ودراسات عربية ومترجمة وأجنبية محدودة. ولذلك لا ينبغي تحميل الكتاب ما لم يضعه لنفسه، وهو لم يرد أن يكون موسوعة أحيقارية ولا تحقيقًا جديدًا للنص.
قراءة في الكتاب
بدأ قاشا من فكرة واسعة هي أن الحكمة ظاهرة إنسانية قديمة، وأن حضارات الشرق تركت وراءها تقاليد حكمية انتقلت وتداخلت وهذه نقاط سبق وأن تعرض لها في الكثير من كتبه. ثم قرّب أحيقار إلى القارئ بوصفه حكيمًا ارتبط بالبلاط الآشوري، ثم تتناول بشكل مبسط، مشكلة الاسم وأصل القصة وانتشارها وانتقالها إلى لغات وآداب مختلفة. غير أن هذه الصفحات بقيت تمهيدية؛ فهي تعطي القارئ مفاتيح الدخول ولا تدخل في الخلافات التاريخية والنصية بتفصيل طويل.
بعد ذلك ترك قاشا مساحة واسعة للقصة نفسها وللحكم. وهذا اختيار له دلالته؛ فبدل أن يبقى أحيقار اسمًا يناقشه الباحث، يسمح الكتاب للقارئ بأن يلتقي الشخصية داخل حكايتها، أي أحيقار الحكيم، نادان الابن المتبنى، الخيانة، العقاب، النجاة، ثم عودة الحكيم وانتصاره. ويلي السرد عدد كبير من الحكم والنصائح التي تشكل الوجه الآخر للشخصية.
لكن مركز الكتاب الحقيقي يبدأ عندما ينتقل المؤلف إلى الأدب العبري. هنا تتغير طريقة العرض من السرد إلى المقابلة البسيطة. يأخذ قولًا من حكمة أحيقار ويضع إلى جواره نصًا من سفر الأمثال أو المزامير أو الجامعة أو يشوع بن سيراخ، محاولًا إظهار التقارب في المعنى أو الصورة أو النصيحة. ففي سفر الأمثال يناقش تربية الأبناء، والصمت، والصديق، ومجالسة الحكماء، والحذر من المرأة الغريبة، والشماتة بالأعداء، وغيرها. ثم يتبع النهج نفسه مع بقية الأسفار.
هذه المقابلات هي أكثر أجزاء الكتاب سهولة وفائدة للقارئ العام، لأنها تضع النصوص أمامه بدل الاكتفاء بإعلان وجود علاقة بينها. لكنها تكشف أيضًا حدود منهج الكتاب. فالتشابه بين حكمتين لا يثبت دائمًا انتقال إحداهما من الأخرى. بعض الأفكار، مثل حفظ اللسان، واختيار الصديق، وتربية الأبناء، والحذر من الغرور، شاعت في آداب الحكمة القديمة. ولذلك كان عنوان «الأثر» يحتاج في مواضع عديدة إلى برهنة تاريخية ونصية أوسع مما يسمح به حجم الكتاب ومنهجه.
وتبرز هذه المشكلة بوضوح أكبر في الصفحات التي خصصها قاشا لسفر طوبيا. فهو لاحظ أوجه شبه قوية بين الشخصيات والحكاية والحكم، وناقش حضور أحيقار نفسه في طوبيا، ثم عرض بعض أوجه الشبه بين السفر وقصة أحيقار. ولم تكن هذه الصفحات حاسمة؛ لأن علاقة أحيقار بطوبيا وحدها تفتح أسئلة تتعلق بتاريخ النصوص وصيغها ولغاتها واتجاه انتقال المادة، وهي مسائل تحتاج إلى دراسة مستقلة أوسع بكثير.
والأمر نفسه يظهر عند حديثه عن دانيال وعزرا. قاشا يلتقط القرائن ويعرضها سريعًا، لكنه لا يحول كل قرينة إلى بحث مستقل. وهذه ليست بالضرورة ثغرة إذا قرأنا الكتاب وفق غايته التعريفية؛ لكنها تصبح قصورًا إذا طالبناه بإثبات تاريخ تفصيلي لانتقال الحكمة بين النصوص.
وسنجد أن خاتمة قاشا أكثر احترازًا من بعض عبارات المتن. فهو يشير إلى البرديات الآرامية المكتشفة في جزيرة الفيلة، وإلى مشكلة تأريخ الأسفار، ثم يطرح احتمال وجود تراث حكمي شرقي مشترك، ولم يحصر القضية دائمًا في انتقال مباشر من كتاب إلى آخر. كما تحدث عن حركة الأخذ والعطاء بين الثقافات الشرقية القديمة. وهنا يقترب الكتاب من رؤية هادئة؛ أحيقار حلقة في فضاء ثقافي تحركت داخله القصص والحكم والصور والأمثال عبر قرون طويلة.

ويظل حضور أنيس فريحة مهمًا لتحديد موقع الكتاب من غير تحويل قراءتنا إلى مقارنة بين الرجلين. فريحة سبق قاشا بعمل عربي أوسع عن أحيقار، وقاشا نفسه أحال إليه ضمن مراجعه. لذلك لم يكن قاشا يؤسس معرفة عربية بأحيقار من الصفر. ما فعله هو إعادة اختيار المادة وترتيبها حول سؤال محدد، تناوله ببساطة: كيف يمكن قراءة حكمة أحيقار إلى جوار نصوص الكتاب المقدس؟
ومن هذه الزاوية يمكن فهم كتابه كحلقة تعريفية لاحقة استفادت من جهود سبقته، ثم أعادت تقديم الموضوع بصورة مختصرة وسلسة.
عشرة استنتاجات
1 ـ لم يقدم قاشا اكتشافًا جديدًا لأحيقار، وإنما أعاد تقديم شخصية قديمة درست قبله طويلًا، وجعلها متاحة في كتاب عربي صغير واضح البناء وسهل القراءة.
2 ـ تكمن خصوصية الكتاب في نقل مركز الاهتمام من أحيقار وحده إلى علاقته بالنصوص الكتابية، وهو ما يفسر عنوان العمل وترتيب أقسامه.
3 ـ اعتمد المؤلف على دائرة محدودة من المراجع، وكان للمؤلفات العربية والمترجمة حضور ملحوظ فيها،وهذا خدم التبسيط لكنه حدّ من اتساع المناقشة العلمية.
4 ـ لم يخف قاشا استفادته من جهود سابقة؛ فحضور أنيس فريحة وطه باقر وألبير أبونا وغيرهم ظاهر في الهوامش وقائمة المراجع.
5 ـ منح إدراج قصة أحيقار وحكمه الكتاب وظيفة تتجاوز المناقشة النظرية، إذ يستطيع القارئ التعرف إلى النص والشخصية قبل الدخول في المقارنات.
6 ـ كانت المقابلات مع أسفار الكتاب المقدس بسيطة وواضحة، ولكن التشابه الموضوعي لا يعني دائمًا وجود اقتباس أو تأثير مباشر.
7 ـ يمثل سفر طوبيا أهم مناطق الكتاب، لأن الصلة بأحيقار تتجاوز تشابه الحكمة إلى حضور الشخصية وعناصر سردية مشتركة، ومع ذلك بقيت المعالجة مختصرة جدًا.
8 ـ اتسم الكتاب بالاقتصاد والوضوح، وهما ميزتان تخدمان القارئ غير المتخصص، لكنهما جعلا بعض القضايا التاريخية والنصية تمر بشكل سريع وكانت تستحق المزيد من النقاش.
9 ـ أظهرت الخاتمة وعيًا بأن أدب الحكمة لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم من مصدر إلى آخر، وإنما داخل فضاء مشرقي شهد تبادلًا طويلًا بين الثقافات.
10 ـ يمكن في النهاية قراءة «حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس» بكونه كتاب استعادة وتذكير وتقريب وتبسيط أكثر من كونه بحث اكتشاف وتجديد. وربما سعى قاشا إلى جعل أحيقار قريبًا من القارئ العربي بلغة وتنظيم لا يثقلانه بالتفاصيل.
خاتمة
يبقى كتاب «حكمة أحيقار وأثرها في الكتاب المقدس» للأب سهيل قاشا محاولة موجزة مبسطة لإعادة أحيقار إلى دائرة القراءة العربية، وكانت سبقته دراسات عربية وأجنبية أكثر اتساعًا وتخصصًا. لم يهدف قاشا إلى اكتشاف أحيقار من جديد، ولا إلى كتابة تاريخ شامل للنص ومخطوطاته، وإنما جمع أهم عناصر القصة والحكمة، ثم وجّه اهتمامه إلى بعض أوجه التقارب بينها وبين عدد من أسفار الكتاب المقدس.
وتكمن فائدة الكتاب في وضوحه وسهولة بنائه وقدرته على فتح أبواب عديدة أمام القارئ، بينما تظل بعض مقارناته بحاجة إلى قدر أكبر من الاحتراز؛ فالتشابه لا يعني دائمًا انتقالًا مباشرًا أو تأثيرًا محسومًا. ومع ذلك، فربما نجح قاشا في تذكير القارئ بأحيقار بكونه صوتًا حكميًا قديمًا عبر اللغات والثقافات.







التعليقات